على ناصية الطريق حيث تحتل القهوة الرصيف الشاغر، جلست في أوساط الرجال تدخن الشيشة في عصبية وتطلق بعض الكلمات حول نماذج قهر المرأة وعن صاحبتها التي تشوهت ملامح وجهها الرقيق على يد زوجها وادعاءات أمها الكثيرة بأن «المرأة عليها أن تتحمل زوجها في أي صورة كان»!

النسوية أو ما يسمى «feminism»

التي وجدت طريقها للسيطرة على عقول أغلب فتيات عالمنا العربي والإسلامي حيث لا تخلو جلسة ثرثرة نسائية منها، ما الذي يجعلها تحتل هذا الحيز الضخم من جلسات المثقفين من النساء والرجال، لماذا لاقت تلك الدعاوى هذا الصدى الكبير في عالم إسلامي يدعي مسلموه أن الإسلام كفل للمرأة كل حقوقها وكرمها ووضعها في أفضل مكانة؟

يطرح هذا كمًا هائلًا من التساؤلات المؤرقة على شاكلة هل حقًا قد كفل الإسلام للمرأة حقوقها كما يدعون؟

إن كان الإسلام حقًا قد حفظ حقوقها وأعطاها حريتها الكاملة فلماذا وجدت دعاوى التحرير هذه الجماهير العريضة المؤيدة؟

وهل حقًا قد كفلت «النسوية» حقوق معشر النساء وما حقيقة تلك الدعاوى وإلى ماذا تهدف؟

لمحاولة فهم أعمق وأكثر إلمامًا بتلابيب الأمر وملابساته علينا أن نلقي نظرة سريعة على بدايات نشوء تلك الظاهرة في البلاد الأوروبية أولًا ثم نزوحها وتسللها لعالمنا الإسلامي وتجذرها فيه حتى صارت قضية تشغل كبار المفكرين والمثقين والمهتمين بالشؤون العامة وصارت حديثًا في الساحات الفكرية رغم زعمهم بأننا نحن المسلمين لسنا بحاجة لمثل تلك الدعاوى فالإسلام غني بما هو أكثر إنصافًا للمرأة منها.

خطت النسوية خطواتها الأولى مع بداية حركات التحرر التي ظهرت في عصر التنوير، كانت المرأة قد استدرجت لسوق العمل كجيش احتياطي لضرب المطالبين برفع الأجر حيث تعمل في المصنع الساعاتِ ذاتها التي يعملها الرجل وتُعطَى نصف الأجر!

هنا برز السؤال الذي كان بمثابة الشرارة الأولى لقضية تحرير المرأة (لماذا نصف الأجر؟!) أي عدل هذا وأي قانون!

هنا أصبحت المرأة قضية، قضية المساواة، قضية عادلة تمامًا! وشقت طريقها للمطالبة بالمساواة مع الرجل في الأجور، شقت طريقها في بداية دفاعها عن قضيتها بواسطة احتجاجات ومظاهرات فلم يُسمع لها، طالبت وطولب لها أن يكون لها حق الانتخاب حيث إن النائب الذي لا يعتمد في منصبه إلا على أصوات الرجال لن يلتفت لحقوق المرأة، واستمرت السلسلة، سلسلة الدعاوى التي تروم – كما تزعم – تحرير المرأة وإعطاءها كافة الحقوق، حتى طالت المساواة في الفساد!

لماذا يفسد الرجل وتتركونه وإذا فسدت المرأة قلتم الدين والأخلاق والتقاليد، فلتتحطم الأخلاق وليذهب الدين إلى الجحيم إن كان عقبة في طريق المرأة!

وهكذا بدأت القصة بمساواة في الأجور حتى شملت دعاوى العري والفجور وحق المرأة في التخلص من جنينها دون إذن زوجها، والحمل سفاحًا وغيرها الكثير مما يشيب الولدان ويدل على أن الأمر كان برمته بغرض إفسادها لا تحريرها!

بهذه الصورة حولت المرأة بالكامل إلى أداة إغراء وإفساد وإلى فتنة للرجل، والأسوأ هو استغلالها واستغلال جسدها في الإعلام والدعايا والوصول على جسر جسدها إلى مليارات من الأوراق النقدية وأرباح لا نهاية لها!

لنعد إلى سؤال (هل كفل الإسلام للمرأة حقوقها؟ وإن كان فلمَ استقبل عالمنا الإسلامي تلك الدعاوى بتلك الحفاوة الشديدة كغريق قد اهتدى أخيرًا إلى الشاطئ؟).

الحقيقة أن دعاوى تحرير المرأة لم تؤت أُكلها في عالمنا العربي والإسلامي إلا حين وجدت تربة خصبة لها وبيئة حاضنة حيث تكون قادرة على النمو والترعرع كما تشاء، حيث إسلاميون – أو من يدعون تمثلهم له في حياتهم – لا يرون سوى أحاديث من قبل «لو كنت آمرًا بشرًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» وغيره من الأحاديث التي تناولت طاعة المرأة لزوجها ومفهوم القوامة، يتناولونها بمعزل عن الفهم الصحيح والمعنى وراءها، يأخذونها بسطحية مطلقة وبكلماتها المجردة الظاهرة أمامهم، وبمعزل عن السياق الذي قيلت فيه!

واقع يسعى حثيثًا ويبذل ما بوسعه لحصر دور المرأة في تنظيف وإعداد أصناف لا تعد ولا تحصى من أشهى المأكولات والأطعمة ويكأننا خلقنا في الحياة لإشباع رغباتنا الحيوانية ليس إلا!

واقع يدعي الإسلام ويتشدق بكلامه حتى يضيق مساحات عملها والنظر إليها كفتنة للرجل ليس إلا، وأنه من أجل مجتمع إسلامي أفضل علينا أن نضعها في قمقم بعيدًا عن ميادين العمل العام حتى لا تزاحم الرجال فيقع في قلوبهم منها شيء فـ«سد الذرائع أولى من جلب المنافع»!

تنشأ الفتاة الصغيرة في أسرة تخبرها دائمًا أن أخاها الذكر له الحق في كل شيء، الذهاب مع أصدقائه حيث يريد، السفر لمساحات بعيدة، التسكع حيث يشاء، من حقه أن يحصل على ما يريد ويفعل ما يشتهي فهو «ولد لكن أنتِ بنت».

هو الذي يملك السلطة العليا في البيت لكونه خلق ذكرًا!

ما بين «أنتِ بنت» و«ملكيش غير بيتك وجوزك» و«ضل راجل ولا ضل حيطة» تجد الفتاة نفسها ضائعة غير قادرة على وضع تعريف صحيح لهويتها النسوية ولدورها الصحيح في مجتمعها، شوهت المفاهيم في عقليتها الصغيرة، كرهت بشدة كونها وُلدت أنثى ونما في قلبها حقد دفين تجاه كل الذكور من حولها.

واقعٌ وإسلاميون لا يرون في الإسلام سوى «وَقَرْنَ في بيوتكن» ويغفلن عن «النساء شقائق الرجال» وعن خديجة التي كانت من أصحاب رؤوس الأموال في مكة. فقد كانت لها تجارة كبيرة تبعث بها إلى الشام وعير كعامة عير قريش، عن رفيدة الأنصارية التي كانت لها خيمة بجوار المسجد تعالج فيها الجرحى من أصحابه صلى الله عليه وسلم، وكانت تخرج في الغزوات والمعارك.

وقد روي عن عمر رضي الله عنه في ترجمة أم عمارة الأنصارية رضي الله عنها قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما التفت يمينًا ولا شمالًا يوم أحد إلا وأنا أراها تقاتل دوني. يعني أم عمارة نسيبة بنت كعب (الحديث حسن).

وبدأ تصدير صورة المرأة المتحررة التي لا تعاني من أي عقبات في طريقها، الناجحة في حياتها ذات (الكارير)، تلك الصورة الرائعة المبهرة، إلى عالمنا الإسلامي وتأثر الشباب بتلك الثقافة الغربية التي رأوها في الإعلام الغربي في ظل تغييب جزئي أو كامل لمركزيتنا ومرجعيتنا الإسلامية الأم وفهم قاصر ومشوه.

تكاسل عن محاولة فهم صحيحة لدور المرأة في الحياة الاجتماعية والسياسية في ظل الإسلام، سطحية شديدة في التعامل مع النصوص، قصورٌ في التفكير، خللٌ في العقول، كل ذاك مهد الطريق أمام دعاوى (النسوية) لتجد لها مكانًا وحيزًا كبيرًا في عقول فتياتنا وتشغل القضية الكبرى في جلساتهن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد