لم تكن سورية بعاصمتها العريقة، والتي تعد من أقدم عواصم التاريخ العائدة إلى الألف الثالث قبل الميلاد، بما حملته من حضارات متعاقبة استوطنها البشر منذ 11 ألف عام غير منقطع النظير بمنأى عن التغيير الذي شهدته المنطقة في العصر الحديث، نتيجة الظروف السياسية والاستراتيجية والعسكرية الراهنة التي طرأت عليها.

فالصراعات الأيديولجية والفكرية لعبت دورها في إحداث الشرخ والانقسامات الكبيرة التي تعيشها ولا سيما تحت ظل حكم الأنظمة الديكتاتورية التي توالت عليها منذ وصول حزب البعث إلى السلطة وما عمّد إليه في إحداث ذلك الصدع وتنفذه داخل المجتمع ذو الطبيعة الجغرافية الواحدة والشرائحية المتعددة تحمل لونًا ثقافيًا معينًا فرض عليها التزامات التنوع والعيش المشترك.

اختزل نظام الأسد ذلك بالطائفية واختزل الهوية الوطنية بشقيها السياسي والاجنماعي بالمشهد القومي الذي طغى عليه صبغة البعث في تنفُّذه وتنفيذ أجنداته في الوقوف بوجه الشعب من خلال عمليات الإقصاء والتهميش الممنهج لرأي الشعب الأكثرية وما يحمله من ملكات التحرر الوطني والانتماء الفكري والسياسي.

فهوية الوطن هي هوية تلك الطائفة التي ينتمي إليها، وما تسيطر عليه في كافة مناحي الحياة العلمية والثقافية والتعليمية جعلت من مفاصل الدولة التي تسيطر عليها ملكًا بيدها وأداة تتحكم بها كيف تشاء في تحديد هوية المجتمع وانتمائه الوطني والشعبي والجماهيري على مدى تلك العقود الطويلة الفائتة، في محاولات إضفاء عمليات النبذ والإقصاء الممنهج لمعظم الفئات الشعبية ووضعها في نقطة خط ما تحت السطر واستبدالها بفئات شرائح شراء الولائات الفردية والشخصية الخاصة التي لا تمت للواقع العملي بصلة تعمل على الاستفادة من نظامها المنقسم على نفسه المتواجد إلى حد بعيد بطريقة ما أو بأخرى في التكتلات السياسية والكتل البرلمانية التي عمل على تحويرها بما يخدم قضاياه وبما يتناسب مع مصالحه وفكرته الأيدولوجية المنسجمة مع أهدافه البعيدة كل البعد عن التمثيل الواقعي للمجتمع السياسي وما يحدث في البلاد.

وهو ذاك التمثيل والتأييد الشعبي المزعوم من قبل بعض الأطراف والطبقات الفئوية المتنفذة التي تعمل جنبًا إلى جنب في ممارسات تلك السياسات القمعية والترويج لها على أن كرامة الأمة وهوية الوطن مرهونة بيده ولا صون لحريتها وكرامتها إلا من خلال نظامها في ما إذا أصابها أي خلل قد يصيب الأمة بأكملها تعمل على ذلك شبكات من رجالات المال والأعمال الزائفة داخل النظام وخارجه وفي مؤسسساته في دعم العملية الأمنية وتمويل آلتها العسكرية لقمع الشعب والتنكيل به ومصادرة آرائه وحرياته الفكرية والسياسية، التي كان من المفترض أن يعيشها المجتمع في داخل حالة التجربة الديمقراطية على الأقل تحت ظل حكم الدستور الذي هيمن عليه نظام الأسد والذي يضمن حرية الرأي والتعبير وحرية الوطن والمواطن وبناءه وتحديد هويته وإنتماءاته في أسس العيش وأطرها ومعالمها الحرة والآمنة المستقرة.

لكن ما يهم الأسد فقد يهمه وما يهم نظامه فقد يهمه من قوانين وتشريعات توضع على المحك وتنسج بين ليلة وضحاها بما تتناسب مع حجمه ومقاسه.

فالهوية الوطنية الجديدة لم تعد حكرًا عليه، بل هي هوية التحرك الوطني والحراك الشعبي وما اجتاح العالم العربي من حركات التغيير وقلب للأنظمة الديكتاتورية ومن بينها الأسد التي لا مكان له فيها ولا لهوية نظامه وعقليته الأمنية التي تركت آثارها السلبية في الحياة اليومية العامة والسياسية، وما أنتجته من الشتات الفكري وضعف الانتماء الوطني والجغرافي في تحديد الاتجاهات ورسم القرارات التي تخص الأفراد والمنظمات الحقوقية والمدنية، وما يتبع لها من جهات سياسية، تضع الأخصائيين في هذا المجال ممن يمثلون الاتجاه المعاكس لنظام الأسد في حجر الزاوية من مكان الإشراف والعمل والمراقبة في التقييم والتقويم على وضع الأنظمة والقوانين والتشريعات الناظمة لها ووضعها على حجر الأساس من شأنها تدعيم حركة التغير وحماية حقوق وواجبات الأفراد من مواطنين وممن ينتمي إلى سلطات القانون الدستورية تعمل أمام التزاماتها ممن تمثلهم تجاه المسؤولية الوطنية والقانونية وما تخلقه من حالة التعزز والانتماء الذي راح ضحيته دماء أبناء الشعب في سبيل نيل الحرية وبناء وطن تسوده الأعراف والقوانين، بعيدًا عن شراكة نظام الأسد وحلفائه في المنطقة ممن عمدوا على إراقة تلك الدماء ونسف الحريات العامة وحريات حقوق الإنسان وحريات الرأي والتعبير والتي تعتبر من أبسط الحقوق الفكرية والدستورية أمام المشاركة السياسية والعامة وما يعتقده الفرد والتي تندرج أساسًا ضمن مفهوم المواطنة التي من شأنها توفير تكافؤ الفرص في العدل والمساواة والشعور بالأمن والأمان داخل الأوطان وخارجها يكون فيها الولاء للوطن نفسه وليس للحاكم والمستبد ذاته الذي يعمل على إرضاخ أصوات وإسكات معارضيه بالحديد والنار، وأن لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص والحرب التي عاشها الشعب وما يزال تحت ظل حكم نظام الأسد مع انعدام وجود أدنى مقومات مستويات حس التحمل والشعور بالمسؤولية.

والتي فقدت الارتباط الوثيق بينها وبين السلطة وبينها وبين الحكم باعتباره مسؤولية وما يدور بداخلها من مضامين جعلت من أبناء الوطن فرصة للاقتناص في فخ مصيدة الأنظمة الديكتاورية وما فقدوه من شعور ذاك الانتماء الوطني عندما يتم إبداء وتقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة وفقدانها لعملية التناغم والانسجام بين الحس والإدراك العملي والفكري، وما ترتب عليه من سطوة مجموعات الأقلية على رأي وحقوق الأغلبية التي لم تجن ثمار نتاج هويتها الوطنية والشعبية الفكرية والثقافية السياسية منذ عشرات السنين، ومنذ وصول نظام حافظ الأسد إلى السلطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد