لا شك أن التدّخل الرّوسي في سوريا من خلال الضّربات الجوّية لكثير من المناطق في البلاد قد عقّد الأزمة أكثر فأكثر، وجعل الوصول إلى حل لها شبه مستحيل، ولا يختلف اثنان أن هذا التدّخل، وبهذا الحجم، يعتبر نقطة تحوّل كبيرة، وما بعدها لا يشبه ما قبلها، وهذا يأتي بعد الفشل الذّريع للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في القضاء على تنظيم “داعش”.

ولا شك أيضا أن هذا التدّخل ستكون له سلبيّات كثيرة وعواقب وخيمة على حاضر ومستقبل الأزمة السورية، وطبعا سيتحمّل المدنيون النّسبة الأكبر من تكاليفها الباهضة.

لكن، هل سيكون التدّخل كله سلبيّات؟ طبعا لا، فيمكننا الحديث كذلك عن إيجابيات كثيرة، إذا استطاعت المعارضة السياسية والعسكرية السورية بأشكالها استغلال هذا التحوّل الجديد في الأزمة لصالحها.

وأوّل إيجابية يمكننا ذكرها، هو ازدياد نسبة تعاطف شعوب العالم مع قضية الشعب السوري، بعدما ترك وحده ومصيره، يعاني من القتل والتشرّد داخل البلاد وخارجها في مناطق كثيرة، وفي أكبر عملية لجوء منذ الحرب العالمية الثانية، ويُنتظر ـ حينما تتورط موسكو في الأزمة بشكل جيد ـ أن تبدأ الماكينة الإعلامية الغربية في تجييش الرأي العالمي للخروج بمسيرات مليونية في عواصم الدول الكبرى داعمة الشعب السوري ومنددة بالتدخل الروسي.

من جانب آخر سيلتف الشعب السوري أكثر حول المعارضة بعدما سئم من الوضع القائم وطول أمد الأزمة بالإضافة إلى تصرفات بعض الجماعات المسلحة التي استفردت بعدة مناطق وحكمتها باستعمال التهديد والوعيد وقوة السلاح.

يمكننا أيضا الحديث عن إيجابية استراتيجية وهي أن التدّخل الرّوسي سيفرض على المعارضة بمختلف توجهاتها التّفكير بشكل جدّي التوحّد في تشكيلات أقوى لمواجهة ما يسمّونه العدوان على بلادهم، وهذا التوحد سيفرض كذلك على الدول الفاعلة والداعمة لها أن تزيد ـ وربما ـ أن تضاعف من دعمها اللوجستي والتنسيق الاستخباراتي لتقليل الخسائر في صفوفها وحمايتها من الضربات الجوية الروسيّة.

في مقبل الأيام ربما سنشهد أيضا دخول أسلحة جديدة ومتطورة لصالح المعارضة خاصة المضادات الجوّية؛ وذلك لمجابهة الطائرات الروسية المتطورة، حيث ستكون الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة الدول التي تعمل على تكثيف عمليات التسليح المعلنة وغير المعلنة، ففي النهاية هي فرصة لواشنطن لكسر غرور موسكو الذي تعاظم منذ قدوم الرئيس فلاديمير بوتين إلى الحُكم، أما بالنسبة لأوروبا، فستدشن جولة جديدة من المعركة التاريخية بين موسكو والغرب، لكن هذه المرة ستكون على الأراضي السورية وليس الأوكرانية.

العامل النفسي مهم جدا في مثل هذه الأزمات خاصة التي يطول أمدها، فيصبح كل طرف يضغط ليؤثر نفسيا على الطرف الآخر، والتدخل الروسي بهذا الشكل والحجم أعطى دفعا قويا للمعارضة في هذا الجانب من الحرب النفسية، فدخول موسكو على خط الصراع ميدانيا ـ بعد دعمها السياسي والدبلوماسي ـ أكد فشل إيران وحزب الله اللبناني في إحداث تغيير يذكر على المعادلة القائمة على الأرض.

فبدلا من ذلك أصبحت طهران تقوم بدور المُفاوض بعدما حُشرت في الزاوية بعدة مناطق، وهذا ما انعكس سلبا على مؤيدي الحكومة السورية؛ فبعدما ارتفعت معنوياتهم بالتدخل الميداني لإيران وحزب الله، ها هم اليوم يتساءلون، وعلامات استفهام كبيرة بادية على وجوههم عن حقيقة الوضع في التحالف القديم، وفحوى هذا التحول المفاجئ باستدعاء روسيا من أجل دعم الداعمين، وليس للقضاء على الجماعات المسلحة، وإنما فقط لإيقاف زحفها نحو الساحل السوري.

أخيرا وليس آخرا، سيكون الشعب السوري ـ مؤيدوه ومعارضوه ـ على موعد مع الحقيقة حينما تتكشف معالم اصطفاف الدول خاصة العربية منها والفاعلة في الأزمة السورية منذ بدايتها.

هي إذا بعض الإيجابيات التي ستحرك المياه الراكدة لأزمة شغلت الدنيا وحيرت أولي الألباب، لكن تبقى سلبيات التدخل الروسي عسكريا في سوريا أكثر وأكبر، خاصة وأن القصف لم يستهدف فقط المناطق التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” كما أعلنت موسكو عند بدء ضرباتها الجوية، بل حتى المناطق التي تقع في قبضة الجماعات المقاتلة المعتدلة، وكأنه أمرٌ دُبـّر بليل.. يقول السوريون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد