مع نهاية عام 2016م، تغيرت خارطة النفوذ والسيطرة السياسية والعسكرية في بعض مناطق سوريا، فجبهات القتال تشهد معارك عسكرية طاحنة، والكثير من المعارك التي دارت في هذا العام شهدت كرًا وفرًا وعدم ثبات للسيطرة خصوصًا في مواقع التماس بين القوى المتحاربة، وبالرغم منذ ذلك فما يزال ما يزيد عن 70% من الأراضي السورية خارج سيطرة النظام والمتحالفين معه من دول عدة.

وقد زجت روسيا بكامل ثقلها العسكري إلى جانب قوات الأسد ومليشيات إيران؛ حيث شنوا حملات قصف غير مسبوقة على المدنيين في مناطق الثورة بكافة أنواع الأسلحة «القنابل الفسفورية وغاز الكلور والخردل والسارين والقنابل العنقودية، البراميل، الألغام البحرية، صواريخ أرض – أرض»، وقد استطاعت تلك القوات متعددة الجنسيات المتحالفة مع النظام التقدم في بعض مناطق الساحل السوري والسيطرة على الأحياء الشرقية المحررة في حلب والغوطة الغربية.

وبالرغم من ذلك استطاعت الفصائل السورية المقاتلة امتصاص الضربات الروسية في مناطق عدة وتكيفت معها وباتت تتقدم على الأرض مستخدمة خططـًا عسكرية كـ«حفر الخنادق» لتلافي سياسة الأرض المحروقة التي استخدمها الطيران الحربي الروسي، وقصف غرف عمليات العسكرية، كما أن إستراتيجيات اقتحام العديد من القرى والمدن شهدت تطورًا كبيرًا، وهذا ما ظهر جليًا في معارك ريف حلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، بالإضافة إلى التقدم الكبير للجيش السوري الحر في ريف حلب الشمالي.

وتتقاسم الجغرافيا السورية 5 قوى رئيسية يسيطر كل منها عسكريًا على أجزاء من البلاد ويمكننا أن نعرضها كالتالي:

1- الجيش النظامي المدعوم بالحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس ومليشيا حزب الله اللبناني ومليشيات النجباء والإمام وحزب الله العراقي والعصائب الشيعية العراقية ومليشيا «فاطميون» الأفغانية ومليشيا «زينبيون» الباكستانية ولواء القدس الفلسطيني و«الجبهة الشعبية القيادة العامة» برًا، أما جوًا فيتم دعمه عبر الطيران الحربي الروسي، وأحيانًا عبر طيران التحالف الدولي، كما حدث في تدمر بداية هذا العام، كما قدمت إيران دعمًا جويًا للنظام عبر الطائرات بدون طيار.

2- الكتائب الثورية المسلحة وأبرزها «كتائب الجيش السوري الحر – أحرار الشام – فيلق الشام – جيش الإسلام – الجبهة الشامية – نور الدين زنكي – الجبهة الجنوبية – الجبهة الشمالية – فيلق الرحمن – تجمع فاستقم – جيش إدلب الحر – فرقة السلطان مراد».

وقد شكلت تركيا من بعض الفصائل السورية قوات «درع الفرات»، وتوفر لتلك القوات دعمًا جويًا ومدفعيًا وتسليحيًا، بل تشارك معها بالقوات الخاصة التركية في المعارك ضد تنظيم الدولة وقوات pyd».

3- جبهة فتح الشام «النصرة سابقـًا» «ساهمت الجبهة في تأسيس غرفة عمليات «جيش الفتح» مع مجموعة من الفصائل»، كما يقاتل في سوريا «الحزب الإسلامي التركستاني» وكتائب «الإمام البخاري» من وسط آسيا.

4- تنظيم الدولة المعروف إعلاميًا باسم «داعش».

5- حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي pyd «جناحه المسلح «وحدات حماية الشعب الكردي» وهو بمثابة الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني pkk في تركيا» وتطلق عليه بعض وسائل الإعلام اسم قسد «قوات سوريا الديمقراطية» .

وتتركز سيطرة الجيش النظامي والقوى المتحالفة معه على معظم أحياء العاصمة دمشق، ومحافظتي طرطوس واللاذقية الساحليتين، ومحافظة السويداء الجنوبية، ومدينة حماة وأجزاء من ريفها الغربي، ومدينتي حلب وحمص ودرعا المدينة، وأجزاء واسعة من جبلي الأكراد والتركمان في ريف اللاذقية الشمالي.

وقد استطاع الجيش النظامي وعبر مليشيا حزب الله اللبنانية ومليشيات النجباء الشيعية العراقية حصار بلدات الغوطة الغربية في ريف دمشق وإجبارها في النهاية على عقد مصالحات، وتلك البلدات أكثرها كانت قد أبرمت هدنة مع النظام منذ شهور طويلة، ولكان جاء انسحاب المقاتلين في مدينة داريا ليكون كالقشة التي قصمت ظهر البعير، وخرج «المقاتلون» من مدن الغوطة الغربية كقدسيا والهامة وخان الشيح، كما تمكنت تلك القوات متعددة الجنسيات من التقدم في جزء من الغوطة الشرقية.

أما الجيش السوري الحر والكتائب الثورية وجيش الفتح، فيسيطرون على بعض الأحياء الدمشقية وأحياء جنوب دمشق وغالبية ريف دمشق «الغوطة الشرقية وأجزاء من القلمون والزبداني ومضايا وبقين» ومعظم البلدات والمدن الواقعة في محافظات في ريفي حلب الجنوبي والشمالي وعلى كامل محافظة «إدلب» باستثناء بلدتي «الفوعة وكفريا»، وكامل محافظة «درعا» باستثناء «خربة غزالة وإزرع ودرعا المدينة» والقنيطرة جنوبًا، بالإضافة إلى بلدات الريف الشمالي والشرقي لمحافظة حمص «تلبيسة، الرستن، حي الوعر الحمصي»، وأجزاء من جبلي الأكراد والتركمان في ريف اللاذقية الشمالي، كما نجحت الفصائل العسكرية التابعة للجيش الحر بالسيطرة على ريف حماة الشمالي ونجحت في خلال الأشهر الماضية في السيطرة على مدن «حلفايا» و«طيبة الإمام» و«صوران»، وهو ما يعني أن مركز مدينة حماة ومطارها العسكري أصبح في مرمى الفصائل، والاستيلاء على مدينة حماة سيعني طرق أبواب الساحل وفك الحصار عن ريف حمص الشمالي المحاصر.

كما حرر الجيش السوري الحر ضمن عمليات «درع الفرات» بدعم الجيش التركي مناطق واسعة من ريف حلب الشمالي من تنظيمي الدولة والـ«ب ي د» الكردي، ومن أهم المناطق التي تم تحريرها «جرابلس والراعي ودابق وأخترين والغندورة» وباتت هذه القوات على أبواب مدينة الباب الإستراتيجية ذات الكثافة السكانية العالية، ومدينة منبج.

أما وحدات «حماية الشعب الكردي» الجناح العسكري لـpyd أو التي تعرف باسم قوات سوريا الديمقراطية، فكانت تسيطر في 2015 على مناطق منفصلة شمالي البلاد بمحاذاة الحدود التركية، وهي شمال محافظة الحسكة لاسيما مدينة القامشلي، وتل أبيض شمال شرقي محافظة حلب، ومنطقة عفرين شمال غرب المحافظة ذاتها.

إلا أنها في عام 2016 نجحت وبدعم التحالف الدولي في السيطرة على مدينة منبج ومحيطها من تنظيم «الدولة»، ضاربة بالخطوط الحمراء التركية عرض الحائط، وكانت الأخيرة قد حذرت مرارًا من عبور تلك القوات لغرب الفرات، كما تمكنت من السيطرة على مواقع في محافظة الحسكة، وقد نشبت اشتباكات كبيرة بين تلك القوات وقوات النظام قتل في العشرات في القامشلي، إلا أن روسيا وأمريكا وصلوا إلى صيغة تهدئة بين القوتين.

كما استطاعت تلك القوات نفسها بدعم روسيا وقوات الأسد من السيطرة على تل رفعت ومنغ ومطارها العسكري ومناطق أخرى كانت خاضعة للجيش السوري الحر، كما أن تلك القوات سيطرت على أحياء داخل مدينة حلب منها الشيخ مقصود وعدة أحياء مجاورة له بالتنسيق مع قوات النظام.

أما تنظيم الدولة، فيفرض سيطرته على معظم المحافظات المحاذية مع المناطق التي يسيطر عليها في العراق؛ وهي محافظة دير الزور «باستثناء مركز المدينة ومطارها العسكري»، ومناطق شاسعة في ريف الحسكة وكامل محافظة الرقة، كما يفرض سيطرته على أجزاء من ريف حلب الشرقي «مدينة الباب».

ويسيطر التنظيم على مساحات كبيرة في ريف حمص، خصوصًا بعد استيلائه مجددًا على مدينة تدمر بعد أن كان قد خسرها بداية هذا العام، وقد نجح التنظيم في السيطرة على القاعدة العسكرية الروسية في تدمر وهو اليوم يحاصر مطار  التيفور العسكري.

وكانت إستراتيجية التنظيم في عدة مناطق من سوريا قبل الهجوم الأخير على تدمر شن هجمات خاطفة ثم الانسحاب.

حتى الآن ما زال أكثر من 70% من الأراضي السورية خارج سيطرة القوات النظامية والمليشيات الإيرانية المساندة، والقوات الأجنبية، و«المتطوعون» يتوافدون على سوريا من كل حدب وصوب، وهناك قوى كبرى وإقليمية لن تقبل أن تهزم أمام القوى الأخرى، الأمر في سوريا تعدى مرحلة القطرية وتحول إلى صراع إقليمي، ومع التدخل الروسي تحول إلى صراع عالمي، ولا يمكن لبلدان إسلامية عدة أن تقبل أن تسيطر إيران على سوريا بعد أن سيطرت على العراق، وكل هذه عوامل تؤكد أن الصراع سيمتد لسنوات أخرى بل سيتصاعد لا محالة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا, صراع, عسكري
عرض التعليقات
تحميل المزيد