«الأرض تحتفي بالوجوه المحروقة، الأحجار تخبئ الذهب والعشب، وترتسم خطواتي على صفحة النهر، ضوء ابتسامتي يشع في محفَّة الريح، من أكون غير مارخدر الواواتي! سليل الفجيعة القديمة، والأهرامات المترنحة».

 

بهذه اللغة الشاعرية الرقراقة كانت العتبة التي دلف بها الروائي السوداني عمر الصايم إلى رائعته الروائية «مارخدر» وبذات الأسلوب الرفيع إلى نقطة النهاية كقفز غزلان فرِحة، هبوب نسائم سَحَر أو هتون شلال بلور. ممسكًا قارئه بالمفردة المنتقاة، واللغة المنسابة النضيدة، المزاوجة بين أشياء السردي والشاعري، في قالبٍ أنيق مختلف، مارس تكسير المألوف، المعتاد والنمطي.

 

توّزعت الرواية على أربعة فصول:

 

– حفيف أجنحة الصخور.

 

– طريق النهر.. أحذيةُ الشوك.

 

– أحلام على سطح مقبرة جماعية.

 

– هوامشٌ لمتنٍ غائب.

 

وبذات النسق الذي يبدو به حسن ووهج عناوين الفصول، استخدم الصايم لغة جائسة في أفانين اللغة وسحر البيان، مستخدمًا تقنيات البلاغة ببراعة الحادي للكلمات والمطوِّع للأحرف. يلاحظ استناد الصايم على أُسلوبية الانزياح واستخدامه صوره الدلالية من ألوان البيان «مجاز واستعارة وتشبيه»، والتركيبية التي تمثل التراكيب اللغوية والأسلوبية. والانزياح في معناه هو: «استعمال المبدع للغة، مفردات وتراكيب وصورًا، استعمالًا يخرج به عما هو معتاد ومألوف، بحيث يؤدي ما ينبغي له أن يتصف به من تفرد وإبداع وقوة جذب وأسر، وبهذا يكون الانزياح فصلًا بين الكلام الفني وغير الفني».

 

اتخذ السرد مسارات متوازية في فضاءٍ مفتوح على اتساعه من حيث الزمان والمكان، فتشعبت خيوط السرد عبر شخوص مثلت أيقونات مختلفة حمَّلها الناص بمحمولات متعددة، ولا ينظمها ضمن الحقل الدلالي للرواية إلا مارخدر. الرمز الذي اتكأ عليه الاختلاف ليجسد الوحدة. الاختلاف بدلالته العامة في اللون، الدين، الوضع الاجتماعي … إلخ. ونثر الصايم هذا الرمز «مارخدر» في فضاء زمكاني مضيفًا لشخوصه تأثرًا يبدو ظاهريًا بالنظر للمونولوجات التي تحكي عنه بطريقة متشابهة. ولكنه – التأثر – يأخذ الشخوص كلٌ في طريق مفترعة عن الأخرى، طريق تمثل تفاعل الرمز مع نتاجها البيئي، النفسي، الديني والزمكاني.

 

تميزت كل شخصية بلون مختلف حسب موقع نثرها في فضاء الرواية الزمكاني. فكوماهين النحات النوبي ينتمي لعصر الملوك النوبيين إبان العصر الكنسي والممالك القديمة. تاسي وأمها وبخيت ود الموية ربما تزامنوا مع الفترة قبل خراب سوبا شرق عاصمة مملكة علوة المسيحية. مدثر وصديقه استيفانيوس ورندا عثمان عاشوا في العصر الحديث في فترة امتدت من أيام مقارعة القطبين الاشتراكي والإمبريالي وإلى يومنا هذا. ناقشت الرواية من خلال هذه الشخصيات القضية الرئيسة وهي عكس التنوع في هيئة وحدوية تحدوها الإنسانية في رمزية «مارخدر» الثنائية المنحوتة لغويًا من اسمي «مارجريس» و«الخضر».

 

مارجريس أو مارجرجس قديس مسيحي عاش في القرن الثالث معاصرًا لدقلديانوس الإمبراطور الروماني، وعُذَّب ليرتد عن دينه دون جدوى، فصار رمزًا للقداسة في معظم كنائس الشرق والغرب، مار تعني السيد، وجرجس تعني الفلَّاح كناية عن أنه فلح في حقل الملكوت واشتغل في كرم الرب. وفي الأساطير الرومانية يُحكي أنه قاتل التنين. والخضر رمز الصوفية الإسلامية المعروف.

 

الصايم بنحته للعنوان وفق هذه المعاني المتعددة الترميز يثبت قدرته الفذة في تخليق الرمز وبعث إشاراته الدَّالة بالنظر للعنوان الذي يجذب بغرابته وفرادته ليفهمه القارئ في مضامين الرواية مشعًا بين شخوصها الذين لا يلمَّ شعثهم غير هذا التضاد المؤتلف في «مارخدر».

 

من اللافت في أسلوب الصايم إسناد السرد للشخوص ليحدث كل عن نفسه بضمير المتكلم، ولكثرة الشخوص يتطلب الإمساك بخيوط هذه السرديات المتوازية من القارئ تركيز ذهنه وإفراغ خاطره إلا من أحداث الرواية، وإلا سيجد نفسه تائهًا بين عدة ضمائر لمتكلمين عدة.

 

تمثل الفوارق على عدة مستويات بين مدثر ابن المزارع الفقير واستيفانيوس القبطي رقمًا لا يمكن تجاوزه، وهنا ينجلي دور مارخدر في تجسير هذه الفوارق وغمرها في ينبوع المحبة والألفة التي توطدت بينها.

 

يقول مدثر:

 

«جاء استفيانيوس بلونه الفاقع، وشعره الغارق في زيت الزيتون، لوني محترق، وجسدي مضمخ بزيت السمسم. علَّقت أمه الصليب على رقبته، وعلَّقت أمي التميمة على رقبتي، جلسنا في كنبة واحدة … نمشي سويًا ملتصقين، يدي على كتفه أو يده على كتفي، خطواتنا تكتب المحبة على قارعة الطريق».

 

«كنَّا نجلس تحت النيمة، جاء رجلان، الأول أسود فاحم يبدو أنه مبصر، والآخر أبيض أو أشهب قليلًا يبدو أنه كفيف، الأسود يمد العصا خلفه ليمسكها الأعمى الأبيض مباشرة. ص 13».

 

«مرة أخرى! في يوم خريف غائم جلست واستيفانيوس على دكة أبواب أحد الأثرياء فجاء الرجلان، انعكس الوضع كثيرًا، الأشهب في المقدمة مبصرًا، والأسود ممسكًا بطرف العصا كفيفًا، فقاقيع الدهشة سرت في جسدينا، صعقة كونية وحدَّت الجسدين في كتلة واحدة … نظرنا إلى العصا فإذا هي خيط من نور. ص14».

 

«قال لي: من هما الرجلان؟

…………

قال: ربما الأبيض هو مارجرس.

قلت: والأسود هو الخضر.

وهكذا إذن التقى الرجلان، أو تخيلنا ذلك لندعم محبتنا، لتكون العصا النورانية بيننا. ص15».

 

مدثر يمثل الفقير الثائر علي الإمبريالية ورأس المال، خرج في المظاهرات واعتقل، أحب ومارس نزواته في صغره، ثم أحب ثائرة مثله لتخلي طريقه لأجل تاجر رأسمالي يقود كرشه أمامه، ناقش الصايم عبر مدثر تحطم الأمنيات وضغط المعيش على صفحة الأحلام.

 

استيفانيوس، تعرض في المدرسة للتحرش الجنسي ووُطئ غصبًا فلم يجد من يفتل ساعده دفاعًا عنه غير صديقه مدثر. أحب وصُدَّ مرتين ونجح في تجربته الثالثة في ألمانيا التي هاجر إليها. ذُبحت حبيبته على أيدي النازيين الجدد فنحر أحدهم وكسر رقبته تشفيًا، وبعد تذوقه للدم امتهن القتل المأجور وصار طريدًا تطير صورته في نشرات الإنتربول.

 

تتمظهر أيقونة مارخدر بشكل آخر في سردية أم تاسي العابثة المنفلتة من كل قيد إلا حلمها بإنجاب أميرة تدفع بها إلى بلاط الملك، تقول عن نفسها:

 

«على قصعتي يجتمع الأزواج، لكل لغته ودينه وعشيرته، على جسدي يتصالح المحاربون الأشداء، وتعبر قوافل تمبكتو إلى الحجاز، تنهش المراويد جبل كحلي فلا يتصدَّع، حمَلَت العناقريب عشاقي إلى المقبرة، ولا زلت حلم الصبيان في منامهم، خنت أزواجي مجتمعين، وخنتهم مثنى وفرادى، فليس منهم من جعل بطني تنتفخ، وتُخرج الحسناء إلى الوجود. ص16».

 

«وفجأة رأيته يمشي نحوي، حافي القدمين، غير مغبرتين، أبيض لا كاللبن، أخضر لا كالزرع، قدماه تمسان الأرض كيدٍ تمسح هرة … سأكون قردته الجميلة ليلةً وضحاها، ربما سيحقق حلمي …

قال: وأزواجك الخمسة؟

قلت: الآن أطردهم.

– ومن أدراك؟

– نجرب!

قال وعيناه ترنوان إلى الجبل:

سيحصل حلمك .. أمشي!

وفجأة لم أره، انصرف كومضة البرق، أمطر جسمي عرقًا، شعرت بدوران وحمى … أحسست أن سمكة صغيرة في بطني تركلني بزعانفها، وأن الصارقيل يدفن جسده في أحشائي، حين حبلت بها طردت أزواجي جميعًا. ص 17».

 

«حدثني إبراهيم المعراقي أن من أبحث عنه هو مارخدر، وأنه يظهر كومضة، ويختفي كأن لم يكن، مسحت بيدي على بطني المنتفخة … وانصرفت مغبوطة بأكاليل مارخدر. ص 18».

 

نظرت أم تاسي للرجل الذي حملت منه على أنه مارخدر، ظنتها بركة سريع الندهة! بعكس مدثر واستيفانيوس في رؤيتهما لمارخدر في ثنائية الأعمى والبصير، مارجرجس والخضر، تلاحم الأديان في صورة صداقتهما وجوارهما في دكة المدرسة. كل شخصية تنظر لمارخدر حسب حاجتها التي تجد إشباعها في أيقونته الأُسطورية.

 

وبحسب حاجتها تجد أم تاسي مارخدر، حتى في آثار الأرض ترى أثره ومسحة بركاته. أثناء سيرها من المُندرة وسوق الهجيج إلى سوبا وهي تحمل تاسي، ضلت طريقها بين الأحراش والمستنقعات، فوجدت أثر مارخدر: «وقفت أنظر بعيدًا، وقعت عيني على قدم في الصخر، كان القدم مرسومًا على الصخر كما ترتسم الأثر على الرمال، وجف قلبي … عرفت أنه هو، سريع الندهة! عبر مارخدر من هنا، القدم متجهة غربًا. ص 31».

 

تاسي بدورها عانت من جراء كبت أمها لها وإلجامها لعاطفتها وجسدها، حرمانها من حبيبها بخيت ود الموية الذي كانت ترى فيه مارخدر الذي أحبت. انتهى بها الحال هاربة شريدة من البلاط الملكي وأمها بعد أن صادفت قردًا أشبع رغبتها، وربما اكتفت بجوار قرود الغابة وتلذذت بذلك .. ترك الراوي الباب مفتوحًا بعد شرود تاسي والإسقاطات هنا تتعدد وتتناسل في مخيلة القارئ.

 

الرواية صيغت بصورة مكثفة يستلزم عرض أحداثها الوقوع في التطويل، وأظن فيما طرحته مراجعة متواضعة لها فيه الكفاية، وإن كنت أرى أنني لم أفها حقها كما ينبغي، يمكن أن أقول أنها تقدمة لقارئ يبحث عن الفارق، عسى أن تبعث فيه رغبة الغوص في عوالمها المدهشة.

 

أقف أخيرًا على القراءة الناقدة لمارخدر بقلم الأستاذ إبراهيم إسحاق إبراهيم في مقاله الموسوم «حلحلات للهوية في رواية مارخدر»، والذي أرى أنه لم يوفق فيه البتة، بل اشتط في نقده المبني في الأصل على عدم فهم الرمز وإشاراته، قراءته ليست بالكامل بعيدة النجعة، فيها ثمة إضافة ورفد من ناحية معلوماتية خارج إطار النقد، وإنما أركز على الثيمة الرئيسة والتي يكون الخطأ في فهمها وبناء النقد على ذلك من الموبقات الأدبية، وهذا مما يستحق الوقوف عنده وتقويمه!

 

يقول إبراهيم: «بعد أربعين عامًا من الكتابة السردية، لن يتوقع من هو مثلي هذا القدر من الإرباك الروائي، تُلجئنا إليه مسارات التاريخ السوداني، وعلى الخصوص الأحداث المتأخرة المفاجئة والقاهرة لتوقعاتنا» .. وهذا القول أرد عليه بما أسلفت قوله أن مارخدر هي رواية تستنهض الذهن لقبض خيوط مساراتها المتعددة، هي ليست تلك التي تُقرأ حين نعاس وتشتت، الرواية غير مربكة على الإطلاق، فيها كثافة من صدمات التلقي المدهشة، منعطفات سردية وعبارات جنس تتراوح بين التصريح والكناية، نعم، أما مربكة فلا.

 

ثم يقول إبراهيم: «الصايم يشرشح تاريخ السودان بين 250 ق. م والحاضر، ثم هو يعجن لنا اعتقادًا شائعًا عند الأغلب من أمم البشر .. اعتقادٌ يعرف بالمخلص من المحن، وهذا المخلص المرتجى في معظم الثقافات الحضارية يسمونه لدى الهندوس الأفتار، أو الخضر عند الصوفية المسلمين، أو مارجرجس قاتل التنين عند النصارى الآرثوذكس، أو الإمام الغائب عند الشيعة».

 

الشرشحة التاريخية لا توجد إلا في دماغ كاتبها، فمتخيّل الصايم لم يفرض زمنًا معينًا لزمان قبل ميلادي، وإنما ذكر على لسان النحات كوماهين وجود طائفة من عُباد المسيح في مدينة مدوي، وأظن هذا التخيل من إبراهيم لسرعة القراءة وسرعة أكثر في الإمساك بالقلم ليقول ما لم يقله الصايم!

 

وبالنسبة لاعتقاد المخلص فالشخصيات التي ذكرها إبراهيم باعتبارهم مخلصين في الثقافات المختلفة ليسوا كلهم كذلك، إمام الشيعة محمد المهدي بن الحسن العسكري هو مخلص مُنتظر تنتظره طائفته وتدعو الله بتعجيل فرجه من سردابه بسر من رأى بالعراق. أما مارجرجس والخضر فهما ليسا مخلصين ولم يقل أحد بذلك لا الصايم ولا غيره. وأضيف من الشعر بيتًا فالمواليد من عذراوات من ضمنهم المسيح يبلغ تعدادهم في الأديان القديمة ستة عشر مخلصًا مولودًا بدون مس رجل في شكل تقنيم ثلاثي للأب والأم والمخلص، وهذا ما لم يذكره إبراهيم! باختصار، فمارخدر ليس أيقونة خلاص في الرواية، بل هو تمازج المختلفين في هيئة روابط إنسانية تجاوزت وجسرت بينهم. بين مدثر المسلم واستيفانيوس الآرثوذكسي وغابريال الكاثوليكي ورندا التركية وعلاقات استيفانيوس مع السورية العلوية والألمانية القتيلة، وبين أم تاسي وعابر سريرها الذي حبلت منه رغم استطالة عهد عهرها بدون حمل … إلخ.

 

يقول أيضًا: «مارخدر كظاهرة تنشأ في هذه الرواية منذ حوالي 225 ق. م ولم يكن مارجرجس ولا النصرانية ذاتها موجودين في ثقافات البشر يومئذ، لكن الأفاتارية كانت موجودة منذ آلاف السنين … وبداهةً فإن المسميات الجغرافية والبشرية والسياسية في الرواية لا تتطابق بالمحاولة منا للتقريب بين المنظور التاريخي والمتخيّل السردي».

 

يفترض بعدها إبراهيم إسقاط الشخصيات التاريخية المتخيلة على الواقعي المسجل في أضابير التاريخ، وهذا زعم عريض، ما رابط المتخيّل بالواقعي طالما لم يصرح الراوي بذلك؟ هذا حجر على الخيال السردي وسوق له حسب ما يتراءى للناقد، وهذا بحق لم أجد له سابقة أو تفسير! .. وأترك بقية المقال لطوله وأكتفي بالأهم منه، وبناظري هذا ليس بنقد بناء على الإطلاق.

 

بالعودة للرواية كخلاصة ومخرج، ناقشت الرواية عدة قضايا اجتماعية وسياسية محلية وعالمية، يحس القارئ فيها بحاجة للركون إليها بينه وخاطره للحصول على تفاحة المعنى والما وراء والغاية الأقصى من تناسلات الذهن الذي تثوره هذه الرواية وتعصف بهدأته التي اعتاد عليها في غالب الروايات. لا كما قال إبراهيم: «سيتساءل قارئ رواية عمر الصايم هذي عما يريد الصايم أن يضعه في ذهن القارئ»، فوحده من يتساءل هو إبراهيم! مبروك للصايم هذا المنجز المتفرد والفتح الروائي الذي حققه!

 

«ألفين وحداثة نص».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد