قراءة لمسرحية «يا سلام سلم الحيطة بتتكلم» لسعد الدين وهبة

 

في القاهرة عاصمة السلطنة المصرية، تحدث حكاية طريفة أيام المنصور، ذكرها المؤرخ جمال الدين أبو المحاسن في كتابه (النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة)، إذ يتحدث الحائط إلى الناس، يشي لهم بفساد المسئولين، ويكشف أدران السُلطة، ويتكلم في أحوال الناس بالعِلم والحكمة حيث هُما قيمتان مفقودتان في المجتمع المصري العتيق السائد فيه الجهل والتخاريف والضعف والفقر والمرض.

 

يقبض السلطان على المرأة الشجاعة التي ابتكرت وسيلة الكلام من خلال الحائط لتأليب الناس على الحُكام بثورة الفَهم، وهنا تبرز قيمة المرأة الثائرة المُتعلمة الخبيرة، التي تكره واقع مجتمعها الفاسد، وتبغي الإصلاح ما استطاعت؛ لتُحسن من مستوى مجتمعها المُكون من الذكور والإناث بدون تفريق، وكأنها أم رءوم ترعى أولادها وتُرشد خطواتهم؛ ليكونوا أقوياء يُواجهون أعداءهم بالحكمة (القوة واللين معًا)، وهما القيمتان اللتان يحترمهما أي شعب في الحاكم الصالح. يخلص الوزراء والقادة من مستشاري السلطان إلى تحويل قصة الحائط من مُؤلِب ضد نظام السلطان إلى مُتحدث باسم الآمر بالله السلطان وأعوانه من أجل مصلحة النظام والناس!

 

لكن اللعبة تفض الناس من حول الحائط، ويستغلها الفاسدون في الحُكم لصالحهم والانقلاب على السلطان، فيقبض المُنقلبون على الأخير والمرأة، ليُسجنا متوقعين الإعدام، لكن يتمكن تلامذة السلطان المُخلصين من تهريبه، والسيطرة على الحُكم المسلوب، وتقويض المنقلبين الفسدة. ويعود السلطان إلى عرشه ناويًا هدم الحائط الذي نشر الفتنة بكل الأرجاء حتى طالته هو ذاته.

 

في تلك الأثناء تُكفر المرأة عن ضعفها وجلب الفتن بسبب لعبة حائطها، فتُقنع الناس بأن الحائط لا يتحدث باسم الله ولا باسم الدين ولا أولياء الأمور، وأنه فتنة يُراد بها الشر والظُلم والاستغلال للعامة، ثم تكشف لهم المرأة المُزيفة المتكلمة باسم الانقلاب من وراء الحائط، فيثور الناس ويهدمونه. وبدلًا من أن يهدم السلطان الحائط، يهدمه الناس كحَل أمثل للتغير والوعي. لتصل المرأة إلى غايتها في أن يتحرك المجتمع ويهدم جهله ويُزيل جبروت حُكامه بيديه.

 

راقتني المسرحية كثيرًا، لغتها أقرب للعامية أو هي خليط من الفصحى والعامية، كما أنها سلسة، وجرعة التهكم والسخرية بها لاذعة. ومَسارها يصب في هدفها تمامًا، جرعة الإثارة عالية، والحبكة قوية.

 

الكاتب يرصد حقبة تاريخية (أيام حكم السلطان المنصور علي 778هـ ـ 1377م)، ويُسقطها على واقعنا الراهن بجدارة، وبرغم أن النسخة التي قرأتها منشورة بطبعة مهرجان القراءة للجميع 1997، أي أنها مكتوبة ومنشورة قبلها بفترة طويلة، إلا أنني شعرت أن بعض من الجُمل والمصطلحات تليق بواقع 2018.

 

فعلى سبيل المثال: نجد كلمة (الميدان) في بداية المشهد الأول من الفصل الثاني: (يرفع الستار عن ميدان من ميادين القاهرة في العصر المملوكي) وكذلك في المشهد الثالث من الفصل الثالث: (الميدان في مواجهة الحائط.. الميدان خالٍ تمامًا..) وهو ما يُناسب رمزية الميدان في نفوس ثوار 25 يناير2011.

 

وكذلك كلمة (المخلوع): في المشهد الثالث من الفصل الثالث: (المرأة: الفتوى اللي أصدرها السلطان المخلوع.) وترددها على الرئيس الذي بقي في السلطة ثلاثين عامًا وخلعته ثورة 25يناير.

 

رمزية الحائط هنا تتجه إلى كل وسيلة يستخدمها المقاومون للظلم والمجاهدون بالكلمة مما لا حيلةَ لهم غير اللسان والصوت والرأي والفِكر، هي وسائل العصر المُتحضر لدى الشعوب المغلوبة: مثل المنشورات والصُحف والمجلات والإذاعات وقنوات الإعلام الفضائية وحوائط التواصل الاجتماعي الافتراضية على شبكة المعلومات. وهي أدوات الثورة السلمية، وطُرق التوعية السياسية، التي يخشاها كل طاغوت وطُغمته في كل زمان ومكان، ويسعى لمناوأتها أو شرائها أو رشوتها أو الاحتيال عليها.

 

وهذه طائفة من الاقتباسات التي أعجبتني:

 

الأتابك (الفاسد): اجلس وتناول بعض هذه الأطايب وستنسى مشاغلك

قائد الحرس (الشَريف): شكرًا.. لا أريد أن أنسى.

السلطان: عندك عساكر؟ الأتابك: كتير. السلطان: عندك سلاح وذخائر؟ الأتابك: قليل. المحتسب: لا بد من ضريبة جديدة تجهز بها الجند.. ما رأيكم؟ الوزير: لا بد من ضريبة جديدة. المحتسب: بيت المال خالي الوفاض لا بد من مال يأتيه. قائد الشرطة: ضريبة وكبيرة كذلك. الوالي: الناس ستطفش. قائدالشرطة: تطفش إلى أين؟ الوالي: سيطفشون إلى خارج القاهرة؛ لقد أخذنا كل ما عندهم وأصبح كل مَن في القاهرة إما شحاذًا وإما يُفكر في الشحاذة.

عمر: هاتي، بلد فقر، أنا عارف إيه اللي جابنا هنا؟ ربنا مش كان حطنا في حتة تانية أهلها ناس كرما.

 

(القاضي يشير إلى رجل بيده مقص فيتقدم إليه يشير له على الفستان عند الركبة. فيميل الرجل يقص الفستان فوق الركبة والمرأة تعترض) المرأة: فستاني، فستاني. (الرجل لا يبالي بالاعتراض، ويكون قد قطع جزءًا من الثوب يسلمه للقاضي، القاضي يميل فيحسب نهاية الفستان عند الركبة) القاضي: مش حرام عليكم تضيعوا أموال الشعب كده؟ المرأة: حرام. القاضي (يتحسس ركبتها) إنتي ركبك من النوع المربع.

 

الرجل: أنا مش عارف أأكل العيال، ما فيش شغل ولا حد يديني حاجة، والعيال حيموتوا من الجوع. أعمل ايه؟ الحائط: اللي يستاهل وما عندوش؛ ياخد من اللي عنده ولا يستاهلش.

 

السلطان: ماذا فعلنا لنُخيفك؟ المرأة: فعلتم الكثير. المرأة: بك؟ المرأة: بالناس. السلطان: وما شأنك بالناس؟ المرأة: أكفكف دمعة الحزين، وأرد عن المظلوم الظلم، وأدخل السرور على قلوب الناس حتى يتحملوا حكامك. السلطان: وما هي قصة الحائط بالضبط؟ المرأة: اخترعتها لأساعد الناس. السلطان: لتضليلهم والكذب عليهم. المرأة: الناس في حاجة إلى ما يؤمنون به حتى ولو كان حائطًا يتكلم. السلطان: الناس تؤمن بي. المرأة: أنت أقوى من أن تؤمن بك الناس. السلطان: يؤمنون بالسلطان الضعيف؟! المرأة: ولا بالسلطان الضعيف. السلطان: لماذا؟ المرأة: لأن الناس تخاف السلطان القوي، والسلطان الضعيف يخاف الناس، والناس لا يؤمنون بمَن يخافونه أو مَن يخافهم. السلطان: إذن بمَن تؤمنين؟! المرأة: بالذي يمزج الضعف بالشدة، والعنف بالرحمة والقسوة بالحنان. السلطان: وإذا فقد الناس إيمانهم بالسلطان. المرأة: ضاعوا وضاع السلطان. السلطان: ألا يؤمنون بالله فيحفظ عليهم إيمانهم؟ المرأة: لقد سرقوا منهم لله. السلطان: مَن هم؟ المرأة: الظالمون من حكامك. السلطان: حكامي يأتمرون بأمري. المرأة: هذا ما يقولونه. السلطان: إني أرى الناس سعداء. المرأة: أنت تراهم سعداء؟ السلطان: يضحكون ويغنون ويرقصون. المرأة: الطير يرقص مذبوحًا. السلطان: مَن علمك الفصاحة؟ المرأة: الزمان. السلطان: والوقاحة؟ المرأة: حكامك. السلطان: ألا تخافين بطشي؟ المرأة: الجثث لا تخشى الموت. السلطان: وأنتِ جثة؟ المرأة: منذ نويت أن أحاربك. السلطان: تحاربينني؟ المرأة: أحارب كل مَن يعمل باسمك وبكل سلاح. السلطان: وما هو سلاحك؟ المرأة: لساني. السلطان: سلاح قادر؟ المرأة: عندما أيقنت أنك غير قادر، ركبته في الحائط. السلطان: الحائط أقوى منك؟ المرأة: وأقوى منك. السلطان: الحائط أقوى من السلطان؟ المرأة: تجرب؟ السلطان: كيف؟ المرأة: أصدر أمرًا وسيصدر الحائط أمرًا مخالفًا، وسترى أي الأمرين يطيعه الناس. السلطان: الحائط قوي بلسانك؟ المرأة: بثقة الناس فيه. السلطان: تكرهين الكذب، وتكذبين على الناس؟! المرأة: أكذب عليهم من أجلهم. السلطان: ولكنه كذب. المرأة: عندما يصبح الكذب هو العملة الرائجة فلا بأس أن نشتري به الخير. السلطان: ولكن الناس كلهم يتكلمون. المرأة: دون أن يخرجوا لسانهم. السلطان: إذن كيف يتكلمون؟ المرأة: بلسان قوتك.

 

السلطان: الناس في رأيك كذابون، منافقون، أو ضعفاء. المرأة: الناس فرادى فيهم هذه الصفات، أما إذا اجتمعوا كانوا كالطوفان. السلطان: ومَن يجمعهم. المرأة: الإيمان بقوة أقوى من السلطان.

 

المرأة: أليس في ذلك اعتراف بأن الحائط أقوى منكم؟ الوزير: بين شعب جاهل يكون الحجر أقوى من أعظم العلماء. المرأة: ولم تركتموه جاهلًا؟ حتى تسهل قيادته. وعندما يبعد عنكم تلجئون لحصاره حتى في خرافاته. بدلًا من هدم الحائط استيلاء الدولة على الحائط. وبعد أن كان الحائط ينطق باسم الناس. ينطق باسم السلطان. هاتوا المشنقة. هاتوا المشنقة.

 

الوزير: وما نهاية أطماعك؟ المرأة: أن تعود بلادي لمجدها وأن يعود لشعبها الحب. الوزير: الحب؟ المرأة: نعم، أبشع ما يذعر الناس أنهم فقدوا الحب. الوزير: إنك تبالغين. المرأة: إن ما أسأل نفسي عنه كل الليلة، هو كيف يعيش الناس بين كل هذه الأطنان من الحقد والكراهية! الوزير: تسمين التنافس حقدًا؟ المرأة: التنافس أن يحاول الإنسان أن يسبق زميله. أما الذي يحدث فهو أن كل إنسان يحاول أن يسرق زميله. الوزير: لماذا فقد الناس الحب؟ إذا كانوا حقًا قد فقدوه. المرأة: ربما الخوف. الوزير: الخوف! من أي شيء يخاف الناس؟ المرأة: منكم. الوزير: مصر لم تر سلطانًا في عدالة السلطان. المرأة: السلطان لا يحكم وحده.

 

الوزير: ماذا يريد الناس في مصر؟ المرأة: قلت لك الحب. الوزير: وماذا يُعيد إليهم الحب؟ المرأة: الأمان. الوزير: ومَن يعطيهم الأمان؟ المرأة: أنت ورجالك. الوزير: وكيف أعطيهم أنا ورجالي الأمان؟ المرأة: تعطونهم الغد. الوزير: وكيف نعطيهم الغد؟ المرأة: تؤدون واجبكم، وتضعون معيارًا واضحًا للأمور.

 

السلطان: ومتى سيدفع الناس الضرائب؟ المرأة: عندما يسد السلطان الثقوب في جيب السلطنة. السلطان: الثقوب؟ المرأة: نعم، بيت المال مليء بالثقوب. ولذلك يضيع أكثر ما يجمع، أما إذا سُدت الثقوب استطاع الجيب الاحتفاظ بما يجمع. هذا هو الشرط الأول. السلطان: والثاني؟ المرأة: أن يبدأ السلطان برجاله. السلطان: إنهم فقراء. المرأة: ما يقولون غير ما يخفونه. السلطان: وسب الوزير وقائد الشرطة والأتابك؟ المرأة: إنقاذًا لك ولمملكتك. السلطان: إنقاذ مملكتي بإهدارها للناس؟! المرأة: أردت أن أعزلهم عنك لأن الناس يتكلمون. السلطان: وماذا يقولون؟ المرأة: يقولون إذا كانت الحكام طاغية باغية، فلماذا يبقيهم السلطان في مواقعهم. السلطان: لأن السلطان لا يستطيع كل يوم أن يجد وزيرًا، أو أن يُعين قائدًا للشرطة. المرأة: الناس يقولون أنه يستطيع. السلطان: وحتى يحدث ذلك، هل من الكياسة أن تثيري الفتنة بين الناس؟ المرأة: بل أعمل العكس، وهذا أقبح ذنبي. السلطان: تعملين العكس؟! المرأة: نعم، أمنع الفتنة، لقد تبينت هذا الأمر غريبًا. لقد آمن الناس بالحائط؛ فخلعوا همومهم عليه. وأصبح يُمثل لهم المستقبل والأمل والخلاص. أصبح مانعًا لسخطهم وثورتهم، ولولا هذا الحائط لعرفوا أن الفعل في أيديهم هُم، ولفكروا وتحركوا وثاروا.

 

السلطان: وماذا عملت الحائط؟ المرأة: نطقت بالحق فقط. السلطان: الحق نفسه يحتمل القول، ما ترينه حقًا قد يراه الآخرون ضلالًا. المرأة: الحق لا يتغير. السلطان: رؤية الناس له ترتبط بمكانهم منه حيث أنت غير الحق حيث أنا… المرأة: ما يتغير ليس حقًا. الحق جوهر ثابت كالعدل والخير والحب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد