حفيدي العزيز، ها أنا أكتب لك رسالة أخرى حتى لا يخدعك الذين خدعونا من قبلك.

نعم نجوت أنا وجدتك ووالدك الصغير، لحسن حظنا لم تختر عصابات التهريب أي واحد منا فقد قرروا الإلقاء بثلاثة شبان رأى فيهم رئيس العصابة الشروط الكافية، فاثنان منهم لا أهل لهما ليبكوهما ولا أطفال لديهما ليبقوا يتامى، أما الثالث فعاهته المستديمة أقنعت أفراد العصابة بأن لا جدوى من بقائه على قيد الحياة.

أنزلونا من القارب قبل الوصول إلى اليابسة بأميال، كنت مجبرًا فيها على السباحة، كنت أحمل والدك على أعناقي بينما أمسك بيد جدتك بكل ما أوتيت من قوة.

ما إن وطأت أقدامنا الأراضي اليونانية حتى بدأنا في السير برفقة المئات من المهاجرين، كان والدك يلتفت خلفه باستمرار ويهمس باسم طبيب الأطفال الذي عالجه ذات يوم في حلب. كنا نتجاوز الحدود تلو الأخرى، تارة نحاول الابتعاد عن أعين حراس الحدود، وتارة نستجدي عطفهم حتى يسمحوا لنا بالمرور إلى أن وصلنا إلى الحدود المجرية.

وضعونا في أقفاص حديدية كبيرة لا جدوى منها أمام الأمطار والثلوج والرياح التي أنهكت أجسادنا، ها أنا الآن جالس أنظر إلى والدك الذي ينام في أحضان جدتك، وأكتب إليك هذه الرسالة.

كما أخبرتك في الرسالة السابقة فإنه على عكس ما درسته، بشار الأسد طاغية يا ولدي، إلا أني نسيت أن أحذرك من جنده، جند من نوع آخر، سلاحهم الكلمة والقلم، سيخبرونكم في المدارس بأنهم فنانون ومثقفون وعلماء، فلا تصدق هذا الهراء.

لا تصدق أن الفن سلاح ضد الديكتاتورية، وأن الصحافة مهنة الشرفاء، فدريد لحام الذي حدثوكم في حصة المسرح بأنه فنان إن هو إلا وحش! نعم! فهو لا يكف عن التحريض على أبناء بلدك سوريا ومدينتك حلب، يدعو إلى قصفهم وحرقهم، يتهم الرضّع بالإرهاب، لا يا بني، هو ليس كغوار الطوشة، دريد قتل غوار يا حفيدي، سرق أحلامه وسلب حقوقه وسلمه لبشار.

وكنانة علوش، نعم، تلك الصحفية والمراسلة التي يتباهى بها الإعلام، إن هي إلا وحش آخر يتغذى على جثث الأبرياء ورائحة دمائهم العطرة.

يا حفيدي، وأنا أكتب لك هذه السطور، يدك الطيران الروسي حلب، يصارع الآباء بكل يأس أكوام الحجارة التي هوت على رؤوس أطفالهم، يركض رجال الإنقاذ بين أزقة المدينة في كل الاتجاهات علهم ينقذون أكبر عدد من المدنيين، تصرخ النساء أمام آلات التصوير في محاولة لإيقاظ العرب!

لا يا بني، لا تلم إخوانك العرب، فالتونسيون عاجزون، جلادوهم عائدون، ومثقّفوهم بالقرآن كافرون وأساتذتهم الجامعيون لبشار الأسد راكعون.

أما المصريون، تذكّرت! أخبرتك سابقًا بأن لك أخًا في مصر، وطلبت منك أن تحذره من الجيش المصري، سأمدك بالمزيد من النصائح حتى تنقلها إليه.

قل له بأن السير بالقرب من سيارات الشرطة في مصر يعتبر تهمةً، والنظر في وجوه أفراد الأمن المكفهرة جريمة، قد يُعتَقلُ بسببها ولا يرى النور مرة أخرى.

أخبره بأن لا يتعلّق بالأرض كثيرًا، فحكام مصر لا يتوانون في عرض تراب الوطن على رواد المزاد العلني.

امنعه من السير خلف المعارضة المصرية، فأغلب قياداتها دمى لا تنطق ولا تتحرك إلا بأمر سيّدها، تمام كحمدين صباحي وخالد علي.

لا تستغرب، فخالد علي ليس بنقابي ولا مدافع عن المظلومين، سأخبرك بقصة عنه، هل حدثوكم عن جمعة الأرض التي نفذها حسب كتاب التاريخ المصري «إرهابيون»؟ جيد، يومها، كان المتظاهرون عازمين على إنقاذ شرف مصر، دخل بينهم خالد علي تمامًا كحصان طروادة، وبعد أن تزعّم المسيرات، نسق مع قتلة الشباب وخطب في الحاضرين بأن موعدهم بعد أسبوع، وفي اليوم الموعود غاب حصان طروادة.

أخيرًا يا بني أخبرك وإياه بأن لا فائدة من المجتمع الدولي بمؤتمراته وقياداته وتصريحاته وقراراته، إن أقصى ما يمكنهم فعله هو الدعوة في مؤتمر «جنيف ٢٥» إلى عقد قمة «الرياض ٣٠».

فقط ارفع رأسك، وقل لهم قول الشاعر:

«أتظن أنك عندمـــا أحـــرقتنــي

ورقصت كالشيطان فوق رفاتي

وتركتنـــي للذاريــات تـذرنــي

كحلًا لعين الشمس في الفلـوات

أتظـن أنك قـد طــمست هويتي

ومحــــوت تاريخي ومعتقـــداتي

عبثًا تحاول، لا فنـــاء لثائر

أنــــا كالقيامة ذات يـــــوم آت».

 

عليّ أن أذهب الآن يا ولدي، فحراس الحدود المجرية جاؤوا ليمطرونا بقليل من الطعام، سأحاول أن ألتقط رغيفي خبز لجدتك ووالدك الصغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد