يتشابه المشهد السوري الحالي بتعقيداته ومتاهاته التي لا تعرف الحسم مع العبثية السيزيفية التي روتها لنا الأسطورة اليونانية، فاتخاذ الحرب الأهلية السورية الطابع الإقليمي والدولي مع اتسامها بالنزعة الطائفية الدموية أدى إلى التشاؤم الحالي السائد من صعوبة الوصول للحل السياسي.

كما أن كلا من النظام والمعارضة قد سقطا في دوامة التوازنات، فالنظام السوري يحالف إيران، وعندما يصل نفوذها إلى الحدود المقلقة يستعين بروسيا، وهذه بدورها قد تتعارض مصالحها عند نقطة معينة مع النظام السوري، فنشاهد اقتحاما صينيا يحاول أن يتوازى أو يتوازن مع الدور الروسي، و قد شهد العام الفائت ترجيحات قوية لاحتمال تدخل عسكري صيني مرتقب، وكل هذه التحالفات بدورها هدفها مناوأة النفوذ الأمريكي، وهكذا فإن سحر التوازنات ينقلب على ساحره، بعد أن تضيع إرادة الطرف المحلي ويصبح ألعوبة في يد قوى إقليمية أو دولية.

المشكلة أن كل دور وكل تدخل له ثمن، وعندما يجيء وقت الحل كيف ستتفق كل هذه الأطراف، أو بمعنى أدق كيف ستخرج هذه الأطراف من المشهد السوري، وهو شيء شبه مستحيل قبل تقاسم الكعكة السورية.

يجيء التواجد العسكري الأجنبي في الأردن قرب الحدود السورية الجنوبية مكملًا للمشهد المعقد الذي يتصف به الصراع السوري، فالقوات الأمريكية والبريطانية مع القوات الأردنية الموجودة في هذه المنطقة تثير القلق من احتمالات الغزو الأجنبي في محاولة منها لتحجيم الدور الروسي و الإيراني، وفي المقابل فإن النظام السوري وحلفاءه يحاولون الوصول إلى الحدود العراقية من خلال معركة البادية – دير الزور لفتح طريق بين بغداد ودمشق تمهيدًا لفتح الطريق الأهم، وهو طهران – بيروت، وهذا هو الشيء المشترك بين إيران وروسيا: الرغبة الدائمة في الوصول للبحر المتوسط، فالعامل الجيوسياسي قد يكون الأقوى والأهم من بين عدة عوامل في رسم ملامح الدور الروسي والإيراني داخل سوريا، وربما أقوى من العامل الإيدولوجي.

على الجانب الآخر تفكر أمريكا في إقامة حزام آمن في الجنوب و الشرق السوري، على غرار الحزام الذي فكرت تركيا في إنشائه شمال سوريا، تتمثل خطورة هذه الأحزمة في تمزيق الأراضي السورية، غير أن الحزام الأمريكي المخطط له يهدف إلى منع وصول النظام السوري إلى الحدود العراقية، وبالتالي منع إكمال طريق بغداد – دمشق لتحجيم النفوذ الإيراني ومنعها من الوصول للبحر المتوسط.

وتباشر أمريكا تأثيرها على الجنوب السوري من خلال غرفة الموك قرب الحدود السورية الأردنية وهى غرفة عمليات دولية تترأسها أمريكا إلى جانب دول غربية وعربية أخرى، وكانت هذه الغرفة تقوم بالتنسيق مع فصائل المعارضة السورية، خاصة الجيش السوري الحر، كما كانت تضمن عدم اقتراب قوات المعارضة السورية من الحدود مع إسرائيل، وعدم امتلاك المعارضة لأسلحة نوعية قد تهدد القوات الدولية القريبة، وهذا وقت أن كانت مساحات واسعة من الجنوب السوري، خاصة محافظتا درعا والقنيطرة، خارجة عن سيطرة النظام وتحت سيطرة فصائل المعارضة.

أما تنظيم الدولة في مدينة السخنة، فمن المتوقع أن يشن الطيران الروسي قصفًا عنيفًا عليه تمهيدًا للتقدم البري لقوات النظام السوري للسيطرة على المدينة التي تعد ثاني أهم مدن البادية بعد تدمر، ومدخل الريف الجنوبي لدير الزور، والتي إن خسرها داعش فإنه سيخسر محافظة دير الزور بأكملها، وستتبقى محافظة الرقة تحت سيطرته في انتظار الهجوم عليها من جميع الجهات.

هذا المشهد العبثي السوداوي الذي ذكرنا جانبًا منه هو مصدر التشاؤم من حل سياسي يحفظ للسوريين وطنهم من التقسيم، ودماءهم من السفك والاستحلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد