بعد تنحية الإسلام عن حكم البشر، وإسقاط أوامر الشريعة الإسلامية، وتنحية العقيدة الصفوة عن إقامة الحدود بشكل عام، والتي كانت ضمانة لحفظ الإنسانية من الهلاك والضياع، وبعد تحليل الحرام، وتحريم الحلال، واجتماع طباخي السم في العالم لإنفاذ خطة مراكز القوى العالمية من اللوبيات التابعة للشيطان من أجل التحكم في عالم البشر، ومن هذه الوسائل العبث بعالم أفكار البشر من خلال تسمية الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية للتمويه على الخلق، وإفساد الذوق العام، وضعضعة أخلاق المجتمعات وإفشالها، حتى لا تقوم لها قائمة مرة أخرى.

وهذه المسميات الجديدة تم الإنفاق عليها واختيارها بعناية، ثم اختبارها والترويج لها، وإشاعتها بين الناس حتى يصبح التعامل معها في يومياتنا أمرًا عاديًا، فالخمور والكحول تم تسميتها مشروبات روحية، وهو مسمى راق، بالرغم من أنه يعبر عن عكس ما يحمل، فالخمور معروفة تفسد الروح، وتدمر البدن وحرمتها شريعة الإسلام التي حافظت على البناء الإنساني ككيان صنعه الله واصطفاه بين سائر الخلق، ولم يرض له الشارع الحكيم أن يضيع عقله هكذا سدى دون جدوى، ولا منفعة.

وكذلك الشذوذ الجنسي الذي كان سببًا في هلاك أمة سيدنا لوط عليه السلام بأشد العذاب تم نسبته إلى ذلك النبي الكريم عليه السلام وسمي «لواطًا»، ثم تم إستخدام مصطلح آخر يتلاءم مع المجتمعات «المدنية المتحضرة» فأطلقوا عليه «المثلية الجنسية»، والذي لا يدل على معنى يحمل وزر الجريمة التي يرتكبها من يفعلها، ولقد أصبح الأمر في أوروبا وأمريكا أمرًا عاديًا جدًا، بل تم عمل ما يسمى شرعنةً وتقنينًا لهذا الأمر حتى وصل إلى قبول الكنيسة به، وعقد مواثيق الزواج رسميًا بين رجل ورجل، وامرأة وامرأة، بل حتى بين بشر وحيوانات، كالرجل الذي تزوج حمارة، لكي تمثل تلك النماذج انتكاسًا صارخًا، وانقلابًا صريحًا على الفطرة السوية، وشاع الفساد في هذه المجتمعات، وكانت نتيجته انحلالًا أخلاقيًا، وتفككًا أسريًا، وانحدارًا في آداب المجتمع وسلوكياته، وتفشيًا للأمراض الجنسية الغريبة، التي لم تكن تعرف من قبل، مثل مرض نقص المناعة المكتسبة «الإيدز» وغيره الكثير.

كذلك فإن المادية الحديثة المتوحشة التي لا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا، المتمثلة في الرأسمالية، سمت ما حرم الله من «الربا» الذي يمثل التعدي الصارخ على رؤوس الأموال، والغبن الفاحش، والظلم البين «فوائد واستثمارًا» ومنذ اللحظة التي وضعت فيها قواعد المراباة وربطها بالرهن العقاري فإن السوق العالمي لا يكاد يمر عليه 100 عام إلا ويمر بأزمة طاحنة وكساد عظيم يكاد يطحن أفئدة الخلق وأكبادهم؛ لأنهم لم يراعوا المنهج الرباني الذي أنزله رب العالمين للبشر لكي يمشوا على هديه.

كذلك فإن الغزو الاوروبي لما قدم إلى بلادنا الإسلامية طالت يده العابثة حتى عالم أفكار المسلمين فسمي الاحتلال الأوروبي لبلاد المسلمين «استعمار»، وكذلك الحملات الصليبية على المقدسات الإسلامية سميت تفاعلًا حضاريًا، وقام المحتل الأوروبي بصناعة أشخاص على عينه وبصره وتنجيمهم «جعلهم نجومًا للمجتمع» هؤلاء ساعدوا في طمس الحقائق وتعمية الجماهير تلك الفئة التي حملت أفكار الغرب، فيما بعد فيما سمي «عصر التنوير»، وكانت البعثات التي أرسلها محمد على باشا إلى اوروبا لها أثرًا بالغ السوء في زعزعة الانتماء إلى الثقافة الإسلامية لمجرد الانبهار بمظاهر الحداثة الأوروبية الزائفة، والانخداع بأفكار تحمل بريقًا، كالذهب، ولكنه كاذب كالنحاس.

وخرجت مؤلفات أثارت الجدل في الوطن الإسلامي، تحارب وتنتقد الإسلام فكرًا ومعنى، وللأسف كان منهم علماء مسلمون اعتمروا العمامة الأزهرية التي لطالما كانت الرأس التي تحتها حائط صد ضد الأفكار الإلحادية المجرمة التي كان يبثها أعداء الإسلام صباح مساء.

وهؤلاء أصبحوا يمثلون علامات استفهام في التاريخ الحديث للعالم الإسلامي، فعلى سبيل المثال كتاب «المرأة الجديدة» الذي وضع اسمه على الغلاف قاسم أمين، في حين أن من قام بتأليفه هو مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده، والذي كان صديقًا للمندوب السامي الإنجليزي لورد كرومر، بل الأدهي من ذلك أن العلامة المغربي الشيخ أحمد بن الصديق الغماري قد ذكر في كتابه «البحر العميق» أن مفتي الديار المصرية العلامة محمد بخيت المطيعي قد قال له دعني أقل لك سرًا ليس للكتابة «أول من أدخل الماسونية والعلمانية والإلحاد في الأزهر هو الشيخ محمد عبده بتأثير من جمال الدين الأفغاني».

كذلك الكتاب الذي أثار ضجةً في الأوساط الإسلامية «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق فإن الذي قام بكتابته هو طه حسين، وهو الشخص ذاته الذي أنكر الأدب والشعر الجاهلي، وقال: إن القرآن الكريم كتاب أدبي يجب أن يتناوله المفكرون والأدباء بوجهة نظر نقدية، واحتج عليه في ذلك الوقت العلامة محمود شاكر رحمه الله، ثم ما لبث أن تراجع عن مجمل أفكاره، وتاب قبل أن يموت.

كذلك فإن الشيخ محمد رشيد رضا صاحب المنار الذي أنكر أحاديث نبوية صحيحة بلغت حد التواتر التي تناولت الفتن، والملاحم، والمسيح الدجال، والمهدي المنتظر آخر الزمان، وكذلك اتهامه لكعب الأحبار بالزندقة، وعدم إطلاق لفظ الكفار على النصارى، وغير ذلك الكثير مما يثير الريبة حول مقصد الشيخ من مثل هذه الأمور.

وكل هذه الرموز كان المؤثر فيها ومنبعها جمال الدين الأفغاني، الذي بث أفكارًا غريبة في العالم الإسلامي، حار الشرق الإسلامي حول شخصيته، بل أصله أيضًا وهل هو إيراني صفوي وترأس المحفل الماسوني بمصر أم سني معتدل؟ وقد حمل علامات استفهام كثيرة، فهو لم يتعرض للاستعمار الفرنسي، ولو بكلمة تنديد، في وقت احتاج فيه السلطان عبد الحميد إلى مقاومة الفرنسيين في شمال أفريقيا، وعلى الجانب الآخر، ورغم الأطماع الروسية والحروب الروسية، ضد الدولة العثمانية، واقتطاع الروس لأجزاء من الأراضي العثمانية، فقد كان موقف السيد جمال الدين الأفغاني من مبدأ التوسع الروسي غريبًا على مفهوم الجامعة الإسلامية الذي كان يدعو إليه؛ لأنه يعترف بما للروس من مصالح حيوية وإستراتيجية في الهند، تدفعهم لاحتلالها. وأن ليس لدى الأفغاني اعتراض على هذا الاحتلال إذا حدث، بل ينصح الروس باتباع أسلم السبل وأسهلها لتنفيذه، وذلك بأن يستعينوا بدولة فارس، وبلاد الأفغان، لفتح أبواب الهند، شريطة أن تسهمهما في الغنيمة وتشركهما في المنفعة.

كذلك فإن الخلاف العقدي الذي ظهر بين العلماء في إسطنبول وبين جمال الدين الأفغاني، وظهور كتاب الشيخ «خليل فوزي الفيليباوي» المعنون «السيوف القواطع» للرد على عقيدة الأفغاني بعدما كشف نفسه عندما ألقى محاضرة في إسطنبول قال فيها: إن نبوة الرسول – صلى الله عليه وسلم – مكتسبة، وليست وحيًا هذا وقد سكت الأفغاني ولم يدافع عن نفسه، ولم يرد على هذا الكتاب الذي كتب باللغة العربية، وترجم وقتها الى اللغة التركية ولقد ذكر السلطان عبد الحميد في مذكراته بأن جمال الدين الأفغاني مهرج وله علاقة بالمخابرات الإنجليزية، حيث قال: «وقعت في يدي خطة أعدها في وزارة الخارجية الإنجليزية مهرج اسمه جمال الدين الأفغاني، وإنجليزي يُدعى بلنت، قالا فيها بإقصاء الخلافة عن الأتراك. واقترحا على الإنجليز إعلان الشريف حسين أمير مكة خليفة على المسلمين».

وهذا هو التاريخ الذي غاب عنا، والآن فإن المسلمين اليوم بدأوا فعليًا مع شيوع مواقع التواصل الاجتماعي في البحث عما في الماضي من صفحات مجيدة، وسبر أغواره لمعرفة الحقائق التي تم تغفيلنا عنها وتنقية التاريخ مما علق به من الأكاذيب حتى نعرف موضع الخلل ونصلحه، وننطلق من جديد حتى يرجع المسلمون رعاةً وقادةً للأمم، كما كانوا من ذي قبل.

قال تعالي «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين». صدق الله العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد