انفجر الرأي العام السوري الموالي في 8 و9 من شهر أبريل (نسيان) الجاري على إثر عملية استعادة الأسرى المحتجزين لدى قوات المعارضة في مدينة دوما، فقد تم الاتفاق على خروج كافة الأسرى مقابل ضمانة الوسيط الروسي بخروج كل من يريد الخروج من دوما، سواء مدنين، أو مقاتلين لجرابلس في شمال البلاد.
هذه الوساطة التي نجحت بعد سلسلة إخفاقات تخللها عودة الاشتباكات والقصف المتبادل بين الطرفين (الجيش السوري وجيش الإسلام التابع للمعارضة)، وكان من المفترض أن تنتج عنها خروج حوالي 5000 أسير مدني وعسكري حسب تصريحات وزير المصالحة الوطنية علي حيدر، كان يحتجزهم جيش الإسلام في سجن التوبة بمدينة دوما، ومعظم هؤلاء تم أسرهم عندما سيطرت قوات المعارضة على منطقة عدرا العمالية في أواخر العام2013، هذه المنطقة كانت تسكنها أعداد كبيرة من الأقليات (تحديدًا العلويين والإسماعيليين)، والذين اعتبرهم جيش الإسلام موالين للسلطة حتى لو كانوا مجرد مدنيين – وذلك على أساس طائفي – بالإضافة لعدد من جنود الجيش السوري الذين وقعوا في الأسر أثناء المعارك والاشتباكات التي دارت، ومعهم جزء من أسرى كانت تحتجزهم فصائل أخرى قام جيش الإسلام بدفع مبالغ مالية من أجل تحويلهم لسجنه، وذلك بهدف تضخيم الملف وكسب ورقة أقوى في المفاوضات مع السلطة.

أتوا ولم يأتوا..!

تجمع أهلي الأسرى بصالة الفيحاء الرياضية في ليل 8 أبريل  (نيسان) من أجل استقبال أقاربهم وأبنائهم، لكن المفاجأة كانت في أنه لم يخرج سوى بضع عشرات منهم أغلبهم نساء وأطفال، وأمام هذه الصدمة صرح أعضاء لجان المصالحة المسؤولون عن الملف بأن هنالك دفعات أخرى ستخرج في الغد وبأنه لن يبقى أي أسير في دوما.
وبفعل هذا التطمين انتظر الناس، وفي اليوم التالي تجمعوا وسط مدينة دمشق لحين وصول الدفعات التالية، إلى أن تم إعلامهم بالتوجه للصالة الرياضية مجددًا، وبعد انتظار 24 ساعة خرجت الدفعة الثانية، التي لم تكن أكثر من الدفعة الأولى بكثير وتضمنت بعض العسكرين والضباط، لكن الصدمة كانت عندما تم الإعلان أمام الحشود المتعلقة بالأمل، أنه لم يبقى هنالك أي أسير في دوما، وأن هؤلاء آخر دفعة قد تم الإفراج عنها.
سادت حالة من التخبط ولم تقنع حُججُ المسؤولين بأن جيش الإسلام قام بتضخيم الأعداد من أجل كسب موقف جيد في المفاوضات، وأن هنالك عددًا من الأسرى ماتوا بسبب سوء التغذية والعمل الجائر في عمليات حفر الأنفاق، بتهدئة نار الأهالي، فقد بدأت هتافات تطالب بتوقيف عملية الإجلاء الى حين معرفة مصير أبنائهم.
وسرت شائعات عديدة على غرار أنه تمت عمليات إعدام ميدانية، أو أنه تم حرق السجن بما فيه كعملية انتقامية، أو أن مقاتلي جيش الإسلام سيأخذون الأسرى معهم لجرابلس عبر أسماء مزورة.
وفي ظل غياب رد الفعل الرسمي وتعتيم الإعلام عن الموضوع وتجنب الحديث فيه (تم قطع البث المباشر للمحطات الرسمية السورية التي  كانت تبث من الصالة الرياضية بعد أن بدأ الأهالي بالاحتجاجات والهتافات الرافضة لما حدث)
وحتى اللحظة، لا يزال مصير على الأقل حوالي 4800 شخص بين مدني وعسكري وامرأة ورجل وطفل معلقًا في الهواء.

الأسرى ومنع الحديث عنهم!

لم تكن هذه العملية الاختبار الوحيد الذي تفشل الحكومة السورية في إدارته في ما يتعلق بملف الأسرى، ففي عودة سريعة للأحداث المشابهة التي جرت على مردى سنوات النزاع، نجد تخبطات وغموض في معالجة ملف المحتجزين المحسوبين على الدولة السورية، فلم تلق نداءات أهالي وأسر المفقودين ومجهولي المصير الحد اللازم من اهتمام السلطة، ولعل أبرز حالة رفعت فيها نبرة الأصوات والانتقادات، هي حالة فقدان الأتصال بجنود الجيش السوري في مطار الطبقة 2014.
ففي الشهر الثامن من عام 2014 سيطر تنظيم (داعش) على مطار الطبقة العسكري في شمال ادلب بعد حصار طويل، وأصبح مصير مئات الجنود الذين كانوا يتحصنون داخل المطار مجهول بعد اصدار تعليمات بالانسحاب العشوائي من المطار المحاصر أصلًا. ورغم وصول بعضهم إلى بر الأمان، لف الغموض مصير باقي الجنود المجهول وسط حديث عن هروب كبار الضباط وبيع المطار بما فيه من عتاد والجنود، وبفعل الصدمة حينها أطلق مجموعة من الشباب حملة بعنوان (وينن) مطالبين السلطات بمعرفة مصير العساكر وتحميل القيادة العسكرية متمثلة بوزير الدفاع (فهد جاسم الفريج في حينها) المسؤولية ومطالبين بالمحاسبة والعقوبة للمتسببين بهذه الكارثة.
حملة (وينن) دفنت بعد ولادتها بأيام، فقد تم اعتقال المحامي (مضر حسان خضور) مطلق الحملة وشقيق أحد المفقودين في المطار من قبل الأمن في دمشق، وقال ناشطون إنه قد تم توجيه تهمة العمالة، وتهديد الاستقرار وزعزعت الثقة بالقيادة العسكرية والنيل من هيبة الدولة له، وذلك بعد أن قام مضر بذكر أسماء ضباط كبار في الجيش السوري متهمًا إياهم بالتقصير واللامبالاة، فُقد الاتصال بمضر، ولا معلومات عن مصيره، وتوقفت حملته بعد اعتقاله مباشرة إذ تغير الشعار من (وينن)، سؤالًا عن الجنود إلى (وينو) سؤالًا عن مضر!

أسرى الأمل.. وانتظار الحل الشامل

لا يزال هنالك الآلاف من جميع أطراف النزاع السوري مجهولي المصير أو أنهم في الأسر منذ فترة طويلة ولا يوجد أي بارقة أمل تدعو للتفاؤل تجاه مصيرهم، هذا الموضوع الإنساني بالدرجة الأولى هو أحد المواضيع المؤجلة في خضم النزاع السوري -السوري، فلا يزال هناك ملايين المهجرين، أعداد كبيرة من الأسرى في السجون ومعتقلات الحكومة، يُضاف لهم الشباب الذين تُؤسر حياتهم بحملات تجنيد إجباري تقوم بها كافة الأطراف فقد أخذت من عمر بعضهم حوالي ثماني سنوات، وأيضًا الدمار الهائل بالبنية التحتية وانقطاع جيل عن التعليم وارتباطه بثقافة الحرب وغيرها الكثير.
لا يمكن لأحد تصور نهاية سعيدة لأي من هذه المعضلات الأخلاقية ما دام صوت الرصاص أعلى من صوت العقل، وطالما أنه لا يوجد طرف يفكر في الدفاع عن البلاد أكثر من الدفاع عن مكاسبه، وعدم وجود مسعى حقيقي لتأمين حياة أفضل من التي نعيشها للجيل القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تصريح الوزير علي حيدر بوجود 5000 اسير قبل بدء عملية التحرير بساعات
عن معركة مطار الطبقة
فيديو يوضح الغضب الشعبي مما حدث
حول إعتقال المحامي مضر خضور
عرض التعليقات
تحميل المزيد