على عكس ما يشيع مناصرو النظام السوري، الوضع الاقتصادي في سوريا ما قبل الحرب كان أكثر من متواضع؛ فقبل بدء شرارة الثورة، وتحديدًا في العام 2009، كانت تبلغ الإيرادات الاقتصادية 600 مليار ليرة سورية، أغلبها من النفط والضرائب؛ مما يعني أن الاقتصاد السوري كان يعتمد بشكل كبير على النفط، ويتأثر بشكل مباشر بسعره، وغير مستقر، ويشبه بشكل كبير تاريخ سوريا السياسي.

أتت الأزمة وأتت معها بشكل طبيعي مشاكل اقتصادية أخرى: ارتفاع بنسبة البطالة، خسائر في القطاع المصرفي وأزمات في العملة الوطنية، على الرغم من أن الحرب السورية لا تظهر أية علامات حل قريب، لكن إن انتهت يومًا ما، (آملين قريبًا) ستواجه سوريا مصاعب اقتصادية كبيرة تكاد تضاهي المشاكل الحالية وأكثر.

ولمحاولة تصوير الحالة الاقتصادية المتوقعة في المستقبل السوري علينا ربما الإجابة على أسئلة مهمة تؤثر على اقتصاد البلد ومنها: هل من الممكن أن تتغير جغرافية الدولة السورية؟ ما هو شكل الدولة السورية القادمة؟ من سينتصر في هذه لحرب ولأية جهة خارجية تابع؟ كيف ستنتهي الأزمة؟ ما هو مستقبل الدولة الإسلامية في العراق والشام في المنطقة؟ وعلامات استفهام عديدة ومتنوعة تكاد لا تنتهي والسؤال الاقتصادي الأهم، هل ممكن لهذا الاقتصاد أن ينهض من جديد؟ وما هي عوامل نهوض هذا الاقتصاد؟

عامل النهوض الأول هو إعادة اعمار البلد، وسيشكل بكل تأكيد عبئًا ماليًا ضخمًا ولكن ركيزة أساسية لمستقبل الدولة. إعادة الإعمار هي مرحلة ستستغرق عشرات السنوات وستكلف أكثر من 200 مليار دولار، لكنها محطة هامة للدولة السورية من أجل جذب استثمار أجنبي وإعادة النشاط السياحي في البلد. كما أن إعادة الإعمار ستكون القوة المنشطة الأهم للاقتصاد السوري على شرط إنشاء صندوق دعم دولي تستفيد منه سوريا والمنطقة، وهنا تجدر الإشارة إلى المبادرة التي يقوم بها البنك الدولي لإعداد رسم تخطيطي للدمار الذي حل في 6 مدن سورية.

 العامل الثاني في النهوض الاقتصادي يكمن في تثقيف وتعليم جيل الحرب. هذا العامل ليس فقط اجتماعيًّا، بل أيضًا اقتصاديًّا وأساسي لنجاح سوريا في مرحلة بعد الحرب. هذا الجيل الذي يمكن أن يتأثر ببعض الحركات المتطرفة وبالحرب نفسها يجب أن يجرى له عملية إعادة تأهيل فكري وعلمي ونفسي. هذا المجهود يوازي أهميته مجهود إعادة الإعمار ويهدف لحماية وتمكين الموارد البشرية بالبلد، ويثبت فكرة أن سوريا الجديدة هي دولة قائمة على جيل يؤمن بحقوق الإنسان وبوحدة البلد. كل هذا سيؤدي فعليًّا لجذب ودعم الاستثمار الأجنبي في سوريا.

 ثالثًا، بات واضحًا وجليًا طمع بعض الدول المجاورة والبعيدة بثروات سوريا الاقتصادية، فنحن نرى دعم إيران وروسيا للنظام ودعم دول غربية لبعض الجهات الثائرة. وراء هذا الدعم محاولة لتمكين نفوذ سياسي واقتصادي ومحاولة لاستثمار مرحلة ما بعد الحرب. هذا الاستثمار الفوري في مرحلة ما بعد الحرب سيعزز – مما لا شك فيه – الإنتاجية الاقتصادية، ولكن سيوقع الوضع الاقتصادي في خلل كبير في المستقبل. لذلك على السوريين تحسين الصناعة وتطوير الإمكانات الاقتصادية المحلية، بدلًا عن الاعتماد على الدول الخارجية. ولنأخذ اليابان مثالًا، القطاع الصناعي الياباني عانى الأمرين وتكبد خسائر كبيرة بعد الحرب العامية الثانية، ولكن الإيمان فيه والعمل المستمر على تطويره أدى لكونه اليوم علامة فارقة عالمية يحسب لها ألف حساب.

مما لا شك فيه أن الوضع الاقتصادي في سوريا بعد الحرب سيكون صعبًا، ولكن مع حكم سياسي مستقر مؤمن بالإنسان والإعمار والوحدة يمكن للاقتصاد السوري أن ينهض مجددًا. وهنا على السوريين أن يتذكروا القاعدة الماسية للنهوض الاقتصادي بعد أية أزمة سياسية والقائمة على: وحدة واستقرار وتخطيط وإيمان بالشعب يساوي نموًّا اقتصاديًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد