إن الأزمة السورية في هذه اللحظة تمر بمرحلة حاسمة وشديدة الحساسية، فما تشهده الساحة الدولية من تحالفات جديدة وتفاهمات على حل سياسي للأزمة السورية، فقد تبلورت هذه التفاهمات بصدور قرار مجلس الأمن رقم 2254 بشأن محادثات جنيف 3 لحل الأزمة السورية، فالمجتمع الدولي أو بالأحرى القوى الدولية العظمى تعول على جنيف 3 لحل سياسي نهائي في سوريا يحقق السلام في سوريا، وذلك حسب ما اتفقت عليه مجموعة دعم سوريا في مؤتمر فيينا 1 و2.

 

البعد الإستراتيجي لهذا القرار:

إن هذا القرار الصادر عن مجلس الأمن الذي له قوة قانونية ملزمة، يعطي للأزمة السورية بعدًا جديدًا بتدويل القضية السورية على الصعيد الرسمي الدولي المؤسساتي من خلال الأمم المتحدة، لصياغة حل نهائي لأزمة لها كثير من التعقيدات الإقليمية والدولية.

 

تفاصيل القرار:

فإذا نظرنا إلى دهاليز هذه المحادثات السورية–السورية التي ستجري نتيجة تفاهمات أمريكية–روسية، حيث نلاحظ أن هناك ترجيحًا للحل الروسي الإيراني في سوريا القائم على بقاء الأسد في سدة الحكم في المرحلة الانتقالية وربما الترشح في الانتخابات الرئاسية التي ستلي كتابة دستور جديد للبلاد وفق قرار مجلس الأمن رقم 2254.

وتوافق النظام السوري والمعارضة السورية في حكومة موحدة للتحضير للانتخابات، وذلك حسب مقررات مؤتمر فيينا 2 الذي جاء ليرسم مرحلة جديدة تختلف عن مقررات جنيف 1 الذي اكتنف تفسيره الغموض بشأن مصير الرئيس السوري بين التفسير الأمريكي من جهة والتفسير الروسي من جهة أخرى، ولكن يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية قد اقتنعت بالتفسير والرؤية الروسية لمبادئ جنيف 1، التي أصبحت واضحة في مقررات مؤتمر فيينا 2 الذي لم يتطرق لمستقبل الرئيس بشار الأسد.

 

وإن هذا التراجع الخطير في الموقف الأمريكي تجب قراءته بعناية شديدة من خلال ما يلي:

مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة:

إن ظاهر الحال يدلل على تراجع رهيب للموقف الأمريكي أمام روسيا في سوريا، ويعود ذلك لحسابات سياسية بالدرجة الأولى: تتلخص بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب فعلا بإسقاط النظام السوري، فهي تخشى أن يهيمن على حكم سوريا قوى إسلامية متطرفة، مما يشكل تهديدا على الأمن القومي الإسرائيلي.

فإسرائيل ترى في النظام السوري الذي لم يطلق رصاصة واحدة في الجولان منذ نهاية حرب أكتوبر عام 1973 أقل خطورة على مصالحها وفق الرؤية الأمنية والسياسية الإسرائيلية.

فبكل بساطة الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد عراقًا جديدة أو صومال جديدة على حدود إسرائيل، فهي ترغب بالحفاظ على المؤسسات الرسمية السورية وعلى رأسها مؤسسة الجيش، ولكن مع إضعاف الدولة السورية لتحجيمها في هذه المنطقة الملتهبة.

 

الاتفاق النووي الإيراني:

لا يجب عدم ربط المستجدات السياسية في المنطقة وسوريا على وجه الخصوص بالاتفاق النووي بين إيران والمجموعة الدولية 5+1.

فيظهر واضحًا أن الاتفاق النووي الإيراني قد أبرم بناءً على صفقة جيوسياسية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، فإن إيران قد تخلت عن طموحاتها في امتلاك قنبلة نووية مقابل اعتراف أمريكي بدور ونفوذ إيران في المنطقة وعلى رأسها سوريا.

 

التحرك الإيجابي الروسي عسكريا في مقابل سلبية أمريكية:

بعد هزائم النظام السوري وحلفائه الإيرانيين وحزب الله في إدلب وحلب، ووصول المعارضة السورية لمعاقل النظام السوري في الساحل السوري، قامت روسيا بالتدخل عسكريا لإنقاذ النظام السوري من السقوط والتراجع الميداني قبل أي عملية مفاوضات.

فإن سلبية الولايات المتحدة الأمريكية تظهر جليا، بوقوفها موقف المتفرج على القصف الروسي العشوائي للمعارضة السورية المعتدلة بشكل مُركز، فإن هذا يدلل على وجود ضوء أخضر أمريكي لروسيا للتدخل في سوريا لكبح جماح قوى الثورة السورية وحلفائها الإقليميين الذين يبدون موقفًا متشددًا تجاه نظام الأسد وحليفته إيران.

 

قتال تنظيم الدولة الإسلامية من قبل أمريكا والتناقض مع المصالح التركية:

إن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بتشكيل تحالف دولي للقضاء على تنظيم الدولة في العراق وسوريا بعد تمدد التنظيم بصورة كبيرة في العراق وسوريا، ولكن قد اقتصرت هذه الحرب على تنظيم الدولة على الضربات الجوية مع تقديم الدعم اللوجستي والعسكري لقوات محلية على الأرض، هذا قد خلق تناقضًا مع تركيا التي نظرت بشكل سلبي لتحالف الولايات المتحدة الأمريكية مع قوات سوريا الديمقراطية التي يسيطر عليها الأكراد، وذلك بعد سيطرة هذه القوات على مساحة كبيرة من الشمال السوري وقيامها بتغيير ديمغرافي في تلك المنطقة مما يبرز نوايا انفصالية تخشى تركيا أن تمتد إليها، لأن هذه القوات تكن العداء لتركيا التي تحارب حزب العمال الكردستاني التركي الراغب في الانفصال عن الدولة، وكذلك لوجود علاقة واتصال بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي والنظام السوري وروسيا، مما سيؤدي إلى سيطرة هذه القوات على الحدود السورية التركية لقطع الطريق على النفوذ التركي في سوريا.

ولكن هذا يتم بمرأى من واشنطن التي يبدو أنها تريد إبعاد تركيا عن الساحة السورية وذلك لتحقيق حل في سوريا بعيدا عن موقف تركيا المتشدد من النظام السوري.

 

الرؤية الأمريكية الروسية للحل في سوريا:

أعتقد أن ملامح الحل في سوريا حسب الرؤية الروسية الأمريكية تكمن في صياغة الدستور الجديد لسوريا قبل الانتخابات الرئاسية حسب قرار مجلس الأمن رقم 2254.

فإن هذا الدستور المزمعة صياغته سيحدد شكل الدولة السورية، والذي أرى بشكل واضح من خلال تحليلي أنه سيصاغ ليتماشى مع مرحلة سترسم النظام السياسي وشكل الدولة السورية لتكون مشابهة للتقسيم الطائفي والعرقي في العراق.

وقد ينص على ولادة نظام فيدرالي في سوريا لاقتسام الكعكة السورية وولادة سوريا المفيدة التي عبر عنها بشار الأسد ودوائر صنع القرار في إسرائيل.

فإن هذا يدلل على ما يقوم به النظام السوري وحزب الله من تغيير ديمغرافي على الأرض، وقد تجسد ذلك في هدنة الزبداني السنية القريبة من دمشق وكفريا والفوعة الشيعيتين في الشمال السوري.

 

موقف المعارضة السورية وحلفائها الإقليميين:

إن المعارضة السورية هي الخاسر الأكبر في محادثات جنيف 3، التي تنعقد في ظل اختلال في التوازنات الدولية لصالح النظام السوري وحلفائه، بعد التراجع الخطير في الموقف الأمريكي.

فإن المعارضة السورية ستفاوض وهي تحت نار القصف الروسي والتقدم الميداني لجيش النظام على الأرض، فضلا عن حصار وتجويع المدنيين كما يحصل في مضايا.

ولذلك فإنني أعتقد أن جنيف 3 لن يكلل بالنجاح إلا إذا تحققت تطلعات الثورة السورية وتحققت مصالح المحور السعودي التركي القطري في سوريا، ولذلك فإنني أرى تدخلًا عسكريًّا تركيًّا وشيكًا في سوريا قد يكون بدعم سعودي قطري، وإن هذا التدخل إن حصل لن يكون بعيدًا عن التحالف الإسلامي العسكري ضد الإرهاب.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد