ماذا نعرف عن سويسرا؟ ما هي تلك الأشياء التي تأتي إلى مخيلتنا عندما نقول “سويسرا”؟ ربما يفكر بعض الناس في الشكولاتة، وآخرون يفكرون في الساعات، وآخرون في البنوك والتسهيلات، وآخرون يفكرون في تلك الدولة المحايدة التي تجمع بين لغات متعددة في فدرالية، وأشياء كثيرة لا حصر لها. بلا شك، الحياة متعددة الجوانب، وكل شخص ينظر إلى الحياة ومكوناتها من وجه نظره، أو وجه نظر قد تأثر بها في حياته.

في هذا المقال سأنظر إلى سويسرا بمنظور اقتصادي في هذا العصر، وليس تاريخ سويسرا سياسيًّا وكيف أنشأت دولتها الحديثة. هناك فرق بين صناعة اقتصاد قوي لدولة “قطرية-National state” ضمن حضارة قائمة، وبين إعادة بناء حضارة قوية. فالأدوت (التعليم مثلًا) التي تحتاجها كي تصنع اقتصادا قويًّا أقل من تلك التي تحتاجها لكي تصنع حضارة عريقة.

فلكل حضارة فلسفة، وكل حضارة قوية وصلبة تشمل أو معظمها تشمل فلسفة اقتصادية. وفي في هذا العصر المتعولم أصبحت الحضاره الغربية هي السيدة والسائدة اقتصاديًّا. ولكن كي تسود تلك الحضارة اقتصاديًّا كان يجب عليها مراجعة كل ما تؤمن به فكريًّا، ودينيًّا، وفلسفيًّا… إلخ، فلا يخفى على أحد عصور الجهل والظلام التي سادت في أوروبا في القرون الوسطى.

بعيدًا عن شخصها وسياستها التي اختلفت أو اتفقت معها، فإن “مارجريت ثاتشر-Margaret Thatcher” لها مقولة محكمة تقول: “إن ما صنع أمريكا هو الفلسفة، وإن ما صنع أوروبا هو التاريخ”. وهي بلا شك مقولة صائبة تتمثل في “صلح وستفاليا- Treaty of Westphalia” بعد حروب دموية وأباء أمريكا المؤسسين الذين كتبوا الدستور الأمريكي المتأثر بالفلسفة الأوروبية الناتجة عن آدم سميث، وتوماس بين، وجون ستورت مل، وتوماس هوبس، وغيرهم. لماذا أكتب ما قد يبدو إنه بديهي؟ لأن هناك خلطًا واضحًا بين تنمية اقتصادية وصناعه حضارية تشمل الاقتصاد أيضًا. هذا المقال يتحدث عن العلاقة بين العدل، والتعليم والتنمية الاقتصادية وليس “الصناعة الحضارية” التي بلا شك تحتاج إلى تعليم أعمق وأطول.

لنعود إلى سويسرا. كيف أصبحت سويسرا من أكثر البلاد الناجحة اقتصاديًّا وصناعيًّا، وهي دوله لا تستثمر كثيرًا في التعليم مقارنة بالدول الغنية، وأيضًا بالدول الفقيرة؟! قد يفسر بعض الناس أن سويسرا تستثمر قليلًا لكن جودة جامعتها جيدة. عندما نقارن الجامعات السويسرية مع الجامعات الكورية أو الأرجنتينية قد يكون هذا التفسير صحيحًا، ولكن عندما نقارن الجامعات السويسرية مع الجامعات الأمريكية أو الألمانية فإن هذا التفسير يصبح خاطئًا، لأن عدد الطلاب ونسبتهم في سويسرا أقل بكثير من ألمانيا وأمريكا، وكذلك جوده التعليم متقاربة.

من أهم مميزات سويسرا هي البيئة التنافسية والمناخ الذي يشجع الشباب على الابتكار والاختراع، فسويسرا لديها أعلى معدل لتطبيق البراءات للفرد حول العالم. ما هي العلاقة بين تلك المعلومة والتعليم؟ حتى عام 1996، نسبة التسجيل في الجامعات السويسرية كانت من أقل النسب (16%) مقارنة بالدول الأعضاء بالمنظمة الاقتصادية للتعاون والتنمية “(34%) OECD”. زادت هذه النسبة في عام 2007 إلى %47 وفقًا لمنظمة اليونسكو (Unesco). تلك النسبة ضئيلة جدًا بالنسبة إلى الكثير من البلدان مثل فنلندا (94%)، أمريكا (82%) الدنمارك (80%)، وحتى بلدان أفقر مثل لثوانيا (76%)، الأرجنتين (68%)، كوريا (96%). سيتساءل الكثير من الناس، كيف يبتكرون ويخترعون والكثير منهم لا يذهبون إلى الجامعات؟

الكثير من الدول التي لديها جوده تعليم عالية أو نسبة تسجيل عالية في الجامعات تشجع الطلبة على أن يصبحوا موظفين وليسوا رواد أعمال، والكثير من دول التي بها مستوى تعليم منخفض مثل مصر تعاني من فساد إداري لا يشجع الشباب على الابتكار لمعرفتهم أنهم لن يأخذوا حقهم من براءة الاختراع، فالبديل يصبح الهجرة والبلد لا تستفيد، وهناك عدد لا حصر له من المواهب المخنوقة. زد على ذلك أن في هذا العصر مع وجود الإنترنت فإن التعليم من البيت أصبح أسهل إن وجدت إرادة عند الشباب، ويسهل على الشباب الذين لديهم شغف أن يحققوا أهدافهم الابتكارية عن طريق التعلم على الإنترنت.

بحسب “التقرير لأكثر الدول تنافسية حول العالم” فإن سويسرا الحائزة على المركز الأول في العالم للسنة السادسة على التوالي في عام 2014. وهذا التقرير يثبت إنه كلما كانت الدولة تشجع على التنافس “العادل” و”الابتكار”، كلما كانت هناك تنمية مستدامة، وكلما كانت مخاطر الدخول في ركود اقتصادي أقل. بينما يثبت هذا التقرير أنه كلما كان اقتصاد أي دولة مسيطر عليه من قلة قليلة لا تسمح بالابتكار وإنشاء شركات صغيرة ومتوسطة، كلما قلت التنمية وزاد خطر الرقود. فبحسب تقرير “المنتدى العالمي للاقتصاد” كانت سويسرا من أقل الدول حول العالم تأثرًا بالأزمة الاقتصادية مقارنة باليونان التي زادت البطالة فيها إلى 27%، بينما لم تزيد في سويسرا أكثر من 4%.

هناك فرق بين تقدير التعليم والهوس بالتعليم. فهناك دول عربية تستثمر المليارات في مركز أبحاث، ولا يوجد عائد منها. التعليم بلا شك مهم للتقدم الاقتصادي، ولكن هناك عوامل بنفس الأهمية إن لم تكن أكثر أهمية مثل إنشاء مؤسسات شفافة وفعالة لها رؤية وخطة محكمة لتمويل وتدريب الشباب وحثهم على الابتكار والاختراع. سويسرا أعدت “الكونجرس الدولي للتدريب” حتى تستفيد الدول الأوروبية من تجربتها. ولكن حتى يؤتي هذا تدريب والتمويل ثماره يجب أن يطمئن الشباب أن “التنافس العادل” موجود، وأن هناك من سيحمي حق المخترع أو المبتكر لو حاول أحد سرقه مجهوده.

من الصعب أن تكون سويسرا الأول في “تقرير التنافسية العالمية” وهي من أكثر البلاد فسادًا حاول العالم. سويسرا تحتل المرتبة الخامسة في أقل البلاد فسادًا حول العالم، بينما تحتل مصر المركز الرابع والتسعين، ولذلك تحتل مصر المرتبة 119 في “تقرير التنافسية العالمية”. الخلاصة: العدل قبل التعليم. التعليم بلا عدل، يصبح فسادًا ولا يصبح للتعليم (المهني) قيمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد