يحتاج المرء سنوات عدة ليبيض شعره ويتحول من السواد الحالك إلى البياض الناصع، فقد شاءت سنة الخلق أن يكون لكل طور من أطوار حياتنا البيولوجية لون يميزه ويصطبغ به، فسواد الشعر رمز الشباب وعنفوانه، والبياض علامة المشيب وأن الإنسان قد رد إلى أرذل العمر، ولكن لا نعدم حالات يعرف فيها الإنسان البياض قبل أوانه، ربما لطفرة من الطفرات الجينية، وعلى سبيل الذكر يعتبر المهق إحدى هذه الحالات، ويرجع إلى طفرة جينية في مستوى الصبغي رقم 15 من صبغيات الإنسان، وسببه نقص الميلانين، وهو الصبغ المسؤول عن لون الشعر والعيون والجلد في الجسم، كما أن هناك مرضًا يتنزل في ذات الإطار ألا وهو البروجاريا أو الشيخوخة المبكرة، وهو مرض جيني نادر الحدوث فبين كل 84 مليون شخص نسجل حالة، و لا يظهر إلا في سن الثانية لدى الأطفال؛ فتظهر عليه نفس عوارض الشيخوخة التي تظهر على العجوز فيرق جلده ويتساقط شعره وتبدو جمجمته أكبر من شكلها المعتاد، ويرجع هذا المرض النادر إلى طفرة جينية في الصبغي رقم واحد من صبغيات الإنسان، وإلى الآن لم يتم التوصل إلى علاج لهذا المرض غير أن فريقًا من الباحثين قام بين سنتي 2008 و2011 بتجربة على فئران، وتوصلوا إلى علاج يمد عمر المريض به، ولكن هل من الممكن أن يؤدي الحزن إلى البياض، وبالأخص بياض الشعر؟

يحدثنا القرآن وهو أصدق كتاب عن الحزن الذي تولى سيدنا يعقوب -عليه السلام- لفراق يوسف -عليه السلام- إلى حد ابيضت عيناه منه وهو كظيم، لسنا ندري المدة الزمنية التي ابيضت فيها عيناه، ولكن مما لا شك فيه أن حزنه كان عظيمًا، وهذه ليست القصة الوحيدة التي أوردها القرآن؛ فقد ذكر أيضًا الولدان الذين يشيبون من هول يوم القيامة.

لا أحد يمكن أن يتخيل ما يمكن أن تصنعه الأحزان والصدمات بجسم الإنسان، ويسجل لنا التاريخ واقعة لم يجد لها العلم تفسيرًا مقنعًا فقد قيل إن الملكة ماري أنطوانيت آخر ملكات فرنسا ابيض شعرها في الليلة التي سبقت إعدامها تحت المقصلة أيام الثورة الفرنسية، وقد عزا بعضهم ذلك التحول الطارئ الذي ألم بشعرها إلى حالة الحزن التي انتابتها وهي مقبلة على الإعدام، وهي التي عاشت متنقلة بين قصور فيانا وفرساي، وحين تخرج تجد نفسها تحت المقصلة فكيف لا تبيض بعد ذلك؟ وكيف لا تمسي أشبه بعجوز وهي الغادة الجميلة التي كانت تحكم شعبًا كاملًا؟ فالبياض الطارئ الذي صبغ شعرها لا يعود إلى رهافة حسها، إنما إلى صدمة نفسية لم تكن تتخيلها.

كانت ماري أنطوانيت حريصة على الحياة إلى آخر لحظاتها، فقد حاولت الفرار رفقة زوجها لويس السادس عشر، لكنهما كشفا، فليس غريبًا لملكة تحرص على الحياة إلى آخر لحظاتها أن يعتريها ما اعترى ماري أنطوانيت، ويطرأ عليها ذلك البياض الناصع، فيما يرجح آخرون أن ذلك البياض المفاجئ راجع لرؤيتها رأس صديقتها مدام دالومبيل مقطوعًا من خلال نافذة سجنها في تلك الليلة المشؤومة، إن الإنسان يهتز حين يرى رأسًا لكائن ما، فكيف إذا تعلق بشخص عهدنا رؤيته والتكلم معه.

لم تكن ماري أنطوانيت الشخص الوحيد الذي ابيض شعره ليلة إعدامه، فقد سجل لنا التاريخ حالة أخرى: توماس مور الفيلسوف الإنجليزي صاحب اليوتوبيا، وهي طراز من المثالية تتوق إليها الكاتب على شاكلة فلاسفة اليونان، وربما هذه المثالية تقودنا إلى مفتاح من مفاتيح البياض الذي وخط شعر الفيلسوف والراهب الإنجليزي، فالمثالية المبالغ فيها تفضي دومًا إلى خيبة وإحباط، صحيح أن الشخصيتين لم تعاصر بعضهما البعض لكن كلتيهما عاشت في عالم برزخي مستبعدة كل المنغصات، وغير معتبرة لتصاريف الأيام.

إن ماري أنطوانيت حالة فريدة من حالات الحزن التي يبلغها الملوك والنبلاء حين تتزعزع عروشهم، مهما حاولنا إعادة تصور ذلك المشهد، مشهد الملكة التي يمسي شعرها الفاحم أبيض، فنحن لا نستطيع أن نتخيل ما عاشته آنذاك، وما اعتمل داخلها من مشاعر، ولكن ماذا إذا لم تكن تلك الليلة الدهماء هي السبب، ماذا إذا كانت تراكمات متعاقبة أفضت إلى ذلك البياض، خاصة إذا علمنا أن ماري أنطوانيت تزوجت زواجًا سياسيًّا في سن مبكرة، فضلًا عن أنها كانت تلمز على عرقيتها النمساوية، فقد ذكرت المصادر أنها كانت تنادى بالنمساوية، ولا غرو أن التبجح كان متعارفًا عليه في القصور والصالونات التي كانها يؤمها النبلاء آنذاك.

لقد كانت حالة فريدة من حالات الحزن، ما لبث أن صار ما يعرف لاحقًا بمتلازمة ماري أنطوانيت ومتلازمة توماس مور، ورغم أن هذه المتلازمة سجلت باسميهما غير أنهما لم يكونا أول من عرف البياض المفاجئ فقد تحدث عنها الأدباء وذكروها ضمن قصصهم، فقد ذكرها شكسبير في مسرحيته هنري السادس، وأوردها ولتر سكوت في وصفه، وربما شاهدا حالات مشابهة لتلك المتلازمة في محيطهما كما دون التاريخ أن بعض الجنود ابيضت شعورهم في الحروب العالمية، وهذا ما يستبعد أن تكون ظاهرة؛ بل مرضًا مشاعًا ومتواترًا مثل بقية الأمراض والأوصاب، وما ارتبطت المتلازمة باسميهما إلا لشهرة ذينك الشخصين وليس لندرة وقوعه، إن التاريخ قد سجل المتلازمة باسمي ماري وتوماس، وهذه عادة التاريخ يتخذ من الأحداث المشتهرة والأسماء الذائعة تقويمًا، لكن الطب غير التاريخ ولا يلتفت للشخوص، بل ينسب الأمراض لمكتشفها، ألم يكن أبراهام لينكون مصابًا بمتلازمة مورفان، وكانت عوارضها بادية عليه، ورغم ذلك لم تسجل باسمه، لماذا سكت الطب خلال تلك القرون وبقيت تلك المتلازمة بين التاريخ والأدب لا تخرج عنهما كأن الطب لم يكن معنيًا بها ولم يخض فيها إلا في قرون متأخرة؟

مما يلاحظ أن تعامل الطب مع هذه المتلازمة كان بتحفظ، ولم تشملها تلك الأبحاث العميقة، ويجب الاعتراف أنها كانت عصية عليه حتى ذلك الوقت (على الأقل قبل ظهور علم الوراثة مع جورج مانديل الذي مثل فتحًا عظيمًا عول عليه اللاحقون في دراسة الأمراض الجينية)، لتبقى تلك المتلازمة من المسكوت عنه في عالم الطب إلى حين ظهور أدلة تفسرها، لقد أبى الطب أن يسلك سبيل الأدب في تفسيرها، وارتضى سنين من السكوت، وهذا لا يعني قصور الأدب ولكن كل له نهج يتبعه، فإن كان الأدب ينطلق من الوجدان، فالطب يتخذ من العضويات معولًا له، بل من حسنات الأدب التي لن ينساها الأطباء أنهم كانوا ينطلقون من شخصيات ابتكرها شكسبير يدرسون الأمراض، ويفسرون الحالات المرضية.

هناك مفارقة لا يسعنا التغاضي عنها، لقد عاصرت ماري أنطوانيت العهد الذهبي للباروكة، فقد كان الشعر المستعار أداة من أدوات التجمل خاصة النبلاء منهم وميزة لهيئاتهم تقودنا للتعرف إليهم بسهولة، ولم تكن حكرًا على جنس دون آخر بل تهافت عليها الرجال والنساء على السواء، حتى إذا انبثقت الثورة الفرنسية اختفت تلك الموضة التي ميزت هيئات النبلاء. لقد كانت الثورة الفرنسية ثورة الرؤوس بامتياز، أطاحت الرؤوس وكل ما يتعلق بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد