كلما ازداد الاحتقان الطائفي في العراق، يبرز الاسم كواحد من الاستدلالات على تحديد هوية الشخص الطائفية، وبالتالي يصبح اسمه أشبه بتهمة تلاحقه أينما حل وارتحل، ولعله تعتريه رعشة وخوف عندما تطلب منه نقطة تفتيش أو سيطرة هويته، لا لشيء سوى أن اسمه قد يشكل عائقًا أمام مروره بسلام، وربما قد يدخله في إشكالية أمنية ذات بعد تاريخي، لكن الأخطر من ذلك عندما تكون السيطرة وهمية أو تابعة لميليشيات، عندها ستكون فرص نجاته ضئيلة في جميع الأحوال.

ومن خلال الاسم الذي بات يشكل هاجسًا لدى الآباء قبل أبنائهم، أصبح أحد الخيارين أمامهم، إما في تسفير الابن إلى الخارج ليكون مطمئنًا عليه من الملاحقة أو الاستهداف بسبب الاسم، وإما أن يستبدل باسمه اسمًا آخر لا يثير نزعة طائفية، ولا يستدعي رؤى تأريخية لا تزال تحفز في بعض النفوس المريضة مكامن الحقد والكراهية، وصولًا إلى الثأر.

وإزاء حالة التشنجات التي تشهدها البلاد في ظل انتشار الميليشيات الطائفية، والمجاميع المسلحة الإرهابية، نشطت هذه الأيام معاملات تبديل الأسماء، وأخذت الصحف تنشر الإعلانات الخاصة بذلك.

التغيير لا يتعارض مع القانون

وفي هذا الصدد، قال ضابط في مديرية الجنسية العامة، وقد تحفظ على ذكر اسمه: أن تغيير الأسماء لا يتعارض مع القانون والحرية الشخصية، بشرط أن لا يكون الغرض من التغيير هو التهرب من جريمة ما أو استحقاقات في ذمته لآخرين، لذا لا تروج أية معاملة لتغيير اسم إلا بعد نشر الطلب في صحيفة يومية، والتأكد من عدم وجود معارض للتغيير.

كانت رؤيته رسمية، كما يبدو، فمن حق أي إنسان أن يغير اسمه، لا خلاف في ذلك، ولاسيما إذا كان الاسم غير لائق اجتماعيًا، أو يسيء إليه بشكل من الأشكال، أو يثير سخرية الآخرين منه، أو حتى مجرد أن الاسم لا يعجبه أصلًا، لكننا إزاء أسماء معينة يراد تغييرها للتخلص من الملاحقات الطائفية، وليس لسبب آخر.

بعد استدراكنا هذا له، أوضح الضابط أن تغيير الأسماء على هذا الأساس كان متوقفًا أصلًا، لكنه فتح أخيرًا ولمدة محدودة، لطمأنة من بات يتوجس من اسمه، أو يشعر بوجود خطر عليه بسببه، ولا شك أن هناك ظواهر سلبية وممارسات لا يمكن نفيها، جعلت حالة الخوف مشروعة من الاسم نفسه، لكن في الوقت نفسه نؤكد أن النظام سوف لن يسمح بتهديد أي إنسان على حساب اسمه، أو انتمائه العشائري والمذهبي.

آباء يتحدثون

كانت فرصة مواتية لالتقاء بعض الآباء، وهم يحملون كتبًا من مديرية الجنسية والأحوال المدنية إلى الصحف لإعلان طلب التغيير.
قال أحدهم، وهو المواطن أحمد محمد، أنه عاد قبل أسبوع من تركيا مع أسرته، مشيرًا إلى أن اسم ولده كان السبب في ترك العراق، لكن الحياة صعبة هناك، وبرغم الأمان الذي كنا نشعر به، كان لابد من أن نقرر العودة إلى الوطن ونعيد ترتيب أوراقنا للعيش فيه، ومن بينها هذه الورقة، ولوح بنسخة الكتاب الخاص بتغيير اسم ولده.

وأردف قائلًا: لا شك أن الاسم ليس وحده سبب القلق والخوف، فكل حركاتنا وتنقلاتنا محفوفة بالمخاطر، لكن كما يبدو لا خيار لنا غير العيش في هذا الوطن، وكما قال السابقون: حشر مع الناس عيد، مستدركًا: لكن الاسم كان يشكل هاجسًا عند كل نقطة تفتيش، أو في المدرسة أو الكلية، أو في أية معاملة، لذا أجدني أبحث عن الأمان، حتى لوتطلب ذلك مني أن أخسر الاسم الذي أكنى به.

أما ابنه عمر، فقال: أشعر بالحزن، كوني أفارق هذا الاسم الذي عاش معي 20 سنة، وأصبح جزءًا من شخصيتي، حتى أني لا أستطيع أن أستوعب كيف سأنادى باسم آخر، لكني في المقابل أرأف بوالديّ اللذين باتا يخشيان عليّ من اسمي ويعيشان بسببه في خوف دائم.

أب آخر، لم يكشف عن اسمه، يشعر بالندم كونه لم يحسب للأيام حسابها، ويختار اسمًا لا يشكل عبئا على ولده في هذه المرحلة، لكنه الآن أدرك أهمية أن يكون الاسم لا يمثل شخصًا أو رمزًا تاريخيًا، ويسمي أي اسم آخر لا يثير حفيظة أحد.

وتساءل والحسرة تملأ صدره: لماذا يُقتل إنسان من أجل اسمه؟ ولماذا يتحول الاسم إلى خطر لمجرد بعده التأريخي؟ مع أنه متداول من جميع الطوائف بشواهد من التاريخ نفسه.

نقاط تفتيش وهمية

في ظل هيمنة الميليشيات، وتحكمها بالوضع الأمني، أصبح الوضع أكثر تعقيدًا، ولاسيما مع وجود أيديولوجيات ذات بعد طائفي، تسعى لإجراء تغييرات ديموغرافية من خلال استهداف الهوية، وباتت المخاوف تتزايد مع قدرة هذه الميليشيات على تنفيذ مهمات هي في الأصل من اختصاص المؤسسة العسكرية والأمنية.

ولعل نصب نقاط تفتيش وهمية واحدة من المشكلات التي تواجه بعض الأسماء التي ربما بسببها يضيع أثر المسمى، ما يدفع باتجاه الترويج لمعاملات تغيير الأسماء.

وفي موازاة ذلك نشطت عمليات تزوير الهويات لإبرازها أمام نقاط التفتيش، فاسم “بكر” مثلًا يتحول إلى “بدر”، و”عمر” إلى عمار، و”عبيدة” إلى “عبد الله”، ويبرر البعض سبب لجوئه إلى التزوير أن المنطقة التي تقع فيها دائرة الأحوال المدنية الصادرة عنها هويته، مفروزة طائفيًا، وبالتالي، تكون مراجعته إلى دائرة الأحوال انتحارًا، ولا سيما أن بعض عصابات الخطف على الهوية تتصيد الأسماء التي تشكل رمزًا لطائفة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد