الجدل والصراع الاجتماعي لا ينبثق من الفراغ، أو يهبط على رؤوسنا فجأة من العدم. أبدأ من هذه النقطة للاشتباك مع كثيرين استغربوا ودهشوا من حجم الجدل والصخب الذي أثارته مسألة خلع حلا شيحا للحجاب وإعلان عودتها للفن. هؤلاء، ولهم الحق فيما أبدوه من دهشة وانزعاج، لم يجدوا أي مبرر لكل هذه الضجة المثارة، بينما مسائل عظام تأخذ برقبة الوطن والأمة وتكاد تدفعهم دفعًا خارج التاريخ! قرأت لأحدهم أنه يرى حلا محدودة الموهبة، ولم يكن لها طاقات تمثيلية عظيمة، أو حتى مبشرة، لكي تثار كل هذه الضجة بشأن عودتها للتمثيل، وأخرى كتبت أنه في نفس الوقت الذي لا يهدأ فيه الجدل بشأن حجاب وتمثيل حلا، كانت إسرائيل تصب قنابل الموت والدمار على غزة ولا يبدو أن هذا يثير أحدًا!

ولست هنا بمعرض الرد على ما أثاره هؤلاء أو التأكيد مثلا على أهمية موضوع حلا شيحة، ولكن أود أن أشير تعليقًا على المنشور الأول، أن المسألة هنا ليست مسألة طاقة تمثيلية يكسبها أو يخسرها الفن، أو لا تمثل له أي فارق على الإطلاق، بل المسألة تتمحور حول طبيعة القرار، وبطبيعة من اتخذته، وما يحمله كل ذلك من إحالات ثقافية ومضامين فكرية وأيديولوجية تصدم وتتصارع في رأس المجتمع، وتأخذ جزءًا غالبًا، إن لم يكن الأغلب، من عقله وتفكيره. أما بالنسبة لمن كتبت بخصوص تجاهل دمار وآلام غزة في مقابل التركيز على مسألة لبس أو خلع غطاء رأس سيدة، أيا كانت هي، فإنني أفهم تمامًا ما تقصد وترمي إليه، ولكني أدعوها أن نتأمل في أسباب ما يثيره تصرف معين من اهتمام وتركيز وجدل داخل المجتمع، مهما كان رأينا في أهمية أو تفاهة هذا التصرف، وهذا هو الهدف من كتابة تلك المقالة.

إنني أدعو هنا إلى النظر والتأمل في رمزية قضية حلا وما تشير إليه من أن المرأة في حد ذاتها رمز ثقافي بارز ومحوري في حياة المجتمع، رمز مشحون بطاقات خطيرة من المضامين الفكرية والأيديولوجية بشكل عام، ويعكس التفكير فيها وحولها الهواجس الدائرة في عقل ذلك المجتمع. لذلك فإن سؤال نظرة المجتمع للمرأة ونظرة الرجل لها بل ونظرتها هي لنفسها، ذلك السؤال، هو محوري جدًا في الكشف عن أي ثقافة يعتنقها هذا المجتمع وتشكل بنية لا وعيه قبل وعيه. وتلك الثقافة بالتأكيد لها تأثيراتها وانعكاساتها السياسية، في الحقيقة فإن الفصل بين ما هو ثقافي وما هو سياسي هو فصل يحدث فقط من أجل غرض الدرس والفحص والفهم، ولكن عمليًّا، وفي واقع الحياة المتدفق، فإن ما هو ثقافي متصل مباشرة بما هو سياسي والاثنان يتشكلان في قلب الأيديولوجيا المهيمنة على المجتمع، لذلك فإن دعاوى الفصل بينهما على نحو فعلي وعملي، هي دعاوى تعسفية خالية من المعنى والدلالة وفاقدة لأي رابط مع الواقع المعاش.

منذ 200 عام تقريبًا ومجتمعاتنا العربية تعيش أزمة ثقافية عميقة، أزمة نتاج لما تعرضت له من احتكاك بالغرب، وما تبع ذلك الاحتكاك من احتلال واستعمار وتسلط الرجل الأبيض علينا. ساعتها أدركنا حجم الفجوة الحضارية التي تفصلنا عن الغرب، وتسمح له باحتلالنا والاستيلاء على ثروتنا والسيطرة عليها، ومن هنا ولد سؤال التجديد والتقليد، سؤال التحول إلى أطر ثقافية واجتماعية جديدة، أم التمسك بما هو موجود والعودة إلى الينابيع الأولى. إنه بمعنى أدق جدل العلاقة مع التراث، وعلى نحو أكثر تحديدًا التراث الديني، وفي قلبه النصوص المقدسة باختلاف درجات قدسيتها.

وكانت المرأة في قلب هذا السؤال المشتبك مع التراث. ما هو دورها في مجتمع جديد؟ هل يظل في مكانه وعلى حاله؟ أم لا يستقيم هذا إطلاقًا مع بناء هذا المجتمع الجديد؟ هل هذا الدور سابقًا كان مرتبطًا بظروف تاريخية وحضارية معينة لذلك فهو قابل للتغيير والتحول بتحول تلك الظروف؟ أم أنه مستمد وخاضع لنص ديني مقدس فوق أي تاريخ وعابر لكل حضارة؟

في قلب عملية التغيير التي احتدمت في قلب المجتمعات العربية، كانت أسئلة من هذا النوع في مركز النقاش والجدل الثقافي والاجتماعي، وشهدت المجتمعات العربية محاولات حثيثة لتغيير وضع المرأة الموروث من العصور الوسطى. كانت هناك ضغوط حداثية قوية تطبق من كل جانب على المجتمع، فتسوق بجدليتها سوقًا هذا التغيير، ولكن على المستوى النقاش العام، كان التغيير يبرر نفسه ويفصح عنها في إطار أنه إما أن الغالبية العظمى من القيود المفروضة على المرأة ليس لها أصل في النص الديني، لذلك فهي ليست مقدسة، وقابلة للمراجعة وأخيرًا التخلص منها، أو أن بعضًا من التشريع في النص الديني خاص بظرف تاريخي معين، والدليل على ذلك هو ظاهرة النسخ داخل النص الديني ذاته، لذلك فإن هذا التشريع يدور وجود وعدمًا مع هذا الظرف ذاته، وهذه كانت رؤية أكثر راديكالية مما سبق.

ولكن على العموم كان الحصاد هو توسع خروج المرأة إلى المجال العام يومًا بعد يوم، وتواجدها في مساحات كانت مقتصرة على الرجال، وحصولها على المزيد من الحقوق، الأمر الذي بلغ ذروته في مصر بعد قيام ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، وصدور دستور 1956، باعتباره أول دستور مصري ينصّ على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، بما فيها الحقوق السياسية، كما نصّ على حق المرأة في التصويت والترشح في الانتخابات، وقد دخلت المرأة المصرية البرلمان لأول مرة في 1957، وتم تعيين حكمت أبو زيد أول وزيرة في الحكومة المصرية في 1962، ودخلت المرأة الاتحاد العربي الاشتراكي في 1964. وفي عام 1971، تم إصدار دستور جديد نصّ في مادته الثامنة على مبدأ تكافؤ الفرص لجميع المواطنين دون تفرقة بحسب الجنس.

إن ذلك بالتأكيد مضاد لأفكار التيار الديني (الإسلامي)، الذي كان يرى الحداثيين باعتبارهم تيارًا يعادي الدين ويهدر هوية الأمة، وأنهم إما يتجاهلون النص الديني أو في أفضل الأحوال، يلوون عنقه لكي يلائم تفسيره توجهاتهم. وبكثير من الأسى والحزن بل والألم كان يرقب هذا التيار ما يحدث من تغير لأوضاع المرأة وما تحصل عليه من مساحات جديدة، وكان خروج المرأة وسفورها، واختلاطها بالرجال في ميادين العمل والدراسة، أكثر ما يضايقهم، ويرون في ذلك خروجًا على التنظيم الإلهي للمجتمع. إلا أن عمل المرأة بمهنة التمثيل بالذات كان أكثر ما يستفز هذا التيار. فالأعمال السينمائية والدرامية والمسرحية، وما تتضمنه من تمثيل وإبراز مختلف أشكال العلاقة بين المرأة والرجل، كان هو أكثر مجالات العمل إهدارًا لشرف المرأة واعتداء على عفتها كما رأى هذا التيار. وبالرغم من كل الصدامات والعواقب إلا أن الحداثة راحت تشق مجراها، وكان تيارها أقوى من أن يصده التيار الديني، وذلك إلى أن حدثت نكسة يونيو (حزيران) 1967.

لقد كان أهم ما كشفت عنه نكسة يونيو، من ضمن ما كشفت، هشاشة بنية الحداثة في مصر، بل وفي العالم العربي بأكمله، وكان التيار الديني جاهزًا بالحجة الشهيرة، والتي يستخدمها دائمًا عندما تقع أي كارثة أو مصيبة، وهو أننا قد هزمنا لأننا ابتعدنا عن الله، وعندما تلحق به هو مصاب فادح ما، يكون الرد أن هذا اختبار من المولى عز وجل! المهم، أننا لسنا هنا بصدد مجادلة صدقية تلك الحجة الشهيرة، ولكن قبولها شعبيًّا بشكل واسع، كان مدخلًا لكي يسترد التيار الديني نفوذًا مفقودًا ظل يبحث عنه منذ سنين، وأصبح هناك حركة واسعة للرجوع إلى التراث، والمناداة إلى العودة إلى سلوك السلف والخلاص بالخضوع إلى سلطة التقليد. كان كل ما سبق مظاهر انسحاب ثقافة الحداثة وتراجعها أمام عودة الثقافة التراثية، وذلك مما أججه واستغله التيار الديني على أوسع نطاق. كانت معركة ثقافية أخرى اشتد أوراها، شحذ فيها الإسلاميون كل أسلحتهم ودفعوا فيها بأفضل قواتهم، وبالطبع فإن المرأة كانت على رأس المستهدفين في تلك الحرب، فشن الإسلاميون حملة ضارية على خروجها من المنزل وسفورها، وكان الخطاب الإسلامي يرجع كل مشاكل المجتمع تقريبًا لهذا الخروج والسفور.

كان من أبرز ملامح انتصار التيار الإسلامي في حربه الثقافية هذه، هو انتشار حجاب (غطاء الرأس) النساء، كان الإسلاميون يرون أن هذا الأمر فريضه دينية، وتعميمه وانتشاره دليل على سطوتهم ونفوذهم، ولعل قليلين هم الذين لم يروا الفيديو الشهير لخطاب جمال عبد الناصر الذي يشرح فيه كيف طلب منه وألح عليه مرشد جماعة الإخوان المسلمين بفرض الحجاب على النساء، وكان رد ناصر أن ابنة المرشد نفسه، وهي طالبة في كلية طب، تذهب إلى كليتها بدون طرحة تغطي رأسها، فكيف يطالبه هو بفرض ذلك على 10 مليون امرأة مصرية! إن ذلك يكشف كيف أنه منذ وقت مبكر جدًا كان الإسلاميون يستهدفون إلى نشر الحجاب في مصر، وأن نشره رمز لنفوذهم وسطوتهم وخضوع المجتمع لرؤيتهم وحقنه بثقافتهم. ويبدو أن تغلغل ثقافة الإسلاميين وسيطرتهم، بدءًا من سبعينيات القرن الماضي، قد فاجأ وأفزع حتى حليفهم الأول، أنور السادات، الذي فتح لهم المجال من أوسع أبوابه لمواجهات التيارات اليسارية والناصرية، وظهر ذلك بوضوح في هجوم السادات العصبي، في خطابه الشهير يوم 15 سبتمبر (أيلول) 1981، حيث سخر من الجماعات الدينية ومن الفتيات المحجبات وشبه أرديتهن كأنها كـــ«الخيام المتحركة».

وعلى الرغم من الصدام الدموي بين الدولة المصرية والتيارات الإسلامية عقب اغتيال السادات في أكتوبر (تشرين الأول) 1981، إلا أن التغلغل الثقافي للإسلاميين استمر، بل وارتفعت وتيرته، وأصبحت الغالبية العظمى من السيدات والفتيات في مصر متحجبات، واتخذ الأمر منحنى أكثر صراحة وعلانية بدءًا من الثمانينيات، حيث تم استهداف الفنون بشكل مباشر، خصوصًا السينما والمسرح والدراما التليفزيونية، حيث وصم الفن بأنه معصية في حد ذاته، وفتنة لعن الله من عمل بها، وبدأت تطفو على السطح ظاهرة ما يسمى بالفنانات التائبات، وهم فنانات كن يعتزلن التمثيل، ويتحجبن، وفي أحيان كثيرة يتنقبن، ويعلنوان توبتهم النصوحة إلى الله وطلب غفرانه عن ما ارتكبت أيدهم من أعمال فنية! وقد أثارت هذه الظاهرة الكثير من المثقفين والأدباء، وراحوا يدافعون عن الفن ودوره، وقد اتهموا جهات بأنها تدفع لهؤلاء الفنانات مقابل دفعهم للاعتزال، قوبل هذا الاتهام برفض تام من الفنانات المعتزلة، اللاتي اشتغل جزء كبير منهن، بعد الاعتزال، بالعمل الدعوي، وخاصة جذب زميلاتهن الذين ما زالوا يعملون بالفن!

إن قصة اعتزال حلا شيحة للفن وتحجبها كانت تأتي في هذا السياق، سواء قصدت ذلك أو لم تقصد، فالتيار الإسلامي كان وما زال ينظر إلى تحجب أي امرأه كانتصار جديد له، ويتحول الأمر ليصبح فتحًا مبينًا إذا كانت تلك المرأة شخصية عامة وأمرًا تقام له الاحتفالات والأعياد إذا كانت ممثلة. كان الإسلاميون يرون، ولهم الحق في ذلك، أن انتشار نوعية الزي الذي يؤكدون على شرعيته، انتصارًا لثقافتهم، فالملابس والأزياء جزء أساسي من ثقافة أي شخص وانعكاس مباشر لمعتقداته. لذلك لم يكن من الغريب أن يتم ترجمة هذا التمكين الثقافي للإسلاميين إلى تمكين سياسي، وهو ما رأيناه مباشرة في وعقب أحداث الربيع العربي، فالسيطرة الثقافية للإسلاميين تم ترجمتها إلى أصوات في صناديق الانتخابات حملت الإسلاميين إلى الحصول على الأغلبية البرلمانية، وفي أحيان أخرى الوصول إلى كرسي الرئاسة.

 لكن المدهش واللافت هنا، أنه في ذروة هذا الصعود والتمكين السياسي، بدا أن قبضة الإسلاميين الثقافية تضعف، كان لذلك مظاهر كثيرة، ولكن فيما يخص موضوعنا هنا، فإن هذا الأمر تمثل، من ضمن ما تمثل، في بدأ موجة بدت عجيبة من خلع الفتيات للحجاب، وخاصة في عام حكم جماعة الإخوان في مصر، حيث شاهدت وقتها بدأ مجموعة من الزميلات في العمل، في خلع الحجاب والرجوع عنه، صحيح أن عدد من فعل ذلك لم يكن بالكبير ولم يشكل الأغلبية، ولكنه الأمر كان لافتًا، على الأقل بالنسبة لي، حيث سبق لي أن رأيت من تقاوم إلحاح الناس في ارتداء الحجاب، ولكن لم يكن حتى وقتها أن رأيت واحدة ارتدته ثم تراجعت عنه. زد على ذلك ما يمكن ملاحظته بسهولة في الجيل الجديد من الفتيات، من انخفاض ظاهر في نسبة المحجبات بينهم. وكانت هنا المفارقة، أن التمكين السياسي للإسلاميين ترافق مع تفكك سيطرتهم الثقافية، وهذا مؤشر يدرك الإسلاميون جيدًا مدى حساسيته ودلالاته.

وكما ارتبطت واقعة اعتزال حلا شيحة الفن وارتدائها الحجاب بالسياق الأول، سياق سيطرة الإسلاميين الثقافية، فإنه في السياق الآخر، سياق تراجع تلك السيطرة، جاءت واقعة خلع حلا للحجاب وإعلان عودتها للتمثيل. واقعة لها دلالتها ورمزيتها العامة، بعيدًا عن أي حديث عن الجانب الشخصي للموضوع وتجربة حلا الخاصة بها وحدها. في هذا الإطار يمكن فهم الجدل الذي أثاره فعل حلا، جدل يأتي في إطار ما كشف عنه هذا الفعل من طبيعة الصراع الفكري والثقافي والاجتماعي الذي يدور في الوعي الجمعي عند المصريين، ويمكن أيضًا فهم صيحة الألم تلك التي تصدر من التيار الإسلامي لما يرمز إليه الحدث من أنه يعيش مرحلة تقلص وتراجع لم يكن يخطر بباله أبدًا، منذ بضع سنين، أنه على مشارفه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد