مع قرب انتهاء خمسة سنوات على انطلاق الثورة السورية التي بدأت في مارس 2011م، لا يزال النظام السوري يرتكب العديد من المجازر بحق الشعب السوري.

 

ورغم تحول الثورة إلى حمل السلاح فإن نظام بشار الأسد لا يستهدف المسلحين بل يصر على استهداف المدنيين العزل في أماكن إقامتهم.

 

 

الكثير من المجازر البشعة ارتكبت في حق الشعب السوري ولا تزال، ولعل آخرها مجزرة السوق الشعبي في مدينة دوما المحاذية لغوطة دمشق والتي راح ضحيتها 120 شخصًا نتيجة لقصف صاروخي قامت به طائرات النظام السوري يوم 15أغسطس/آب الجاري, وما تلاها من مجازر في كل يوم في غوطة دمشق.

 

 

يقدم التحقيق التالي صورة عن قيام النظام السوري بتدمير كلي لأحياء في الغوطة الشرقية, فبعد بدء الثوار معركة “لهيب الغوطة” نصرة للزبداني في مدبنة حرستا, ونيجة لخسائره الكبيرة, قال ناشطون إن النظام السوري زادت جرائمه على مدن وبلدات الغوطة فاستعمل أضخم أنواع الأسلحة الثقيلة وسلاح الجو والصواريخ بشكل مكثف وعنيف أكثر من العادة, فاستهدف بشكل ممنهج  كل من (دوما وحرستا وعربين ومن الجنوب سقبا حمورية كفربطنا وجسرين) والتي أكد الناشطون أنها الأكثر اكتظاظ بالمدنيين من غيرها.

 

 

خرجنا بصحبة عدد من ناشطي غوطة دمشق ورأينا على امتداد النظر في الغوطة أحياء كاملة قد تحولت المنازل فيها إلى أكوام من الركام، بعضها فوق بعض، بينما المنازل القريبة تعرضت أجزاء منها إلى الانهيار والتدمير، في مشهد مشابه للمناطق التي تضربها الزلازل والكوارث الطبيعية، لكن هذه الكارثة كانت من صنع طائرات النظام السوري وصواريخه .

 

 

في حديثنا مع الأهالي صاروا يروون قصص ما تبقّى من منازلهم وأحيائهم السكنية في المدينة، في حالة صدمة كبيرة من هول الدمار الواسع الذي عاشوه من لحظة غارات الطائرات عليهم وحتى نجاتهم من الموت.

 

أبو زياد خبية (60 عاماً) أصيب في مجزرة السوق الشعبي في دوما بعد أن دمرت الطائرات بيته وكان الناجي “بأعجوبة” : يروي قصص ما حدث في السوق قرب ساحة الغنم، أخذ يصرخ ويكبر أمام عدسات الكاميرات في ساحة الجريمة ولم نستطع البقاء طويلا بسبب إنذار الدفاع المدني لنا والذين أخبرونا أن الساحة نقطة علام لقذائف النظام.

 

ويشير “خبية” بيده إلى ما كان قبل المجزرة في الساحة : هنا منزل صديقه أبو إبراهيم على الجهة اليمينية، وإلى الشرق منه بيت شقيقه، وعلى الجانب الآخر من الساحة منزل سمير الساعور الذي دمر بالكامل، وحتى بقايا الجدران والحجارة تناثرت على المنازل المجاورة لتبقى دليلا على جرائم النظام.

 

ولم يتوقف “خبية” الذي رافقته الكاميرات عن الصراخ وهو يذهب ويجيء بحثاً عن منزله الذي أصبح أثراً بعد عين، إلا عندما تيقن من موقعه، ليبدأ في موجة من البكاء بصمت مريب، بحيث يعتقد الناظر إليه أن الصدمة تكاد توقف قلبه.

 

تفاصيل مروعة

وبينما حاول الجيران والأقارب التخفيف من مصابها وهم يتحدثون عن تدمير منازل الحي بأكمله، أصر محمد سريول أن نصعد معه إلى الطابق الثاني من بقايا مسجد الحي المدمر لرؤية الصورة بكاملها، وعندها بدت تفاصيل الواقع أكثر ترويعاً.

 

فعلى امتداد النظر، تحولت المنازل إلى أكوام من الركام بعضها فوق بعض، بينما المنازل القريبة تعرضت أجزاء منها إلى الانهيار والتدمير، في مشهد مشابه للمناطق التي تضربها الزلازل والكوارث الطبيعية.

غير أن ما حدث ولم يزل يحدث كل يوم في غوطة دمشق من دمار غير مسبوق، كان بيد ما يفترض أنهم بشر – بحسب محمد- لديهم من الإنسانية ما يكفي لإيقاف غرائز العدوان والتدمير ضد بشر مثلهم، لكنه يؤكد أنه في مقابل عقيدة التدمير “الهولوكوستية” التي يتبعها قوات النظام يمتلك السوريون عزيمة البناء والتعمير والصمود في وجه النظام .

 

ثمن المعركة

وعبثاً تحاول بتول الشيخ (52 عاماً) أن تجد وثائق عائلتها الرسمية، لكنها نجحت في العثور على بعض الأغطية والفرش التي جمعتها، لتنقلها إلى مكان لجوئها الجديد بعد هدم منزلها،حيث ستضطر إلى الاستمرار في العيش مع عائلتها في محل صغير لفترة طويلة لا تعلم متى تنتهي، قبل إعادة بناء منزلها المدمر.

 

وبأسلوب فكاهي قالت إنها لا تحمل من الفرحة إلا الاسم، أما حياتها فأقرب إلى الحزن الذي لم يغادرها منذ سنوات، حيث لا يمتلك زوجها مصدر رزق لتوفير لقمة العيش لأبنائه لتضاف إلى عائلتها “مصيبة جديدة بهدم البيت، لا تقل صعوبة عن معاناة العوز والفقر”.

 

ورغم يقينها بأن تدمير منازل المدنيين جزء من ثمن المعركة مع النظام، فإن بتول تبدي شكوكاً كبيرة في إمكانية إعادة إعمار منزلها مع غيرها من أصحاب البيوت المدمرة في وقت قريب.

 

وتساءلت وأجابت في نفس الوقت “لماذا يقصفون كل هذه المنازل المدنية؟ بالتأكيد هم فشلوا في مواجهة الثوار ولم يجدوا أضعف من الناس العزل”.

 

الموت لا زال يلاحق مدنيي غوطة دمشق مع استمرار الغارات الجوية التي قدرها ناشطون ثلاثون غارة يوميا وعشرات الصواريخ، فيخيم الموت على أحياء وبيوت غوطة دمشق، حتى في فترات النوم أحيانا.

 

تروي “وفاء الدالي” بحسرة وحزن شديدين، اللحظات الأخيرة لزوجها مازن الدالي (36 عاما) قبل استشهاده بمجزرة السوق الشعبي بعد إصابته في جسده، خلال بيعه لبعض الخضار في السوق.

 

ورغم محاولاتها المتكررة لإثنائه عن العمل في السوق بسبب استهداف النظام المستمر له، إلا أنه ظل مصرا على العمل ولو بربح قليل لإطعام أطفاله الصغار الثلاثة وزوجته, مخاطرا بحياته, فهو يعلم أن النظام استهدف مرارا السوق نفسه مرة بغارات جوية وبقذائف المدفعية تارة أخرى.

 

وبعد أن علمت بوفاة زوجها الشاب تقول الزوجة المكلومة، إنها عندما شاهدت جسده تتناثر وتسيل منه الدماء، صرخت بأعلى صوتها مصدومة بمنظره.

 

وتروي كيف حُمل الشهيد بسيارة الإسعاف وقد فارق الحياة، لتبدأ هي مرحلة جديدة من حياتها، بعد أن اكتسبت لقب “أرملة” وتحول أبناؤها إلى “أيتام”.

 

أسلحة متطورة ضد المدنيين

قال خبراء في مجال الأسلحة الصاروخية : أن الصواريخ التي وثقتها عدسات كاميرات الناشطين في مجازر الغوطة الأخيرة، هي قنابل تطلق قوة نارية ما بين ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف درجة مئوية، وجهت للمنازل والأشخاص كجزء من أسلوب التدمير الشامل للأحياء الخالية من مقاتلي المعارضة “الثوار”.

 

إضافة إلى قذائف من عيار 160 ملم، وقذائف هاون 120 ملم، إضافة إلى قذائف 57ملم، وصواريخ أرض أرض.

 

أما صاروخ أم كا 84، فيطلق من مقاتلات حربية، علاوة على الصواريخ الموجهة، والبراميل المتفجرة وقنابل الإضاءة وغيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد