لدى الصهيوني حاييم وايزمان مقولة شهيرة هي «أن معجزة إسرائيل الحقيقية هي أن يهودا تمكنوا من أن يصبحوا جنودًا» ومعجزة سوريا العربية أن حفنة من العلويين أمسكوا بمقدّرات الدولة السورية العسكرية منها والسياسية والاقتصادية وجعلوا الأغلبية السنّية تابعة لهم، لا يمكن لأي باحث في الشأن السوري المأزوم أو السلمي أن يستثني الصدام الصامت أو العلني للمكونات الطائفية أو الإثنية للشعب السوري، فالعقد الاجتماعي بين القائد الانقلابي ووريثه والشعب السوري ولد ميّتًا من أساسه.

ربّما يقول كثير من المتتبعين لقضية الثورة السورية بأن الشعب السوري نادم على خروجه في درعا بادئ الأمر، طبعًا لا فالشعب السوري أشرف من أن يقول هذا، وحتى الشرفاء من العرب المسلمين عليهم ألا يرددوا هذه الفرضية مطلقًا لأنه وعلى الرغم من الخسائر الجسام فلا بّد أن يرحل الأسد ونظامه، مرارة السجون الأسدية في عهد حافظ أو بشّار ذاقها السوريون وبشّدة ويعلمون جحيمها فالخارج منها كالمولود من جديد، فالذي  ينهل من صفحات مذّكرات المعتقلين في السجون الأسدية في عهد حافظ الأسد يجدهم يختلفون في الاسم والديانة والبلد فقط، فصاحب كتاب «تدمر شاهد ومشهود – محمد سليم حماد» أردني الجنسية، وصاحب رواية القوقعة – يوميات متلصص سوري مسيحي، وهبة دباغ خمس دقائق فحسب تسع سنوات في سجون سورية أنثى سورية، كل هذه الشهادات وغيرها تصبُّ في خانة الجرائم ضدّ الإنسانية.

دخلت الثورة السورية عامها الخامس منذ ما يربو على الشهر بدخول تغييرات على الأرض كبيرة أكبرها مئات الآلاف التي سقطت والملايين التي هجّرت، وحجم الدمار الهائل الذي ألمّ بالمدن الثائرة على نظام بشار الأسد، فالمجازر أصبحت يومية حتى في ظل الهدنة التي يتخذّها النظام ذريعة دومًا للتمدّد على حساب الثوار السوريين، والمدن الكبرى المحاصرة تتعرّض لقصف شديد وعشوائي يستهدف القضاء على كل ما تبقى من البشر الأحياء وهدم البنى التحتية والمدنية.

إن حجم الدمار الرهيب الذي حلّ بالمحافظات السورية المنتفضة بفعل البراميل المتفجّرة الملقاة جوًّا، أو بفعل التدخّل الروسي السافر الذي رجّح كفّة نظام بشار الأسد في مناطق عدّة، أو حتّى نتيجة القصف الذي يشنّه الثوّار على جبهات الجيش السوري وحلفائه من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني وبقية الميليشيات الشيعية التابعة له؛ كل هؤلاء  جعلوا من سوريا دولة أشبه بأوروبا في زمن الحربين العالميتين.

يجب أن نضع النقاط فوق الحروف عن المسؤول الأول عن ما يحدث في سوريا، أليس هو النظام الدكتاتوري الطائفي  ومن دار في فلكه من حلفاء دوليين وإقليميين علنيين ومستترين؟ أم الإرهابيون كما يسمّيهم النظام وحلفاؤه؟

إن جميع المتدخّلين في سوريا يعلمون يقينًا أن الحراك الاجتماعي الذي ارتقى فيما بعد إلى ثورة بدأ في 15 مارس2011 خرج سلميًا مطالبًا بحقوق سياسية واجتماعية من قبيل المطالبة بنظام برلماني حقيقي وانتخابات حرّة وحق التظاهر السلمي، إلا أن الرّد الوحشي لقوات الجيش والأجهزة الأمنية السورية رفع من مطالب المتظاهرين إلى المطالبة برحيل النظام.

بدأ العمل العسكري المعارض حتى أكتوبر 2011 حين نفّذت عناصر من الجيش السوري الحّر هجومًا على قاعدة حرستا الجوّية قرب دمشق، ردًّا على المجازر التي يرتكبها النظام بحق المدنيين العزّل، إلا أن التحركات الدولية والإقليمية ودون الإقليمية التي حاولت منذ البداية التأثير في مجريات الصراع الدائر قد غيّرت من العديد من المجريات على الساحة السياسية الخارجية أو العسكرية الداخلية على الأرض.

لقد كان الصقر المحافظي الجديد «بول وولفوييتز» يردّد قبل الغزو الأمريكي للعراق بأن «الطريق إلى السلام في الشرق الأوسط تمرّ ببغداد»، والتاريخ يعيد نفسه فالحلفاء الأوثق لبشار الأسد كإيران وحزب لله اللبناني دائمًا ما يردّدون مقولة وولفوييتز لكن بصبغة ديماغوجية من قبيل  الطريق إلى القدس تمرّ عبر مضايا والزبداني والقلمون والقصير، وغيرها من المدن السورية التي سوّيت بالأرض.

إن الحرب الدائرة في سوريا هي محاولة يائسة لكنها طموحة لتثبيت الركائز الجيوبوليتيكية للهلال الشيعي الممتدّ من جبل عامر في لبنان حتى إقليم هيرات ومزار شريف في أفغانستان، على جماجم السوريين بمباركة أمريكية روسية وصمت أوروبي عن الجرائم المرتكبة بحق السوريين، فالمتحفّز الإستراتيجي الإيراني فرض نفسه على طاولة الأقوياء على عكس العرب الذين افتقدوا رؤية إستراتيجية أو حتى تكتيكية موحّدة  في ظل سيطرة أصحاب الفكر الأبيقوري على صنع القرار الخليجي، وصداع رأسي مصري، وانحياز جزائري واضح لجبهة الأسد في محاربته للإرهابيين بحسب الرواية الرسمية، تضارب المقاربات هو الذي عزّز من بقاء الأسد وحلفائه وداعش على حساب الشعب السوري.

الذين يتّهمون المعارضة السورية بممارسة الإرهاب هم واهمون، فالعالم يعلم من يمتلك الطائرات والمروحيات التي تسقط البراميل المتفجّرة والألغام البحرية، هذا وإن دلّ فإنما يدلّ على استنفاد الجيش السوري للصواريخ والقذائف الحربية المعهودة عند كامل الدول، مَن قصف السوريين بغاز السارين في أغسطس (آب) 2013  والكلورين في أبريل (نيسان) 2014؟ من قصف السوريين في حمص؟ حلب؟ درعا البلد… إلخ، من نكّل بالأسرى وعذّبهم في السجون؟ من أعلن أن الحرب في سوريا هي ضدّ الكفار؟ من فجّر المساجد؟ من ومن ومن ومن؟

لن نستطيع فهم طول الثورة السورية طالما لم نفهم طبيعة التحالفات الدولية والإقليمية وتشابكها، فكما يقول ريز إرليخ  Erlich Reeseفي كتابه داخل سوريا Syria Inside  بأن «إدارة أوباما شجبت أعمال الأسد القمعية، غير أنها لم تقم بأي شيء أكثر من ذلك. فتمامًا كالإسرائيليين، يفضل الأمريكيون التعامل مع «الشيطان الذي يعرفونه». فقد خشيت الولايات المتحدة من أن يصل الإسلاميون المتطرفون إلى السلطة في سوريا». هنا ينتهي قول ريز، فحتى الذين درّبتهم في الأردن ممن يحسبون على التيّارات المعتدلة حسبها وخسرت مئات ملايين الدولارات لتسليحهم قدّموا في الأخير أسلحتهم إلى جبهة النصرة والحركات المسلّحة المعارضة الأخرى مقابل السماح لهم بمرور آمن، كما أشارت التقارير الأمريكية.

أما الرّوس فإنهم غارقون حتى آذانهم في المستنقع السوري طالما أنهم اضطروا إلى إحراق آخر أوراقهم وهي التدخّل العسكري الذي بدؤوه في 30 سبتمبر 2015 فلا هم انسحبوا وخرجوا من دائرة التحالفات مع نظام الأسد، ولا هم ثبتوا النظام في سوريا وقضوا على الثوّار فيها، فكلّ ما فعلوه هو توسيع رقعة سيطرة النظام على البلدات والمدن السورية لخلق سوريا المفيدة مستقبلًا إن اقتضى الأمر ذلك.

أما الإيرانيون فهم أشدّ الحلفاء حرصًا على بقاء الأسد ولن يقبلوا بالمكاسب الصفرية أبدًا ما داموا قادرين على دعم الأسد، فانهياره يعني نهاية اللعبة صفريًّا وانهيار تخطيط ما يقارب الأربعين سنة من التخطيط والتوسّع على حساب الآخرين، وما كلّف من أموال وأرواح منذ الحرب العراقية الإيرانية وصولًا إلى النعوش التي تشحن بشكل دوري إلى طهران لمقاتلين من الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية التابعة له على رأسهم جنرالات كبار، فانهيار النظام الأسدي يعني تحوّلًا إستراتيجيًا سيعجّل من انفراط عقد المسبحة الإيرانية في المنطقة.

لن تنتصر سوريا على نظام الأسد طالما أن سوريا مفككة، لن تنتصر سوريا طالما أنها تعتمد على العرب المشرذمين الذين يعيشون عقودًا من الذّل والهوان ولم تتوحّد كلمتهم بعد، لن تنتصر سوريا طالما هي تراهن على المنظمات الدولية والإقليمية، لن تنتصر سوريا طالما اعتمدت على نفاق الغرب الذي أبكى العالم قسرًا لمقتل أربعة صحفيين ويصمّ أذنيه ويغلق عينيه على المئات الذين يقتلون كل يوم في سوريا وما حواليها، على سوريا أن تنتصر وحدها وبسواعد أبنائها لأن أي حليف يملي شروطًا له أو من ينوب عنهم في المنطقة، وهذا يعني البقاء في دوائر نفوذ خارجية بشكل حتمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد