في الوقت الذي بدأت فيه الكثير من الدول العمل على جندرة دساتيرها بما يتوافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة من خلال إجراء تدخلي مؤقت يُدخل نصوص ومواد في دساتيرها تكفل حق المرأة سياسيًا ونيابيًا وهو ما يُعرف بالكوتا الدستورية. بقي الواقع السوري يرزح تحت وطأة نصوص وقوانين تمييزية، وتحت أعراف وتقاليد ومفاهيم دينية مُقيّدة للمرأة في أحسن أحوالها.

وقضية مُشاركة المرأة في الحياة السياسية بقيت متأرجحة بين داعم للفكرة ورافض لها. ففي حين يُعتبر دستور عام 1953 أول دستور سوري منح المرأة ليس فقط حق الانتخاب وإنما حقها في الترشح أيضًا. وذلك على خلاف المؤتمر السوري الأول 1919 الذي لم يُتح أية مُشاركة للمرأة، مرورًا بفترة الانتداب (1920-1946) الذي حرم المرأة من حقها في التصويت والترشح. وصولًا لعام 1947 والذي حصلت المرأة فيه على حقها في الانتخاب فقط.

بالتالي ظلت حقوق المرأة السياسية غير مستقرة وتخضع لتقلبات السلطة السياسية حتى سبعينيات القرن الماضي. وإن كانت المرأة قد دخلت البرلمان فهي دخلته بقرار من السلطة السياسية وليس بسبب تأثيرها في الشارع.

بعد ذلك وعلى الرغم من توسيع الخيارات للمرأة وتمتعها بمزايا معينة بعد عام 1970 وحتى عام 2011 إلا أنه ما يزال هناك الكثير من المعوقات التي تحول دون وصولها إلى سدّة المسؤولية السياسية ومواقع صنع القرار السياسي. وماتزال قضية تمثيلها تعاني انتقاصًا فعليًا في حقوقها السياسية وحتى المدنية. ويُعزى ذلك إلى انعدام أو ربما ضعف الحياة السياسة والحزبية وثقل مفاعيل العادات والتقاليد الاجتماعية السلبية تجاه المرأة فظلت قضية مُشاركتها شكلية تجميلية.

ثم نتيجة الأزمة – الحرب السورية والتي كانت المرأة إحدى ضحاياها. فأنه لم يعد مقبولًا اعتبار قضية المرأة وتمثيلها السياسي والنيابي مُجرد مسألة خاصة بها وبمدى قدرتها على انتزاع حقوقها وتفعيلها. بل هي قضية مُجتمعية يتطلب حلها مُقاربة مختلفة عن المقاربات السابقة وتحديدًا مُقاربة التمكين الاقتصادي. حيث أن الاستقلال المادي ليس قادرًا بمفرده – أمام زخم العادات والتقاليد – على تخطي المعوقات الثقافية والاجتماعية إن لم تدعمه خطوات عملانية حقيقية.

بالتالي المقاربة الجديدة لا بد من أن تنطلق من زاوية الدستور في أن يكون دستورًا متوافقًا مع منظور الجندر. ومرد ذلك يعود إلى كون الدستور يستمد شرعيته من السيادة الشعبية. والمرأة جزء من الشعب الذي يتحدث الدستور باسمه. بالتالي يجب الاعتراف بالمرأة عضو مُساوي للرجل دستوريًا، هذا من جهة. ومن جهة ثانية إلى انتشار الثقافة الذكورية وضعف الحياة السياسية والحزبية أي أنه لابد من تدخل الدولة عبر الكوتا الدستورية لضمان مُشاركة فعالة للمرأة في الحياة السياسية.

والجدير بالذكر أن الكوتا الدستورية لم تُلحظ في أي دستور سوري، ولا حتى في المُسوّدة الروسية للدستور، وإنما اقتصر الآمر على النص على مُشاركة المرأة في الحياة السياسية دون تحديد آلية واضحة لهذه المشاركة.

وُتعد الكوتا فرصة عبور مرحلية بيد المرأة نحو المجالس النيابية عبر تخصيص حصة معينة للنساء من مجموع مقاعد البرلمان، والهدف منها (الغرض من تحديد النسبة) هو أن تكون وسيلة للوصول إلى هدف المناصفة بين النساء والرجال كآلية لتحقيق التساوي التام.

هُنا ومن رحم الآزمة برزت عدة مشاريع نسوية في إطار المجتمع المدني تدعو إلى جندرة الدستور تلقفها المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا عبر إنشائه (المجلس الاستشاري النسائي) والذي جاء استجابة لمطالبات النساء السوريات في أن يكون لهن دور فاعل في العملية السياسية ورسم ملامح سورية المستقبل. وليكون عونًا له في المفاوضات بين أطراف الصراع. حيث استند دي مستورا في هذه الناحية إلى قرار مجلس الآمن 1325 الصادر عام 2000 والذي يدعو الدول إلى زيادة تمثيل المرأة في جميع مستويات صنع القرار. ودعا دي مستورا الى تخصيص نسبة 30% للنساء في اللا ورقة التي قدمها في نهاية جنيف4 (3/3/2017) بعد أن كان يدعو الى ضرورة مُشاركة فعالة للمرأة في العملية التفاوضية.

أخيرًا نُشير إلى أن حقوق المرأة هي جزء من المشروع الوطني السوري ويجب أن تكون ضمن عملية الانتقال السياسي عبر اشراك النساء في عملية بناء سورية مُشاركة كاملة بما يسهم في بناء المجتمع تنمويًا ويُحقق دولة المواطنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد