لم يؤد سماح أقوياء المنطقة والعالم ( أمريكا وإسرائيل ) لايران وتوابعها في المنطقة ( حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية الأخرى خصوصا من العراق وأفغانستان ) بالتدخل العسكري المباشر في الحرب الدائرة في سوريا بين نظام الحكم والثورة التي تحولت إلى مسلحة مع نهاية العام 2011م، إلى ما كان يؤمل منه، أي: إلى إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل انطلاق الثورة والإجهاز بالتالي على جوهر الثورة ومطلبها الأساس: التخلص من نظام الحكم الديكتاتوري وأساسه الطائفي الجاثم على صدور السوريين لمدة تزيد عن الأربعة عقود.

 

 

لكن وبما أن جوهر الموقف الإسرائيلي والأمريكي الداعم لنظام الأسد والمانع لسقوطه إلى هذه اللحظة، ينبع من حقيقة الدور المنوط بهذا النظام لجهة مساهمته الفاعلة في خدمة الأمن القومي لإسرائيل بموجب ترتيبات وتحالفات تاريخية عقدتها إسرائيل مع العلويين في سوريا قضت بإنشاء دولة علوية في سوريا متخفية تحت عباءة الدولة الوطنية السورية إضافة لانخراط النظام في خدمة السياسات الخارجية للولايات المتحدة الامريكية شأنه في ذلك شأن بقية الأنظمة الحاكمة في المنطقة ، فقد رأى الأقوياء أنه لا مناص من السير بشكل متواز في مسارين لا ثالث لهما.

 

 

الأول العمل على إعادة فرض سيطرة نظام الأسد على الأوضاع في سوريا عبر حل سياسي يقلص مطالب الشارع ويحجمها من إسقاط النظام إلى إجراء إصلاحات سياسية ودستورية عليه وجعله أكثر تمثيل ( نظريا ) لشرائح أوسع من السوريين

علما أن أول من تحدث عن هذا المسار ودعا إليه هو إسرائيل نفسها وذلك على لسان وزير دفاعها السابق يهودا باراك أثناء زيارة له إلى واشنطن في نهاية العام 2011م حيث شدد على أن بلاده تؤيد الإبقاء على مؤسسات الجيش والأمن وحزب البعث في سوريا دون الإشارة إلى مستقبل رئيس النظام بشار الأسد الذي من الواضح أن إزاحته من المشهد ستمثل العرض الأكثر إثارة وجماهيرية وإرضاء للسوريين على غرار إزاحة الرئيس المصري السابق حسني مبارك حيث جوهر اللعبة هو ذاته : ازاحة الرمز وإبقاء النظام .

 

 

لكن المسار الثاني الذي تسير عليه أمريكا وإسرائيل في التعامل مع الحرب في سوريا يبدو هو الأخطر والأكثر إثارة وهو المسار البديل الذي سيفضي إلى ما بات يطلق عليه مصطلح “سوريا المفيدة ” وسوريا المفيدة هذه هي اختصار جغرافي وسكاني لسوريا الحالية، اختصار يضمن تركيز نظام الأسد وسيطرته في مناطق تمتد من محافظتي اللاذقية وطرطوس وأجزاء من محافظة حماة في الشمال الغربي إلى مدينة حمص وريفها الغربي والجنوبي في الوسط مرورا في منطقة القلمون الغربي والعاصمة دمشق ومحيطها في كافة اتجاهاته وصولا إلى المناطق المحاذية لإسرائيل في محافظتي القنيطرة ودرعا في الجنوب إضافة إلى محافظة السويداء ذات الاغلبية الدرزية.

 

 

من هنا يلاحظ تركيز النظام والجهات الأجنبية الطائفية التي تقاتل معه على الأرض على محاولة تركيز سيطرتهم العسكرية ضمن هذه المساحة الجغرافية ومحاولة  إخلائها من مقاتلي المعارضة وجيوب سيطرتهم فيها، إن بالحرب أو بالتفاوض كما حصل في مدينة القصير في محافظة حمص في منتصف العام 2013م ولاحقا في مدينة حمص نفسها في العام 2014م  وصولا إلى معارك القلمون وريف دمشق الغربي المستمرة فضلا عن الغوطتين الشرقية والغربية لدمشق.

 

 

إن النظر إلى خارطة ” سوريا المفيدة ” هذه يشير إلى حقائق معينة من أهمها: أن هذه ” الدولة الجديدة قيد الإنشاء ” هي مناطق حدودية ملاصقة أو قريبة من الحدود مع لبنان حيث السيطرة هناك لتحالف أقليات بزعامة الشيعة الموالين لإيران ، كما أن ” سوريا المفيدة ” تمتد وبشكل مقصود إلى الحدود مع إسرائيل لتشكل لاحقا منطقة فاصلة بين إسرائيل وبقية انحاء سوريا الحالية والتي ستبقى خارج سيطرة نظام الأسد وفيها تتركز سيطرة القوى السنية التي وبسبب عوامل الانقسام والولاء للخارج والتنافس أو التناحر المحلي والخضوع لهجمات جوية من أمريكا والحلفاء ، ستبقى عاجزة عن التوحد وتشكيل كيان قوي من الممكن أن يشكل تحديا وجوديا ” لسوريا المفيدة ” ومن خلفها اسرائيل.

 

 

ولعل أخطر ما في قصة ” سوريا المفيدة ” هذه هو نظرة المخططين لها من حيث تركيبتها السكانية التي يجب أن يطغى عليها طابع الأقليات المذهبية ويختفي منها هاجس الأغلبية السنية، وفي هذا الإطار يمكن أن نفهم سعي النظام وإيران إلى محاولة إنهاء الحرب في مدينة الزبداني السنية وقريتي كفريا والفوعة الشيعيتين في الشمال عبر تبادل سكاني طائفي ومذهبي بين المنطقتين ، كما يمكن فهم عزم النظام على تهجير سكان حي المزة غرب دمشق السنة بحجة إعادة تخطيط وإعمار الحي فيما الهدف هو إعادة تشكيل تركيبته السكانية بشكل طائفي .

 

 

بل إن الغارات والهجمات الجوية المتوحشة لنظام الأسد ضد المدنيين في بلدات ومدن الغوطة الشرقية والمسكوت عنها دوليا المطلوب منها على الأرجح تنفيذ مخطط إبعاد السكان السنة وتهجيرهم إلى خارج ” سوريا المفيدة “.

 

 

من هنا لنا أن نفهم لماذا أطلقوا على دويلتهم التي يعملون على إقامتها على أنقاض سوريا الحالية صفة ” سوريا المفيدة ” ولنا بالتالي أن نفهم لمن هي حقا مفيدة.

 

 

فقد أوضحت الثورة السورية أن خارطة الشرق الأوسط يمكن وببساطة إعادة رسمها وتشكيلها بما في ذلك التركيبة السكانية فيما لو تطلبت المصلحة الأمنية والوجودية لإسرائيل ذلك خاصة وأن هناك سابقة لمثل هذا التغيير حدثت قبل سبعة وستين عاما، ففي ذلك الوقت جرى وعن طريق الحرب والعنف والمجازر والتهجير والخذلان تغيير الخريطة الديمغرافية والسكانية في فلسطين لمصلحة اليهود الذين أقاموا أخيرا دولتهم هناك على حساب أغلبية السكان السنة الذين تحولوا إلى لاجئين ومهجرين في دول الجوار والعالم أو إلى مواطنين في بلادهم، ولكن تحت الظلم والقهر والاحتلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد