خرجت تلك العائلة الكبيرة من بلدتهم هربًا من الحمم التي بدأت بالتساقط على حيّهم من كل حدب وصوب ولجأت إلى إحدى البلدات المجاورة وسكنت في بناءٍ واحد محاولةً بذلك لملمة جراح النزوح والتهجير ليُؤنسوا ذلك الزقاق الذي سكنوه، كانت تلك العائلة مؤلفةً من ثلاث أخوات كل منهن لديها زوج وأولاد يقطنون جميعا في بناء واحد محاولين بذلك تعويض أنفسهم عمّا سبقهم من هجرهم لبيوتهم واغتراب بقية العائلة عنهم.

كانت أم أيهم ٳحدى تلك الأخوات الثلاث التي عادت من بلاد الغربة إلى وطأة الحصار والقصف كرمًا لابنها الذي غاب عنها لشهورٍ عديدة ليرتوي قلبها بقربه في تلك اﻷيام المعدودة، وفي إحدى الليالي بعد سهرة عائلية تذكرت العائلة فيها الماضي واسترجعت الأيام الملاح وتخللها وداع  أم أيهم التي قررت العودة لمكان مجيئها في صباح اليوم التالي.

خلدت العائلة للنوم ليستيقظوا بعد ساعة ونصف على أصوات صواريخ لم يسمعوها من قبل هرعت العائلة أطفالًا ونساءً واجتمعوا في غرفة واحدة بعد أن سمعوا صراخ الناس في الشارع وهم يقولون أنه السلاح الكيماوي (نعم لقد فعلها ذاك النظام الغاشم)، وفعلا لم تنتظر العائلة أحدًا كي يبرهن لهم ذلك، فبعد سماع هذا النبأ غلّقت العائلة اﻷبواب والنوافذ ووضعت الكمامات ظنّا منها أن ذلك سيقيهم.

إلا أنَّ ذلك لم يفِ بالغرض فبعد خمس دقائق بدأ أفراد العائلة بالوقوع في الغيبوبة واحدًا تلو اﻵخر ليُغشى عليهم جميعًا ويتساقطوا واحدا تلو اﻵخر حتى بدت غرفتهم ساكنة سكون الليل وغاز السارين يطوف في الأجواء لا شيء يردعه عن دخول تلك اﻷجساد الضعيفة، لكن الله أذن لأحد أقرباء العائلة أن ينجدهم، فهرع إليهم حال سماعه بأن مكان إقامتهم هو المكان الذي تم استهدافه بالكيماوي، بعد ربع ساعة وصل إليهم ليجيرهم فرآهم جثثا هامدة وهم يصارعون الموت فقام بإسعافهم بمساعدة بعض أصدقائه.

ليعود شمل العائلة ويتشتت من جديد ويتفرّق أفرادها مرة أخرى فقد وُضعوا بأماكن عشوائية كل واحد منهم على حدة وقد حمل ذاك الشاب الذي أنقذهم على عاتقه عملية البحث عليهم برفقة عمر، عمر هو الشاب الوحيد في تلك العائلة الذي نجا من الإصابة ففي تلك الليلة كان مرابطًا في إحدى الجبهات وقلبه متلهف للعودة للمنزل ورؤية خالته أم أيهم قبيل عودتها لغربتها، إلا أنه لم يرها بعد اليوم.

ماتت أم أيهم تلك المرأة التي قطعت مئات الكيلومترات لتلتقي بابنها، وكأن مجيئها وسفرها كل تلك المسافات كان تلبيةً لنداء ربها ولقائه واستجابةً لدعوته لا لرؤية ابنها لكنها أبت إلا أن تودعه وتودع أخواتها وتقضي معهم آخر ساعاتها ليكون ذلك اللقاء لقاءها اﻷخير بهم، فأراد القدر أن ينجي أفراد العائلة جميعا ويأخذ أم أيهم، اختارها القدر فداءً لحياة بقية أفراد العائلة الذين نجوا بأعجوبة من تلك المجزرة المروعة.

وبعد عملية بحث كانت كالبحث عن إبرة في كومة قش لملم عمر وقريبه تلك العائلة المبعثرة من جديد لأن فرق الإنقاذ كانت قد أضاعتهم بين أعداد المصابين الهائلة وأيقظهم من غيبوبتهم بخبر استشهاد أم أيهم، وقع الخبر كالصاعقة على قلوب العائلة، لم يصدقوه، ظنّوا أن عمر قد أخطأ وأن أم أيهم لم تمت وإنّما عادت لغربتها وسافرت من جديد، إلا أن جثة أم أيهم كانت برهانًا من عمر على استشهادها.

لقد كبر جرح العائلة الذي ما برح أن يلتئم، لن يروا فقيدتهم بعد اليوم وبقية أبنائها الذين يعدّون ساعاتهم في الغربة انتظارًا لعودة أمهم سيقضون بقيّة عمرهم في انتظارها، ذلك اليوم لم يكن من أيام الدنيا بل كان أحد أيام الآخرة يوم الحشر والواقعة والامتحان، ترى الناس تسير كالسكارى في الطرقات لم يشربوا خمرًا لكنهم ذاقوا علقمًا قد أسكرهم وأي علقم ذاقوه في ذلك اليوم المشؤوم.

قدمت الغوطة يومها 21 أغسطس (آب) 2013 حوالي 1500 شهيدًا استنشقوا الموت وهم نائمون، 1500 شهيد وراء كل واحدٍ منهم قصة وحكاية منهم معيل لعائلة كاملة ومنهم عروس تنتظر ليلة زفافها ومنهم أجنة لم تولد بعد، بينهم 426 طفل ذنبهم الوحيد أنهم يقطنون في غوطة دمشق، كما بلغ عدد المصابين حوالي 3600 مصاب بعضهم مازال يعاني إلى اليوم من حالات عصبية نتيجة استنشاق تلك الغازات السامة، ذهب هؤلاء الشهداء وذهبت جثامينهم ولم يبقَ لنا سوى قصصهم التي سيرويها التاريخ على مرّ الزمان وتتواردها الأجيال عبر العصور.

فهل سيُحاسَب الجلَّاد يومًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد