الإجابة هي بالنفي طبعًا من وجهة نظري المتواضعة. بل إنني أزعم أن بصيص الأمل الوحيد الذي يمكن أن يضمن لمصر أن تصبح دولة محترمة في يوم من الأيام يتمثل في المرور بما يشبه المحنة السورية والعراقية، بحيث يمثل ذلك المرور شرطًا ضروريًا لا مفر منه لعودتها وأهلها إلى الحياة بعد طول الموات!

الكثير من الناس لا يدركون ولا يستطيعون تخيل حجم الخراب والتشوه والانحراف الذي تغلغل في بنية المجتمع المصري والدولة المصرية طوال كل تلك العقود الطويلة من التمرغ المنهجي المكثف رسميًا وشعبيًا في أحضان الفساد السياسي والأخلاقي والديني. حتى باتت مصر كرجل يعاني من سرطان مزمن مستفحل يكاد يعصى على العلاج، ويحتاج بشكل ملح وحتمي إلى استئصال أكثر خلايا جسده، لعله يحظى بفرصة للبقاء على قيد الحياة!

يقارب تعداد الشعب المصري 90 مليون نسمة، كل الأحياء منهم، إلا القليل ممن رحمه الله، تربوا وترعرعوا وهم يقتاتون على النفايات الفكرية المضللة الماسخة والمشوهة للشخصية، ويتغذون على جرعات مسرطنة من محاليل الجبن والخوف والنفاق والخنوع والتواكل والفهلوة والاستعراض والكبر والحسد والنميمة والتظالم والاستعلاء القطري المريض… فما الذي يمكن أن يشفي كل تلك الملايين من كل تلك الآفات التي باتت جزءًا أصيلًا لا يتجزأ من الشخصية المصرية!

للتخلص من تلك الأورام الجاهلية المستوطنة في أحشائهم، يحتاج أهل مصر إلى انبعاث نبي جديد في صفوفهم. وبما أن عصر النبوات والرسالات السماوية قد انتهى، فالحل الأوحد يكمن في ضرورة الخلاص من جلّ أهل البلد، لعل الله يستبدل بهم قومًا غيرهم، يرضى عنهم ويرضون عنه، يمزقون صفحات التاريخ المصري المشين الأسود الباعث على التقزز، ويبدؤون بصناعة وكتابة تاريخ نظيف مشرق مشرّف على بياض!

أرجو ألا يغضب مني الإخوة في مصر، أو يظنوا أنني أخصهم بكلامي القاسي، فحالهم المنحرف المائل ينسحب على كل العرب والمسلمين في أيامنا، والعلاج الاستئصالي المر الذي أقترحه هو علاج واحد للجميع، من محيطهم الملوث إلى خليجهم المدنس!

كان نبينا عليه الصلاة والسلام القمة المثالية في التهذيب والدماثة واللطف، لذلك اكتفى بوصفنا أننا سنغدو في آخر الزمان مثل «غثاء السيل». ولكني أترجم ذلك الوصف بصورة أقل رأفة ورقّة فأقول إننا غدونا في حقيقة الأمر كالقاذورات التي تلوث الدنيا، شكلًا ومضمونًا. وبما أن كل مساحيق التنظيف قد تعجز عن تنظيفنا، فلا بد من استخدام مساحيق تضمن التطهير الإبادي الكلي والشامل للفاسدين فينا، وأكثرنا كذلك!

إن التغيير الحقيقي لا يمكن إحداثه بالسلمية وبالشعارات وبالأناشيد وبالدعوات وبالدموع وبالأمنيات. إنه كما تثبت معظم تجارب التاريخ، يحتاج إلى ما لا حصر له من التضحيات وإلى شلالات من الدماء، وبخاصة في أيامنا الغبراء بأهلها، التي يتحكم فيها أوغاد يرفعون لافتات من قبيل: أنا أو الفوضى! وعلى جثتي! ويا فيها يا أخفيها! هؤلاء الأوغاد لا يمكن أن ينقشعوا هم وأذنابهم وكلابهم بالحسنى، ومن يفكر في تحديهم جديًا فإن عليه أن يعلم أنه إما قاتل وإما مقتول!

لكن المقتول هنا يختلف جذريًّا عن القاتل، فالأول شهيد في الجنة بإذن الله، مع النبيين والصديقين، لأنه قتل وهو يدافع عن الحق، بينما الثاني فمثواه النار، بعد أن كان من جنود الشيطان والمدافعين عن الباطل. وكم أعجب هنا لأقوام خرموا آذاننا عقودًا بالحديث عن الشهادة في سبيل الله، بل ادعوا أنها أسمى أمانيهم، بل وجعلوا منها شعارًا لهم، وعندما جد الجد، وباتت  فرصة الشهادة المشرفة قاب قوسين أو أدنى منهم، اختاروا أن يساقوا كالخراف إلى الزنازين، كي يساموا سوء العذاب وتنتهك أعراضهم وهم ينشدون!

إن من ماتوا فيما تسمى بالثورة المصرية حتى الآن قد لا يبلغ عددهم عُشْر من يموتون كل عام في حوادث السير! فيا لسذاجة وبؤس من يظنون أن شعبًا بحجم الشعب المصري يمكن أن يتحرر من استعمار طويل مقيم عبر التضحية بحفنة من الناس، الذين مات أغلبهم دون ثمن أو جدوى! لقد ضحت الجزائر بملايين الشهداء حتى تحررت من الاستعمار الفرنسي البغيض، وكان عدد سكانها لا يذكر مقارنة بعدد سكان مصر اليوم، فهل يظن المصريون أنهم يمكن أن يتحرروا من استعمار أسوأ وأظلم وأبشع دون أن يكونوا على استعداد لتقديم الملايين والملايين من الشهداء!

أما البؤس الذي لا يمكن تحمله فهو محاولة بعض الجهلة التلاعب بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام لتبرير تعاجزهم وتخاذلهم، وذلك بادعاء أن النبي قد التزم بالسلمية سنوات طويلة! نعم لقد فعل النبي ذلك، ولكن قبل أن يؤذن له بالجهاد، وعندما كانت قوة المسلمين وتعدادهم لا شيء أمام قوة وتعداد أعدائهم. أما عندما تكون أعداد المسلمين اليوم بالملايين، ويدعون في الوقت نفسه العجز والضعف، فإن باطن الأرض هو أشرف لهم حتمًا من ظاهرها، مع ترجيح خسارتهم للدنيا والآخرة!

إن ما هو أخطر بكثير من التحول إلى نموذج سوريا أو العراق، انهزام الناس ورضاهم عمليًّا بالاستمرار في العيش تحت أحذية الظلم والقهر والعبودية، وتوريث ذلك للأبناء والأحفاد. وهذا هو ما فعله ويفعله وسيفعله أغلب أهل مصر، فمن تعرضوا لبطش عبد الناصر دون مقاومة حقيقية مجدية سرعان ما تحالفوا مع ورثته وخضعوا لهم وتعايشوا معهم، وهذا ما أكاد أجزم أنه سيكون حال من يتعرضون لبطش السيسي اليوم. فهم لن يصمدوا للأبد على مقاومتهم العبثية، ولن يلبثوا أن يعيدوا سنة أسلافهم في التصالح والتعايش والاستكانة، ما لم يغيروا من قناعتهم الفكرية المنحرفة عن الموقف الإسلامي القويم بخصوص الجهاد، وعن سنن الله في الأولين والآخرين، التي تقوم على التدافع واحتياج الحق إلى قوة تحميه وتعليه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد