إن تدخل تركيا في سوريا ليس وليدَ الأمس أو اليوم، بل محطّة من تاريخ صراعٍ طويل الذي وصل عام 1957، مُنعطفًا خطيرًا كاد يتسبّب باشتباك كبير بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، بسبب أن تركيا حشدت آلاف الجنود على الحدود السورية – التركية – مُهدّدة باجتياح سوريا، مُستفزّة السوفيت الذين هدّدوا بالردّ، ومُستثيرة الأمريكيين الذي هدّدوا بضرب السوفيت إذا اقتربوا من تركيا، قبل أن يتم انتزاع فتيل الأزمة وتقوم مصر عام 1958 بإنزال قوّاتها في ميناء اللاذقية، وتقع الوحدة بين سوريا ومصر، هو نزاعٌ إذًا صحيحٌ أنّه يقع بين دولتين، لكنّه يقوم بتغيير المنطقة، ويُربك العالم.

قصّة العلاقات التركية – السورية

في عام 1998 جلس اللواء التركي أوغور زيال، واللواء السوري عدنان بدر حسن، ليتمّ توقيع اتفاقية سريّة بين البلدين عُرفت باتفاقية أضنة، تلك الاتفاقية التي خلقت علاقات تركية – سوريّة متينة، بين الطيّب الرئيس أردوغان – والأسد، لكنّ هذه العلاقات لم تدم لأكثر من عقد من الزمن، لتعود العلاقات بعده لأسوأ مما كانت عليه وأكثر.

تاريخ من التوتر

بعد هزيمة الدولة العثمانية «الخلافة» عام 1918 في الحرب العالمية الأولى، رسمت الاتفاقيات الدولية الحدود بين تركيا وسوريا، خسرت من خلالها سوريا أرضًا ذات أغلبية عربية، وتُحصّل تركيا خلالها جزءً من المساحات التي خسرتها زمن الخلافة ولو كانت صغيرةً نوعًا ما، نالت سوريا استقلالها عن فرنسا عام 1946، واستقرّت أطول حدودها مع جارٍ يُغزّيها بالمياه، يُعتبر نافذتها البريّة نحو روسيا وأوروبّا، لكنّه عدو!

بينما كانت سوريا تقترب من الاتحاد السوفيتي المُجرم ومعسكره الشرقي، كانت تركيا قد انضمّت لحلف الناتو عام 1952، معلنة اصطفافها في المعسكر الغربي بقيادة أمريكا!

بينما كانت حربٌ باردة تلوح في الأفق بين أمريكا من جهة والنظام الصيني المُجرم من جهة أخرى، لن تبتعد كثيرًا عن الحدود السورية – التركية، الأمور التي أخذت تتجه في صراعٍ آخر عنوانه المياه وحزب العمال الكردستاني الإرهابي، أمسكت تركيا بورقة المياه، وشيّدت مشروعًا مائيًّا عُرف باسم مشروع جنوب شرق الأناضول، لـِ تُصبح المُتحكّم بـمياه دجلة والفرات ردّ النظام السوري آنذاك بدعم حزب العمال الكردستاني الإرهابي الذي يتزّعمه أوجلان في حربه ضدّ تركيا منذ عام 1984، تلك الأزمات التي حاول الطرفان حلّها من خلال توقيع بروتوكول التعاون الأمني والاقتصادي المُشترك، الذي نصّ على تمرير كمّيات محددة من المياه إلى سوريا مقابل وقف النظام السوري دعمه للحزب الكردي الإرهابي، إلّا أنّ شيئًا لم يتغيّر على أرضِ الواقع وهو أنّ تركيا قامت بقطع المياه لـِمدّة شهر كامل لملء سدّ كمال مصطفى عام 1990، وردّ النظام السوري بزيادة دعم الحزب الإرهابي، لكنّ حدثًا وقع بداية التسعينات غيّر معادلة الصراع تمامًا.

اختلال التوازن

مع بداية انهيار وسقوط النظام السوفيتي المُجرم فقد النظام السوري أقوى حليفٍ دولي له، فمالت كفّت الميزان لـِصالح تركيا، وجاء الوقت لتوقيع اتفاقٍ سرّيٍ أمني بين تركيا والنظام السوري عام 1992، لكنّه وكما المعتاد لم يجد طريقه للنور، عادت تركيا تحويل المياه لملء سد بيراجيك عام 1993؛ ما أدّى لتوقف جزئي في سدّ الفرات الذي كان يؤمّن احتياجات سوريا الكهربائية بنسبة 70%

ومع ذلك لم يتوقّف دعم النظام في سوريا لحزب العمال الإرهابي، زادت الأمور سوءًا خلال الخمس سنوات القادمة، والذي زادها أكثر تعقيدًا توقيع تركيا اتفاقية أمنيّة مع الكيان الصهيوني إسرائيل عام 1996، وارتفاع هجمات حزب العمال الكردستاني الإرهابي ضدّ تركيا عام 1997، وصل الوضع لحافة الانفجار عام 1998 لتحشد تركيا آلاف الجنود على الحدود التركية – السورية مُهدّدة باجتياح الأراضي السورية، تهديدًا لا يُشبه سابقه قبل 41 عامًا، هذه المرّة لا اتحاد سوفيتي يُهدّد ولا جيوش مصرية تنزل في اللاذقية.

شَعَرَ حافظ بجدّية التهديدات التركية، وخشي أن الأزمة تؤثّر على توريث السلطة لابنه، الذي بدأها بعد وفاة ابنه الأكبر باس عام 1994، فقام بطرد أوجلان من الأراضي السورية ودخل في مفاوضات مع تركيا بوساطة الجامعة العربية ومصر وإيران، انتهت بتوقيع اتفاقية أضنة عام 1998.

اتفاقية التنازلات

نصّت هذه الاتفاقية على إيقاف النظام السوري كافّة أشكال الدعم للحزب الكردي الإرهابي، وتسليم أعضاء الحزب الموجودين في سوريا لتركيا، فيما اعتبرَ المُلحق رقم 3 من الاتفاقية أنّ الخلافات الحدودية بين تركيا – وسوريا منتهية، الأمر الذي حُسِمَ فعليًّا عن تخلي حافظ كُلّيًّا عن لواء إسكندرون، وفي البند رقم 4 نصّت الاتفاقية على تدخل تركيا في سوريا في حال فشلت الأخيرة من تنفيذ ما هو مطلوب منها بعمق 5 كيلو مترات، حقوقٌ ومكاسب تركية لا مكاسب سورية مقابلًا لها، وعلى الرغم من ذلك فقد شكّلت هذه الاتفاقية نقطة تحوّل غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين

علاقات إستراتيجية

مع تسلّم بشار مقاليد الحكم في سوريا عام 2000، وصعود حزب العدالة والتنمية في تركيا للسلطة في تركيا، تقاربت رؤى الطرفين، وتتحسن العلاقات ويتمّ تبادل الزيارات الرسمية بين البلدين على أعلى المستويات، ويتم في عام 2009 تأسيس مجلس التعاون الإستراتيجي بين تركيا وسوريا، وتم توقيع أكثر من 40 اتفاقية في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية والصحية وغيرها، وألغيت تأشيرات الدخول بين البلدين، وصرّحت وزارة الداخلية أن عدد المطلوبين الذين قامت سوريا بتسليمهم لها، بين عامي 2003 و2009 بلغ 122 شخصًا، وبدا للطرفين أنّها أرسى من أن تؤثّر فيها الأزمات

الثورة السورية والعلاقات التركية

مع اندلاع الثورة السورية على الطُغيان والظلم في البلاد، قلب كل التّوقعات رأسًا على عقب!

عاد النظام السوري للتحالفات القديمة مع النظام الروسي والإيراني الإجرامي، بينما اختار الجانب التركي موقفًا مُشرّفًا يُسجّل في التاريخ الإنساني له بأن وقف مع الشعب السوري ضدّ الظلم، وعادت المشاكل القديمة للواجهة، كدعم النظام السوري لحزب العمال الكردستاني الإرهابي، كما في أمرٍ مُضحك بعد أن تنازلوا رضًا على نفسهم – عاد الحديث عن استرجاع لواء إسكندرون من الأتراك – فيما شكّل اللاجئون السوريون الذين يزيدون على أكثر من 3 مليون لاجئ في تركيا عُقدةً جديدة بين الطرفين، والتي وصلت لقطيعة تامّة بسحب السفراء بين البلدين، تدخلت تركيا في سوريا عن طريق عملتي درع الفرات وغصن الزيتون، وعاد الحديث في تركيا عن اتفاقية أضنة باعتبارها مٌستندًا قانونيًّا لِمُلاحقة العناصر الكردية الإرهابية على الحدود مع تركيا، وإقامة مناطق آمنة للاجئين السوريين داخل سوريا.

بينما تُقرع طبول الحرب الوشيكة تتغيّر الحسابات ويتعقّد المشهد، تركيا التي لم تتساهل يومًا في ملف حزب العمال الكردستاني الإرهابي وتمتلك أقوى جيش في الشرق الأوسط، والفصائل الكردية الإرهابية من جهة أخرى التي تسعى للتقارب مع النظام السوري خوفًا من تركيا، والنظام الروسي والإيراني الذين شكّلوا مجموعة عمل مع تركيا حول سوريا، إن النظام السوري مُستعدٌ لتقديم التنازلات لا يسعى لمواجهة مباشرة مع تركيا بسبب ضعف جيشه.

فكيف ستكون نهاية هذا الفصل من التاريخ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد