لا بد وأن أغلبكم إن لم يكن جميعكم يعرف متلازمة ستوكهولم، ولمن لم يسمع بها بعد فهي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه، أو من أساء إليه بشكلٍ من الأشكال، أو يظهر بعض علامات الولاء له.
على العكس تمامًا من المتلازمة التي احتفظ لنفسي بحق اكتشافها حين كنت أعمل في قطاع التعليم، حين اكتشفت لأول مرة أن المدرسة عبارة عن دولة صغيرة، تحمل تركيبة الدول وصراعاتها، يمثل المدير فيها الملك أو الرئيس، وكل ما يتصل به لا يقل أهمية عنه،
أدركت هذه الحقيقة في أول سنة لي بالعمل كمعلمة.

كنت مكلفة في أحد الأيام بالمناوبة في نهاية الدوام لحين تفرغ المدرسة من كل الطالبات، وحيث إن المديرة أو «الملكة» بصورة أدق شددت على الالتزام بمنع الطالبات من التجوال في ساحة المدرسة، قمت ككل موظف -أو مواطن- إن صح التعبير، بتطبيق تلك التعليمات حين وجدت طالبتين من مرحلة أخرى يتجولن بالآيس كريم في ساحة المدرسة، بصحبة فتيات من مدرستنا، استفزتني الثقة التي بدت عليهن، وما إن علا صوتي عليهن قليلًا حتى خرجت إحدى الزميلات من غرفة المعلمات تلوح لي بشكلٍ لافت، ذهبت نحوها استقصي الكارثة التي جعلتها تقفز من مكتبها بهذا النشاط الذي لم أعهده بها، فأخبرتني أن الفتيات اللاتي طبقت عليهن التعليمات هن في الواقع بنات المديرة.
لم تنتهِ الأخبار السيئة بعد، حين سمعت ما قالته أختي المواطنة أسقط في يدي، فلجأت للسخرية للخروج من المأزق. حين تيقنت بأني وقعت بين مطرقة التمسك بموقفي لحفظ كبريائي، وسندان الاصطدام بالمديرة في بدايات الحياة الوظيفية؛ افتعلت الضحك وقلت للزميلات: هذه غلطتكم بارك الله فيكم، بنات المديرة من كبار الشخصيات، وكان يفترض بكم أن تعلموني مسبقًا بكل الشخصيات المرتبطة بالسيدة الحاكمة.
لم يلوح لي أحد، لم يرد أحد، عرفت حينها أن ثمة كارثة أخرى بالخلف.
لم تكن المديرة بالطبع، كانت أذنها فقط.

عرفت بأن الأمر لن يتعقد أكثر من ذلك حين هاتفت صديقتي التي أثق برؤيتها، فأخبرتني أنني سأصبح الهدف الجديد لسخط «الحكومة»، وعليَ أن أتقبل الأمر، وأبدأ بالتعامل معه، لذلك أيقنت أن الأمر قدر ولا شيء الآن يمكن فعله لتفادي ما حدث، قررت ألا أقف بصف الحياة ضدي فكافأت نفسي تلك الليلة بعشاء لذيذ وفيلم لجوليا روبرتس، ولتفعل المديرة غدًا ما تشاء.
في اليوم التالي استدعتني المديرة، في الواقع شعرت بالقوة في ذلك الحين، وقلت لنفسي إن عادت العقرب عدنا لها، وإن فكرت بمحاسبتي سأحول الموضوع برمته إلى نكتة، ستظل النكتة لافتة جيدة لتنبيه قطار المبادئ بضرورة التهدئة لسلامة العبور.
لكن الذي حدث كان العكس تمامًا، أخبرتني المديرة بأن بناتها يضطررن لانتظارها لحين تنتهي من العمل، وأنها قد قالت لبنياتها حفظهن المولى أن المعلمة لم تخطئ، وأنها مسرورة لأن «معلماتها» يحترمن تعليماتها، وأنها لا تعتبر بناتها استثناءً لكنها ستشرح للمعلمة كيف تتبع حدسها في معرفة من يُسمح لهم باختراق النظام.

أوشكت في تلك اللحظة أن أخبرها أنه لا يحق لها أن تتشارك أمورًا تخص العمل مع بناتها المراهقات، لكنني تذكرت اللافتة والقطار؛ فقلت لها عوضًا عن ذلك إنني سأخبر أصحاب السمو الإداري بناتها بأن ينتظرن في مكتبها لتسرع هي بالمغادرة لتبدأ المدرسة بالاحتفال، وغني عن الذكر أن المديرة لم تسمع ذلك اللقب الباذخ الذي أطلقته على بناتها، لأنني رددته بقلبي فقط.
لكن النكتة آتت أكلها، ضحكت المديرة، وقدمت لي فنجانًا من القهوة، وأخبرتني أنها معجبة بتصرفي. فاجأني ذلك الود وعشت في تلك الضلالة حتى نهاية العام، حتى أخبرني التقييم الجائر الذي وضعته لي برأيها الفعلي الذي حرصت على أن تفخخه بكل نقيصة لا يمكن إثباتها!
تعلمت الدرس، وكان أول شيء أفعله في أي مدرسة معرفة بنات المديرة للتدقيق معهن، أسميت هذه اللوثة التي أصبت بها متلازمة ولد المدير. كانت شديدة الوضوح في البداية، ثم بدأت بالتعامل معها بنضج حتى وصلت لصيغة مكيافيلية مرضية للتعامل معها، بما يحفظ الحد الأدنى من الثبات على المبدأ، والحد الأدنى من استخدام ذات المتلازمة لتأديب المدير إن لزم الأمر.
ثم اكشفت بأنني شفيت من المتلازمة بعد عشر سنوات من العمل، حين شاهدت صدفة زميلة تمسك بتلابيب بنت المديرة وتخبرها بصوتٍ عالٍ جدًّا أنها لن تسمح لها بتجاوز النظام ووضع مساحيق خفيفة للوجه، بالرغم أن كل الطالبات تقريبًا يفعلن هذا، والمديرة لم تمنع أيًّا من الطالبات. لوحت لزميلتي بحماس لتحضر نحوي فقدمت مسرعة تسألني ما الخبر، قلت لها بطريقة حرصت على أن تبدو بها ابتسامتي وقورة:
عزيزتي، هل تلاحظين اللافتات حين تركبين القطار؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد