يقول سلامة كيلة: «عندما تبلور نظام الرأسمالية نمطًا عالميًّا نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت الرأسمالية إمبريالية بالضرورة، وبالتالي أصبح تقاسم العالم هو أساس الصراع بين الرأسماليات».

يظهر لنا وبوضوح أن خطة «الشرق الأوسط الجديد» بدأت تظهر ملامحها في منطقة الشرق الأوسط، فالأحداث التي تتعاقب وتتسارع في ساحة الصراع في سوريا توضح ذلك، ففي بداية سنة 2018 بدأ الجيش التركي بالحملة عسكرية «غصن الزيتون» ضد ما يسميهم بالعناصر الإرهابية «قوات سوريا الديمقراطية» تابعة لحزب العمال الكردستاني «الذي تصنفه أنقرة في قوائم الجماعات الإرهابية» في منطقة عفرين في شمال سوريا، وهذه القوات «وحدات حماية الشعب الكردي» مدعومة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، تسيطر على منطقة شرق سوريا الغنية بالنفط والغاز والمنطقة الاستراتيجية، وهنا يتبين وبالملموس رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في إقامة دولة كردية في شمال سوريا لقطع الطريق على تركيا، والحفاظ على النفوذ الأمريكي في المنطقة.

من جهة أخرى هناك تطهير عرقي يقوده النظام السوري بمساعدة روسيا في منطقة الجنوب «ريف دمشق، وحمص، وحلب، والغوطة…» تابعة لنفوذ روسي، تهدف هذه العمليات إلى القضاء على المعارضة السورية في المنطقة، وأيضا التطهير المذهبي: أي القضاء على الوجود السني، وهنا يتبين أن روسيا تريد الحفاظ على نفوذها في الجنوب السوري، بإنشاء منطقة فاصلة ومستقرة بين مناطق حكم النظام السوري «نظام بشار الأسد»، ومناطق وجود الفصائل السورية المعارضة المدعومة من تركيا وبعض الدول العربية، والعمليات الأخيرة في الغوطة الشرقية توضح الاستراتيجية التي يتبعها النظام السوري وحلفاؤه، روسيا وإيران، في إقامة منطقة مستقرة آمنة للمحافظة على مصالحهم.

الآن يتبين لنا أن سوريا ستصبح مجموعة من الدويلات الكرتونية المنقسمة، تخدم الإمبريالية الغربية والجشع الغربي، وتحافظ لها على مصالحها متمثلة في البترول والغاز السوري «طاقة»، والمنافذ البحرية والبرية التي تتوفر عليها البلاد، ويمكن القول إن خريطة الشرق الأوسط الآن بدأت تتغير وتظهر ملامح المشروع الأمريكي الصهيوني، والتاريخ هنا يعيد نفسه، ليس بطريقة دائرية، ولكن بالشكل الحلزوني ؛ إذ أعيد إنتاج معاهدة سيكس- بيكو جديدة تحاك بين القوى المتصارعة «روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية» في منطقة الشرق الأوسط لتقاسم النفوذ والخيرات في هذا الجزء من العالم المليء بالموارد الطبيعية الهائلة، والموقع الاستراتيجي الحيوي.

بعيدًا عن صراع النفوذ وتقاسم المناطق بين هذه القوى الإمبريالية المستعمرة للأوطان وللعباد، يا عالم يا بشر! هناك طفولة تغتصب وأحلام تدمر وشيوخ وشباب وأمهات يموتون ليل نهار، لماذا لا يتحرك ما يسمى بمجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة؟ ولماذا الدول العربية لا تحرك ساكنًا في قضية المذابح التي ترتكب في حق المدنيين في شام النخوة والرجولة؟ في نظري مجلس الأمن الدولي أحدث لخدمة الإمبريالية الغربية الاستعمارية وليس للحفاظ على الأمن الدولي كما يزعمون، ونظامه يبين لنا ذلك؛ فهناك خمس دول هي المستفيدة منه «أمريكا، روسيا، الصين، فرنسا، إنجلترا» وباقي الدول متفرجة، وبالنسبة للدول العربية والإسلامية فمعظمها أنظمة خادمة وموالية للغرب والولايات المتحدة الأمريكية، ولا يمكن لها أن تقوم باتخاذ أي قرار إلا بموافقة الغرب، إذن لا نحلم بأي تغير في سياسة هذه الهيئات أو الدول، ولا يمكن لها أن توقف المجازر التي ترتكب في سوريا وباقي المناطق المنكوبة من عالمنا، فالمجتمع الدولي تحركه المصالح ولا شيء غير المصالح، والإنسانية والقيم الكونية إلى المزبلة؛ فهي لا توفر مالًا ولا طاقة!

الصراع في سوريا ومناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو امتداد للحروب الصليبية التي هدفها الأساسي هو القضاء على الإسلام والمسلمين بالتطهير العرقي، وأيضا يريدون نسف أي محاولة لإقامة دول ديمقراطية عربية أو إسلامية، وهذا تبين بوضوح في الثورات المضادة لثورات الربيع العربي، وإشعال الحروب الأهلية في المناطق «اليمن، ليبيا…» التي نجح فيها هذا الربيع الديمقراطي الذي حمل أحلام الشباب وأحلامه بأوطان تتسع للجميع بكل أطيافهم ومذاهبهم، ولكن مهما طال ظلام الليل فلا بد من بزوغ نور النهار، وأحلام الشباب بأوطان ديمقراطية لا بد أن يتحقق يومًا ما، رغم قسوة الجو العام في منطقتنا العربية والإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد