مع بداية شهر سبتمبر/ أيلول من العام 2015 بدأت روسيا بتعزيز وجودها العسكري في سورية، حيث قامت بإرسال حوالي 43 طائرة سوخوي متعددة الطرازات إضافة إلى 15 طائرة مروحية من طراز مي-24 وعدد محدود من المدافع وناقلات الجند، بالإضافة إلى دبابات تي-90 المتطورة وعدد من منظومات الدفاع الجوي إس-400 وأكثر من 1500 جندي وضابط روسي.

بتاريخ 30 سبتمبر/ أيلول من نفس العام ينعقد مجلس الدوما (البرلمان) الروسي، لمناقشة طلب الرئيس الروسي بوتين السماح بنشر قوات روسية في سورية، وذلك بناء على ما قيل إنه طلب من الرئيس السوري بشار الأسد، حيث وافق المجلس بالإجماع على طلب بوتين، الذي أعطى أوامره على الفور ببدء تدخل عسكري جوي استمر لمدة 165 يومًا قامت خلالها الطائرات الروسية بتنفيذ أكثر من 9000 غارة جوية أي بمعدل 55 غارة في اليوم, وهو ما فاق بمراحل غارات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تشن غارات بمعدل يتراوح ما بين 10 – 25 غارة في اليوم تتركز معظمها على مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية في كل من سورية والعراق.

المثير للسخرية هو أن تبدأ روسيا غاراتها الجوية في نفس اليوم الذي يوافق فيه برلمانها على طلب نشر القوات، لكن الحقيقة هي أن الطيران الروسي كان قد بدأ غاراته الفعلية يوم 22 من نفس الشهر، لكن المثير للجدل هو أن تفتتح روسيا تدخلها الجوي الرسمي في سورية بسلسلة غارات على مواقع للجيش الحر في ريفي حلب وحمص، بينما كان المسؤولون الروس يؤكدون على أن الغارات استهدفت مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية. الأكثر إيلامًا هو أن الطيران الروسي لم يوفر حتى المشافي والأسواق والمخابز والمدارس، لا بل ركز عليها فارتكب سلسلة غارات ذهب ضحيتها آلاف المدنيين وأخرجت عددًا من المشافي الرئيسية من الخدمة.

بتاريخ 22 فبراير من العام 2016 واستنادًا إلى القرار الأممي 2254 يتوصل وزيرا خارجية الولايات المتحدة وروسيا إلى تفاهم وقف لإطلاق النار، حيث تم الطلب من نظام الأسد والمعارضة الموافقة عليه والالتزام به، ليدخل حيز التنفيذ بتاريخ 27 من نفس الشهر، على أن يتم تخفيف الحصار عن المناطق المحاصرة والسماح بإدخال مساعدات إغاثية للمناطق المحتاجة والمحاصرة، وهو ما لم ينفذ إلا جزئيًّا وذرًّا للرماد في العيون، مدة الاتفاق المبدئي الذي سمي «وقف الأعمال العدائية» حددت بثلاثة أسابيع يتم خلالها قياس مدى التزام أطراف النزاع بالهدنة، يصار بعدها إلى دراسة إمكانية فرض اتفاق نهائي من عدمه. (تم خرق الاتفاق أكثر من 500 مرة).

اتفاق وقف إطلاق النار ترافق مع زخم سياسي دفع باتجاه عقد جولة جديدة من محادثات جنيف، قررها دي ميستورا وحدد موعدها وشروطها بتاريخ 14 مارس/ آذار وبمن حضر، ليتوجه وفدا المعارضة ونظام الأسد قبل يوم واحد من موعد انطلاقها فيتبادلان سلسلة من التصريحات العنترية والبهلوانية، التي ختمها الثعلب دي ميستورا بما معناه «من الطبيعي أن نسمع تصريحات كثيرة لكن المهم هو ما يحدث في المفاوضات وليس التصريحات».

وكأن دي ميستورا كان يخفي شيئًا ما، قال جملته وانصرف ليتفاجأ العالم مساء يوم الاثنين الرابع عشر من هذا الشهر بقرار روسي لم يكن بالحسبان، ويقضي بسحب القوات القتالية الرئيسية من سورية، وهو ما أدخل الجميع في متاهة الحسابات وتعقيدات القضية السورية المعقدة أصلا والمفتوحة على كافة الاحتمالات، فما هي الأسباب التي دعت بوتين لاتخاذ قرار كهذا فاجأنا، لكنه وبكل تأكيد لم يكن وليد لحظته بالنسبة للروس الذين أظهرت صور تفكيك ونقل معداتهم وأسلحتهم أن القرار لم يتخذ بين ليلة وضحاها.

بداية روسيا كانت أعلنت أن تدخلها العسكري في سورية سيكون محدودًا ولمدة تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر، اليوم مضى على هذا التدخل خمسة أشهر ونصف أي ضعف المدة التي حددتها روسيا لتدخلها العسكري، روسيا تقول إن تدخلها العسكري قد حقق معظم أهدافه، فهل هذا صحيح؟

فعليًّا نعم، روسيا حققت معظم أهدافها من التدخل العسكري، حيث يمكن إجماله بعدة نقاط أهمها:

أولًا: لقد كان الهدف الرئيسي من التدخل الروسي حماية نظام الأسد من السقوط، وإضعاف جميع أعدائه وإجبارهم على الجلوس إلى مائدة الحوار والمفاوضات، والقبول بالتسوية القاضية بتشارك الحكم مع النظام سواء بوجود الأسد أو بدونه، مع اختبار إمكانية فرض بقائه على المعارضة وإن لفترة انتقالية مدتها سنة ونصف على أقل تقدير، وهو ما يحدث الآن، حيث يجلس الجميع إلى طاولة الحوار يناقشون تسوية سياسية يتشاركون بموجبها الحكم في حين أن فصائل المعارضة المسلحة قد تتوصل إلى تشكيل جسم عسكري موحد يصار إلى دمجه مع جيش النظام وصولًا إلى محاربة التنظيمات المصنفة إرهابية.

ثانيًا: استطاعت روسيا إضعاف الجيش الحر في شمال سورية وعزلت تركيا عن معظم الشمال السوري، ومكنت وحدات الحماية من بسط سيطرتها ونفوذها على مناطق شاسعة تمتد من شرق سورية إلى غربها، ثم نجحت في فرض الكرد سياسيًّا من خلال إيجاد شركاء جدد أهمهم تيار أحمد الجربا الجديد «سوريا الغد» ذو الخلطة العجيبة الذي غلبت عليه العشائرية والذي تم الإعلان عنه بتاريخ الحادي عشر من هذا الشهر في مصر برعاية روسية عربية.

ثالثًا: التدخل الروسي ساهم في تثبيت مواقع النظام في محافظة درعا، بل واستعادتها السيطرة على مواقع مهمة كمدينة الشيخ مسكين وهو ما أبعد الخطر كثيرًا عن دمشق وريفها وسمح له باستمرار محاصرة مناطق كداريا، وفصلها عن معظمية الشام، وهو ما يمكن اعتباره انتكاسة كبيرة للجيش الحر في محافظة درعا.

رابعًا: التدخل الروسي أسهم وإلى حد بعيد في تحجيم الدور الإيراني الذي استفرد بالقرار السوري منذ نهايات العام 2012 وهو ما لاقى استحسانًا حتى لدى الحاضنة الشعبية لنظام الأسد ومريديه، حيث ترجم الانزعاج الإيراني من التهميش الروسي لإيران على شكل تقارب إيراني مع تركيا، إضافة إلى تصريحات للرئيس الإيراني روحاني مؤداها عدم رضا إيران عن جميع القرارات التي تتخذها روسيا في سورية.

خامسًا: الغارات الروسية أسهمت وإلى حد بعيد في إضعاف تنظيم الدولة الإسلامية في شمال، وشمال شرق سورية، وغاراتها لم توفر أحدًا ومن يقول بغير هذا فهو واهم أو غير مطلع على حقيقة ما يجري، فالتدخل الروسي كان لإضعاف جميع أعداء الأسد وإعادتهم إلى المربع الأول، وإيجاد نوع من التوازن العسكري في ميزان القوى بين جميع الأطراف بحيث لا يسمح لأي منها بتحقيق انتصار نوعي يقلب المعادلة.

لماذا قرر بوتين الانسحاب من سورية؟

إذا ما فهمنا حقيقة أن روسيا قد حققت فعلًا معظم أهداف حملتها العسكرية على سورية وإن بضعف المدة المقررة، فإن الأمر سيصبح أكثر وضوحًا، ولن يحتاج منا إلا إلى قراءة بعض جوانبه التي يمكن إجمالها بعدة أهداف جيوستراتيجية عملت روسيا على تحقيقها فنجحت في أشياء وفشلت في أشياء أخرى.

الاقتصاد الروسي لا يسمح بتحمل تبعات حرب طويلة الأمد على غرار حرب الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وانخفاض أسعار النفط أضر كثيرًا بالاقتصاد الروسي، وربما تكون روسيا قد أدركت حقيقة الفخ المنصوب لها في سورية وأنها ومع مرور الوقت تغوص أكثر فأكثر في المستنقع السوري.

مصدر القلق الروسي هذا يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية هي:

الأول: بوادر أمريكية على مد الحبل لروسيا كي تغوص أكثر في المنطقة وصولًا إلى استنزافها.

الثاني: بروز تحالف إسلامي عربي عسكري تقوده السعودية وتعلم روسيا علم اليقين أنه في وارد التحضير للرد على الطعنة الروسية التي مكنت لوحدات الحماية الكردية في شمال حلب.

الثالث: تقارب تركيا وإيران اللتيْن تضررتا من التدخل الروسي بطريقة أو بأخرى وبات من مصلحتهما إثارة المشاكل لروسيا.

هذه العوامل الثلاثة إضافة للكلفة الاقتصادية العالية لطول أمد التورط في سورية، وقبول روسيا بما تحقق من أهداف الحملة الروسية، هو ما يمكن أن يكون قد دفع بوتين للقبول بتسوية ما عرضت عليه، وما ارتفاع أسعار النفط خلال الأسابيع الثلاثة الماضية إلى ما فوق 40 دولارًا للبرميل إلا مؤشر على إنجاز صفقة ما مع روسيا، التي بدأت عملتها وبورصتها بالتعافي بعد ارتفاع أسعار النفط وقرار سحب القوات القتالية الرئيسية من سورية.

قرار الانسحاب ربما يكون جزءًا من المقايضة على قرار التدخل العسكري البري الذي طالبت به السعودية، ورفضته كل من روسيا وإيران ونظام الأسد، ليتم بعدها تسريب معلومات حول تزويد السعودية وتركيا للجيش الحر بصواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف، حيث تم إسقاط طائرة حربية لنظام الأسد قبل أيام في ريف حماة، قيل حينها إنها قد أسقطت بصاروخ حراري موجه.

إفساح المجال أمام الحرب البرية على تنظيم الدولة الإسلامية

من ناحية أخرى علينا أن ننتظر قليلًا لنعرف ما الذي جرى طبخه في دهاليز السياسة وغرفها المغلقة، إذ ربما يكون الانسحاب ممهدًا لتدخل عسكري بري للتحالف الإسلامي بمشاركة واسعة من الجيش الحر ضد تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة الرقة، وبالتوازي مع هجوم بري آخر يتم التحضير لشنه على مدينة الموصل في العراق, فروسيا وبمساعدة وحدات الحماية الكردية أنهكت الجيش الحر في شمال سورية، وتعتقد أنه ربما قد آن الأوان لتصفية ما تبقى منه في حرب مهلكة ضد تنظيم الدولة ورافضي الحل السياسي في سورية، وذلك في إطار تدخل عسكري إسلامي كان مرفوضًا فقط قبل عدة أسابيع.

أخطر إنجازات التدخل

روسيا ومن خلال تدخلها المنسق أمريكيًّا في سورية استطاعت إضعاف الجيش الحر وزرعت بذرة مشروع تقسيم سورية، وبطريقة يمكن البناء عليها مستقبلًا، فهي من جهة جعلت من الكانتون الكردي حقيقة شبه واقعة وإن إلى حين، وهي كذلك ومن خلال قواعدها في اللاذقية وطرطوس استطاعت تأمين وجود مشروع مستقبلي لدويلة علوية، ستكون ورقة ضغط يمكن لكافة الأطراف الدولية اللعب بها للضغط باتجاه فرض التسوية السياسية التي يرونها مناسبة.

مناورة روسية

القرار الروسي جاء في وقت مفصلي وهام، وفي ذروة انعقاد مفاوضات جنيف، وهو أولًا وأخيرًا قرار يصب في مصلحة روسيا لأنه يعطيها هامشًا من المناورة وحرية الحركة، إضافة إلى إعادة التموضع وفقًا لتطور الأحداث على الأرض، وهي بكل تأكيد لن تتوقف عن شن الغارات الجوية بل وستشارك بفعالية في أي معارك مقبلة خاصة ضد تنظيم الدولة ورافضي الحل السياسي.

من ناحية أخرى فإن من السذاجة اعتبار القرار الروسي تعبيرًا عن انزعاج من تصريحات وليد المعلم الذي اعتبر أن الأسد خط أحمر، فالجميع يعلم أن الأسد اليوم ليس سوى بيدق على رقعة الشطرنج التي يسيطر عليها الكبار، الذين لو أراد أي منهم التخلص منه لفعل خلال ساعات لا أكثر.

ختامًا، علينا أن نعرف بالضبط ما هي الأسلحة والمعدات التي قررت روسيا سحبها، فقرار كهذا وبكل تأكيد يعني أننا أمام تسوية بات إنجازها قاب قوسين أو أدنى وهي حتمًا ستقضي بتنحي الأسد وربما عاجلًا غير آجل، لكن هذا لا يعني أننا أمام حل للأزمة السورية فربما نكون مقبلين على مرحلة أشد دموية من سابقتها، لذلك علينا عدم الانجراف خلف الرواية الروسية فقد علمتنا الأحداث ألا نثق حتى بما تقوله الديمقراطيات، فكيف بما يقوله المستبدون والقياصرة ومحترفو الكذب وتزييف الحقائق أمثال بوتين الذي لم يكن ليحكم روسيا كل هذا الوقت لولا خبرته الاستخباراتية التي مكنته من تصفية خصومه السياسيين، وإبادة عشرات ألوف الشيشانيين والسوريين وحتى الأوكرانيين الروس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سورية
عرض التعليقات
تحميل المزيد