ما أحوجنا إلى التعاطف في زمننا الحاضر، ما أحوجنا إلى أن يشعر كل منا بالآخر ويسانده ويساعده، ولو حتى كانت تلك المساعدة تتمثل في مجرد ابتسامة صافية صادقة نابعة من القلب للآخر.

ما أحوجنا إلى أن يضع كل منا نفسه مكان الآخر لكي يشعر به، ويفهم وجهة نظره بل ويُقدرها، ويلتمس له الأعذار، ما أحوجنا إلى أن نعيش في مجتمع تسوده الإنسانية من رحمة وشفقة على الآخر.

ما أحوجنا إلى مجتمع يحمل كل فرد بداخله حب وتعاون مع الآخر، ما أحوجنا إلى مجتمع تسود فيه الرحمة والتسامح مع جميع فئات المجتمع، ما أحوجنا إلى مجتمع ينظر إلى الآخر على أساس أنه بشري مثله مثلك، بلا وضع أي اعتبارات لمنصب أو جاه أو سلطة أو حتى ثروة.

وما أحوجنا إلى مجتمع ينتشر به الخير في جميع الأماكن وفي كافة المجالات، ما أحوجنا إلى الرأفة والشفقة على الفقير، وما أحوجنا إلى تقدير الكبير والرحمة به والتعاطف معه.

ما أحوجنا إلى المشاعر الحنونة الدافئة على الصغير، بصرف النظر هل هذا الصغير ابنك أم ابن شخص آخر، ما أحوجنا إلى البر بوالدينا والشفقة عليهم، ما أحوجنا إلى أن نتحدث مع الآخر لكي نعرف ما بداخله من أحزان لنخفف عنه.

ما أحوجنا إلى أن يشعر كل منا بالأمان والسلام بداخل مجتمعاتنا العربية المختلفة.

 معنى التعاطف

في الواقع أن كلمة التعاطف نفسها تحمل في طياتها الكثير من المعاني والأحاسيس والمفاهيم أيضًا، فمفهوم التعاطف بإختصار هو أن يشعر الشخص بمن حوله دون أن ينطقوا بكلمة واحدة، فهو يشعر بهم سواء كانوا في حالة جيدة أم سيئة، يضع نفسه مكانهم لكي يعي ما يشعرون به حقًا، يحنو عليهم ويقف بجانبهم لكي يخرجوا من كبوتهم بسلام دون خسائر ملحوظة، أيضًا يندرج تحت مفهوم التعاطف معاني كثيرة من ضمنها: الرحمة، والشفقة، والإنسانية، والود، والإحساس بالآخر، والحب، والتماس الأعذار، إلى آخر تلك المعاني الجميلة الحميدة النبيلة التي من المفترض أن يسعى كل منا إلى أن يتصف بتلك الصفات الإنسانية الرائعة.

ولكن وللأسف الشديد، أقول للأسف لأن البعض منا قد فقد إحساسه بالتعاطف مع الآخر، بل وبدأ يتعامل مع باقي الناس كالعبيد بالضبط، يضربهم ويهينهم ويقسو ويفتري عليهم، ويسلب حقوقهم، ويقتلهم أيضًا، ويعذبهم، لأنه ببساطة قد عين نفسه عليهم إلهًا يأمر وينهي، وإذا لم يتبعه البعض أفترى عليهم وعمل على إذلاهم بكافة الوسائل الممكنة والغير ممكنة.. يا الله!

أقول للأسف الشديد، لأن البعض منا أصبح يرى مجتمعه كالغابة الشرسة التي ينهش فيها الكبير لحم الصغير.

أقول للأسف الشديد، لأننا بعدنا عن ديننا الحنيف، وأصبحت تصرفاتنا تقودنا وفقًا لأهوائنا وأنفسنا بلا تدخل الدين في أي شيء.

أقول للأسف الشديد، لأن يوجد من هم مثلنا من بني البشر يُعذبون لأنهم فقط مسلمون.

يا الله.. ماذا حدث؟!

ماذا حدث ألم نكن على الفطرة السليمة؟!

والفطرة السليمة تلك تدعو إلى أن كل منا يُحب للآخر ما يحبه لنفسه؟!

ولكن لا، أصبح الآن القانون السائد هو أن تكره الآخر وتعذب وتدمر الآخر، بل وتقتله إذا لزم الأمر.

فأين التعاطف؟!

أين الإنسانية؟!

أين الرحمة؟!

أين الإحساس بالآخر؟!

أين أنتم من أمر الرسول عليه الصلاة والسلام من أن تُحب لأخيك ما تحبه لنفسك؟

أين أنتم من معنى البشرية أصلًا، أين أنتم؟!

ولكني وعلى الرغم من ذلك، فقد قررت أن أكتب ذلك المقال لعل وعسى أن أشارك ولو بنسبة 0،01% من عودة التعاطف والإنسانية مرة أخرى في أي مجتمع عربي كان، وهذا أملي.

إذن فكيف لنا أن نُحقق التعاطف في أي مُجتمع؟!

مثلث التعاطف

إذا أفترضنا أن التعاطف كالمثلث المكون من ثلاث أضلاع، فسوف يتكون من:

  • الحب.
  • الإحساس بالآخر.
  • الذكاء والإبداع في حل المشكلات.

فلنبدأ بأول ضلع وهو الحب

قال رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام أو كما قال «حب لأخيك ما تحبه لنفسك».

في الواقع ظللت أفكر في معنى ذلك الحديث، ووجدتني أتساءل لماذا يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم «حب لأخيك»، ولم يقل «عامل أخيك كما تُحب أن تُعامل»؟!

وجدت أن الحب إحساس غير مشروط بأفعال الآخرين لنا، فأنت تحب لأخيك ما تحبه لنفسه، بصرف النظر هذا الأخ كان على نفس ديانتك أو نفس جنسيتك أو حتى كان إنسانًا خيرًا أو إنسانًا ينشر الشر فيما بين الناس، فأنت تُحب لنفسك أن يُعاملك الآخرين بود ورحمة، تُحب أن يرزقك الله المال الوفير، تُحب أن تتمتع بكامل صحتك أمد الدهر، تُحب أن تعيش حياة كريمة مع أسرتك، تُحب أن يحفظ لك الله جميع أحباءك، تُحب أن تتمتع بالجمال والأناقة والشياكة، فمهما كانت تلك الأشياء التي تُحبها لنفسك، يقول لك رسولنا الكريم، أن تُحب أيضًا للآخر نفس تلك الأشياء، التي تُحبها لنفسك.

بينما عامل أخيك كما تُحب أن تُعامل، فهي مشروطة بمعاملة الآخر لك، فأنت تُعامله بالحسنى لأنك تنتظر منه أن يُعاملك هو الآخر بالحسنى، فأنت تُعامله بحب لكي يُعطي لك هو الآخر نفس درجة الحب، فهنا المعاملة مشروطة بأفعال الآخر لك، بينما أن تُحب لأخيك ما تُحبه لنفسك فهي غير مشروطة بأي شيء، سواء هذا الآخر أحب لك الخير أم لا، فأنت أيضًا مُطالب أن تُحب له الخير في جميع الأحوال.

ثاني ضلع وهو الإحساس بالآخر:

الإحساس بالآخر ببساطة أي أنك تضع نفسك مكان الآخر، لتفكر مثله وتشعر بما يشعر به، وتعيش مشاكله كما يعيشها هو حتى تساعده على حلها، وتتعاطف معه حنى يشعر بالأمان معك ويثق بك، ومن ثم ينصت إليك ويسمح لك أن تساعده وتسانده بكامل الحب وليس بالقهر والإجبار.

الإحساس بالآخر هو ذلك الشعور الذي يستحيل أن تشعر به إلا إذا كنت تحمل بداخلك الكثير من مشاعر التعاطف تجاه الآخر.

ببساطة الإحساس بالآخر يجعلك حقًا إنسانًا.

نأتي للضلع الثالث والأخير وهو الذكاء والإبداع في حل المشكلات:

غالبًا ما يكون الشخص المتعاطف مع الآخرين لديه ذكاء اجتماعي وعاطفي فطري، فهو يتعاطف مع الآخرين لأن نسبة ذكائه في الإحساس بالآخرين عالية جدًا مقارنة بأي شخص آخر، ولهذا تجده من السهل عليه أن يُبدع ويفكر في حلول للكثير من المشكلات المحيطة به لمجرد إحساسه بالآخر.

فتجد على سبيل المثال، شخصية موهوبة بالتعاطف مع الآخرين، ولأنها تمتلك مهارة الذكاء الاجتماعي وجدت أن المجتمع بحاجة إلى من يعلم الأمهات كيفية التعامل مع الأولاد ومهارات التربية السليمة، فأصبحت مستشارة تربوية لمجرد أنها فقط أحست بمشاكل ومعاناة الآخر، قيس على ذلك الكثير من الناس ممن يمتلكون تلك الموهبة العظيمة في أنهم أبدعوا وطوروا من مجتمعاتهم لمجرد أنهم فقط قد شعروا بالآخر.

ذلك المقال كان يُعبر عن وجهة نظري في كيفية التعاطف مع الآخرين، ونشر الحب بين كل أفراد المجتمع، حتى ينعم الجميع ويعيش في رخاء وسلام وأمان بإذن الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعاطف, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد