النضال الفئوي هو اضطرار فرضه الوضع الحديث، المتميز بسيولة لا تعرف قرارًا، إنها الحداثة السائلة التي تعني، مما تعنيه، لا-قرارة-المركز. فقد أضحى هذا الأخير أسطورة يتم الحفاظ عليها بالقوة، أما إن لم يحدث فإنها (الأسطورة) تُصبح مجرد رواية شبيهة برواية الإمبراطوريات.

إن التنسيقية هي استجابة لهذا الوضع الجديد، وضع النضال الفئوي، الذي يخص فئة تشعر بأنها تتعرض مصالحها أو مبادئها للهجوم.

لقد توقعت مدرسة فرانكفورت حدوث مثل هذا الأمر، بعد أن لاحظوا بعيون ثاقبة، أن النقابات صارت أكثر اندماجا مع الوضع القائم، فقد أضحت جزءا لا يتجزأ من نظام الاستغلال، فهي لم تعد ذاك الكيان الذي يحمل في طياته خطاب التجاوز وتعويض الوضع المزري بوضع جديد، بل غدا «مكتبا» يعقد اجتماعات مع الطبقة السائدة، لتحديد الممارسة التي يمكن من خلالها «سرقة» المحكومين بدون أن تكون هنالك ردة فعل قاتلة من طرفهم.

إن النقابة «المكتب»، تعمل فقط على تخفيض من حدة الغضب وسط الطبقة السفلى، حتى لا يُحدث الاستغلال المفرط غضبا عارما يُمكن أن يؤدي إلى تجاوز الوضع إلى وضع أفضل. فكأنها تخلق بوجودها شعورا بالراحة لدى الطبقة السفلى، لاعتقادهم بأن «مكتبها» قائم لحماية مصالحها (مصالح الطبقة السفلى). فوجود النقابة ضروري للمُستغِلِّين في هذه المرحلة، وليس للمستَغَلِّين.

إنها إذن، تجربة قديمة اندمجت مع المصالح العليا للطبقة السائدة في وضعنا الراهن، لتنظيم أكثر سلاسة للاستغلال الخانق ضد الشعب المغلوب.

أما التنسيقة فهي استجابة راهنية، لم تكن تجربة سابقة، تجربة مفهومة من طرف الطبقة السائدة، بل هي استجابة جديدة مجهولة وواعية، لا تؤسس «للمكتب» القابل للاندماج. إنها كـ«البدوي» ترتحل من وضع لآخر، حسب الموقف الذي يفرضه الواقع، فهي غير متحجرة، ولا تسعى لتكون «متأصلة» (ذات أصل محدد قابل للتعريف)، بل تسعى بطبيعتها لتكون أكثر انفلاتا، من أي تحديد مسبقة، يمكن أن يسمح باندماجها بسهولة داخل الوضع الراهن.

قدم ابن خلدون ومن بعده توينبي وأيضا دولوز (فيلسوف الجذمور) رؤية حول البدوي، الذي يعكس في ذاته دائما «البناء الجديد» غير المتأصل من قبل، أي بناء يحمل إمكانيات دون أن يكون بناءً سابق التخطيط، أي أنه بناء لا يحمل أية مقاربة أو أيديولوجية وإنما يحمل فقط إمكانيات قابلة للتطبيق، إمكانيات تتحدى الوضع القائم. إمكانيات تجعل من «الحاضر» واقعا يمكن تجاوزه، بل تؤكد بأن هذا الحاضر أضحى متناقضا أضحى لا-عقلانيا بممارسات الطبقة السائدة. وإن استمر هكذا هذا الوضع، فسيؤدي إلى خراب شمولي. فالتنسيقية إذن رسالة نذير، رسالة تُخبر بسوء الوضع.

بالفعل، فالبدوي (أو الرَّحالة) عكس الحضاري أو المدني، لا يخشى على أرض سيفقدها أو على مصالح ستتعرض للأذى، فهو لا يرتبط بالحاضر، وإنما يرتبط بإمكانيات مجهولة في المستقبل، وهنا تكمن قوته. أي لا يمكن تهديده بضياع ملكيته، ولا يمكن ابتزازه بفقدان هويته، ولا يمكن إغراءه بقطعة في الحضارة القائمة. لهذا ظل مؤرخو الحضارة ينفرون من البدوي. حيث ظلو يعتبرونهم أشخاصًا «مخربين» للمدنية، مع أنهم أشخاص مؤسسون لحضارة جديدة.

فالحضارة الإسلامية بناها البدو، والحضارة الغربية أقامها البدو الجرماني، كما أن المدنية العثمانية بناها البدو التركماني، والمدنيات التي تعاقبت على شمال أفريقيا، والتي أرخ لها ابن خلدون كانوا بدوا، فالمرابطون بدو والموحدون بدو والمرينيون بدو، وبعد هؤلاء بدأت المدنيات التي لم يُقمها البدو تضمحل، ففي عهد المرينين ظهر ابن خلدون، الذي يُعتبر الحد الفاصل بين قوة الحضارة الإسلامية وسقوطها. وابن خلدون بفطنته لم يكن مؤرخًا حضاريًا وإنما مؤرخًا بدويًا يميل للجانب المرتحل.

من هنا يتجلى لنا، أن التنسيقية هي إطار بدوي لا يعرف قرارة المركز، بل يتماشى مع الحداثة السائلة، التي فرضتها العولمة، فهي تعمل لحماية مصالح أعضائها، وسط هذا الهجوم الشرس للحداثة السائلة، التي تحاول أن تجعل من كل كائن قابلا للتشيؤ المائع.

فبقوة ما لديها من ضغط اجتماعي (وهي قوة المجتمع المدني الأصيلة)، لا تسعى التنسيقية للثورة، وإنما لتصحيح المسار، وحماية حق مشروع من الضياع وسط موجات الليبرالية الحديثة (النيوليراليزم)، التي همها هو تحديد كل إنسان بحسب ماريملك، لكي يكون أكثر صلاحًا، لأنه سيدفع، فالمواطن الصالح في مفهوم الليبرالية الحديثة هو المواطن الذي يدفع أكثر.

مع عدم ثوريتها الراهنية، فإن التنسيية، تحمل في كينونتها، إمكانيات التغيير دائما، لأنها -وبتعبير حاذق من جيل دولوز- تخترع خطوط الهروب، أي أنها تنفلت إلى المستقبل ولا ترتبط بالحاضر. فهي دائما تُخبرنا عما سيأتي وليس عما فات أو ما هو كائن، فهي لا تعمل لنرتبط بالحاضر وإنما لنرى المستقبل قائما.

إن التنسيقية إذن هي الاستجابة الأصيلة للوضع الحالي، بينما النقابة هي تجربة تم إدماجها بسبب مركزيتها المكتبية (البيروقراطية) المرتبطة بالحاضر دائمًا. إن التنسيقية نذير، تحمل هم الأجيال القادمة، لهذا يمكن أن نجعلها ضمن السياق الإيكولوجي الذي يستغرق في الانهمام (الهم) حول مستقبل البشر على هذه الأرض، المستقبل الذي تُهدده الليبرالية الحديثة والحداثة السائلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد