يتشابه على الإنسان ظروف، وأحوال، وتجارب عديدة حصلت معه في الأمس، وأعادت نفسها اليوم، كذلك السوريون، قامت مظاهراتهم في الأمس، وأعيدت نفسها اليوم، ولكن لكل يوم ولادة، ولكل ساعة دقائق من النضج، ولكل ظرف تجربة، فبعد أن حصل السوريون على هذه الولادة الجديدة، والنضج الكبير، والتجربة العميقة، لا بد لها أن تحدث تغيرًا على أرض الواقع، فانتفض السوريون للشارع من سبات السنين الماضية، ليوضحوا كلمتهم ومطالبهم للعالم بأسره، مستمرين في قضيتهم، ثابتين على مبدأهم تجاه ثورتهم.

هذه المظاهرات التي عادت من جديد، أعادتني إلى سنة 2011 عندما كنا نخرج بالمظاهرات، وكأنها أعادتني إلى ساعة الولادة الأولى، كيف كنا نجهز اللفتات والأعلام منذ الصباح، ونهيَّئ الساحات الكبيرة من أجل أن تسع جموع المتظاهرين الذين يوفدون إلى المظاهرة من كل صوب ومكان، فترتفع الأصوات هاتفةً بشعاراتٍ ومطالب كثيرة، وأول هذه المطالب وأجلها «إسقاط الأسد»، وما أشبه الأمس باليوم.

المظاهرات التي عادت من جديد لم تكن كسابقاتها من المظاهرات، لأن مظاهرات اليوم يجتمع فيها كل أطياف السوريين من جميع المدن والمناطق التي هجرت قسرًا من منازلهم وأرضهم، فمظاهرات اليوم يجتمع فيها «الدمشقي، والديري، والحمصي، والحموي، والإدلبي»، فيجتمعون جميعًا في قرى وأرياف إدلب، فلا يجدون حلًّا للعودة إلى منازلهم، وتحرير أرضهم التي سلبها النظام منهم إلا بالخروج إلى ساحات الحرية، منددين بإجرام النظام وأعوانه، وسفكهم للدماء السورية، فتتعالى صيحاتهم بهتافات الحرية والاستقلال، ليعلنوا للعالم أن الشعب السوري جسد واحد كالبنيان المرصوص.

عودة المظاهرات من جديد كان لعدة أسباب، من أهم هذه الأسباب: يقظة الشعب لأهمية المظاهرات ودورها الكبير، ومنها: إشاعة النظام أنه سيهجم على إدلب آخر معقل للإرهاب حسب زعمه، ومنها: موقف ديمستورا الذي يؤيد النظام وروسيا بالهجوم على إدلب، والسبب الأهم في انتفاضة الشارع: أن أهالي إدلب طلبوا من النظام وحلفائه الدخول إلى إدلب وتطهيرهم من الإرهاب حسب زعمهم، وبهذه الأراجيف والحجج الباطلة التي يدعيها النظام، توجيه رسمي لأهالي إدلب وضيوفهم من باقي المناطق السورية على أنهم هم الإرهابيين، فانتفض الشارع رافضًا لهذه الإشاعات الكاذبة.

انتفض الناس جميعًا رجالًا ونساء، كبارًا وصغارًا، وما أشبه تلك الانتفاضة بالأمس، ليعلنوا للعالم أن الشعب السوري ليس إرهابيًّا، ليعلنوا لهم أن الشعب في سوريا قد عانى الويلات من النظام وأعوانه، ليعلنوا لهم أنهم لن يتخلوا عن ثورتهم مهما تكالبت عليهم الأمم، انتفضوا موجهين رسائلهم إلى كل من يريد مساعدتهم في هذه الثورة، موجهين رسائلهم إلى المجاهدين على الثغور، أن الشعب معكم ومؤيدكم في كل عمل يضعف النظام وأعوانه، موجهًا رسالة إلى النظام المجرم يقول له فيها: خسئت أن تقترب من أرضنا؛ فنحن ماضون في ثورتنا حتى نحرر أرضنا التي سلبتها منا بغيًا، والله مولانا ولا مولى لكم.

وبهذه الانتفاضة الجديدة، وبهذه الشعارات والمطالب العظيمة، يعاد للثورة روحها الذي انتزعت منها منذ زمن، وبقيت جسدًا خاليًا بلا روح، وما فائدة الجسد بلا روح، يعاد يوم الجمعة من جديد – يوم الشعب- بكل كلمة وحركة وقيمة، كل ما في هذا اليوم ملك للشعب ولا كلمة فيه للتيارات المتنازعة، ولا للدول المتناحرة، لا كلمة فيه للذين يريدون إخماد لهيب الثورة وبريقها المضيء، فالشعب مستمر في انتفاضته لا خوف، لا تردد بكل عزيمة وإيمان لسانه يردد دائمًا: لا فناء لثائر.

ما أشبه اليوم بالأمس، تتشابه مظاهرات 2018 بمظاهرات 2011 من الناحية النظرية للمظاهرات، أما من الناحية العملية مختلفة تمامًا، فمظاهرات اليوم تقوم بقلوب أصدق من الأمس، مظاهرات اليوم تشد من عضد الأخوة أكثر من الأمس، مظاهرات اليوم يختلط فيها الزيتون الإدلبي بالعنب الدمشقي، مظاهرات اليوم تقوم على قوة العزيمة والصبر على الشدائد أكثر من الأمس، مظاهرات اليوم مطالب أقوى، وشعارات أوضح من الأمس، يتشابه اليوم بالأمس، لكن في كل يوم للإنسان ولادة جديدة، ويقظة كبيرة، ومظاهراتنا اليوم ولدت من جديد، واستيقظت من غفلة السنين.

وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمــراءِ بابٌ ** بِكُلِّ يَدٍ مُضَــــرَّجَةٍ يُدَقُّ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد