تعتبر مدينة حماة وسط سوريا من أوائل المدن التي ثارت ومازالت ضد نظام البعث منذ بداية استلامه زمام السلطة عام 1963 أو كما بات يعرف بثورة الثامن من مارس (آذار) التي مكنت حزب البعث من اعتلاء السلطة في سوريا.

شهدت مدينة حماة بعد ذلك احتجاجات عدة على تسلط البعث الحاكم في السلطة حيث بقيت الأمور هكذا حتى استلام الأسد الأب لمقاليد الحكم في سوريا عقب انقلاب عسكري أسمى تصحيحًا لمسار البعث في سوريا على حد تعبيره في عام 1970، وليتغنى حزب البعث بتلك الحركة التصحيحية، التي أصبحت مناسبة وطنية فيما بعد.

لم يقبل أهالي حماة بتلك الحركة وازدادت احتجاجاتهم وبلغت أوجها في عام 1982 عندما أقدم الأسد الأب ومن معه على قصف المدينة بالمدفعية والدبابات وارتكاب أكبر مجازر العصر، حيث أبيدت أحياء كاملة وقتلت عوائل كاملة.

زاد عدد شهداء مدينة حماة آنذاك عن 80 ألف شهيد وعشرات الألاف من المعتقلين لايزال مصير البعض منهم مجهولًا ليومنا هذا ناهيك عن عدد كبير جدًا من المهاجرين والنازحين في ظل صمت محلي وعربي وعالمي آنذاك.

 بعد رحيل الأسد الأب واستلام الابن مقاليد الحكم في البلاد في مهزلة تعديل الدستور ليناسب عمر الابن وسط تصفيق حار من مجلس الدمى السوري ومع انطلاق شرارة الثورة التي أشعلتها أنامل أطفال درعا كانت مدينة حماة من المدن السباقة للالتحاق بركب الثورة السورية.

حيث شهدت مدينة حماة أكبر مظاهرة في تاريخ الثورة والتي باتت  تعرف بمليونية حماة في أكبر ساحتها وعلى ضفاف النهر الذي ارتبط باسمها ألا وهي ساحة العاصي التي ارتوت بدماء المتظاهرين، ولاسيما في جمعة أطفال الحرية التي راح ضحيتها أكثر من 200 متظاهر سلمي حملوا وقتها أغصان الزيتون ليدللوا على سلميتهم لكن قوات الأمن وقطعان الشبيحة ممن عدموا من الإنسانية والسلام كان لهم حديث آخر عندما فتحوا نيران بنادقهم اتجاه ما يقارب 700 ألف متظاهر وقتها ليسبح بعدها المتظاهرين بدماء شهدائهم التي غطت معظم الشوارع المؤدية لساحة العاصي.

ظن النظام وقتها أنه سيقضي على مظاهرات حماة الكبيرة ليفاجئ أبناء حماة قوات الأمن ورئيسهم بمظاهرات مليونية أكبر من سابقيها.

لم تدم مظاهرات حماة طويلًا، وخشية النظام الذي خبر حماة مسبقًا وخوفًا منه من تكرار أيام الثمانينات عمد إلى السيطرة على المدينة بكل ما أوتي من قوة حيث تم اقتحام المدينة في 31 يوليو (تموز) 2011 بالمجنزرات والدبابات في منظر يعيد لأذهان الحمويين اقتحام المدينة في الثمانينات وكالعادة ارتكبت قوات النظام مجزرة راح ضحيتها أكثر من 300 شخص من أبناء المدينة واستطاع التمركز في المدينة وبسط سيطرته عليها بشكل كامل حيث بقي الثوار فيها مدة من الزمن، لكنهم اضطروا للخروج منها بعد عام ونصف، وكانت وجهتهم الشمال السوري.

ريف حماة يقود الحراك الثوري في المحافظة:

عقب خروج ثوار مدينة حماة كان الريف الحموي المنتفض في ثورة الكرامة 2011 وأصبح  قائدا للحراك الثوري فيها ومنطلقًا لعمليات ثوار حماة ريفًا ومدينة، وكانت قد انتفضت معظم مناطق الريف شمالًا وجنوبًا وغربًا وشرقًا.

في الشمال تصدرت مدينتي كفرزيتا واللطامنة المشهد، وكانتا ولم تزالا صمام الأمان لباقي الشمال المحرر، يضاف إليهما مدينة مورك التي تدمرت على أعتابها أكبر أرتال قوات الأسد، إضافة لبلدات كفرنبودة والزكاة ولطمين وغيرهم من البلدات الثائرة.

غربًا شكلت مناطق الغاب وشحشبو مناطق حاضنة للثورة والثوار وقدمت الغالي والرخيص في سبيل ذلك.

شرقًا من بلدة عطشان، وصولًا للخط الشرقي للحدود الإدارية لمحافظة الرقة شهدت هذه المناطق انتفاضة واسعة بوجه الأسد، لكن معظمها سقط مؤخرًا بيد قوات الأسد وبعد سيطرة قوات تنظيم  الدولة على تلك المناطق التي خسرتها لصالح قوات النظام.

جنوبًا قدمت بلدات عقرب وطلف وحرب نفسه وتقسيس والدمينة نموذجًا رائعًا بتحدي نظام الأسد، خاصة أنها كانت محاطة بشريط من القرى الموالية، لكن تلك القرى وثوارها انتهى بهم المطاف بالتهجير القسري من بلداتهم في العام الحالي.

أهمية حماة بالنسبةللنظام

 تعتبر حماة في قلب سوريا حيث تشكل عقدة وصل بين باقي المحافظات حيث جعلها النظام كقاعد عسكرية تخرج منها الأرتال باتجاه حمص وحلب وإدلب والساحل.

 تحتوي حماة على مطار عسكري أصبح من أكبر الثكنات في المدينة حيث أصبح يضم فرعا للمخابرات الجوية ويوجد بداخله معتقل كبير وتحول المطار فيما بعد كمركز لمستودعات البراميل المتفجرة كما يعتبر هذا المطار مركزًا رئيسًا للقوات الإيرانية بحماة.

وتحتوي حماة أيضًا مركزا للبحوث العلمية ومعامل الدفاع في ريفها الجنوبي، ويشكلان مع لواء 47 مركزًا لقوات الأصدقاء الإيرانية التي دخلت سوريا إبان الثورة، والذي تعرض مؤخرًا لغارات إسرائيلية.

هذا وتحتوي حماة العديد من القرى من الطائفة الموالية، سواء المحيطة بحماة كقرى رقيطة وأرزة و الربيعة أو المنتشرة في ريفها الغربي كسلحب ومصياف التي شكلت بيئة خصبة للشبيحة والميليشيات الموالية وغيرها يضاف إليها بلدة قمحانة التي أظهرت ولاء منقطع النظير فاقت به أولاء أبناء الطائفة.

 الميليشيات التي يحكم بها النظام مدينة حماة

تعددت الميليشيات في مدينة حماة وإن كانت كلها تتبع للنظام إلا أنها مقسمة بحسب تسمياتها يأتي على رأس تلك الميليشيات.

– ميليشيا صقور الصحراء بقيادة العميد سهيل الحسن وهي خليط من قرى موالية يضاف إليها البعض من أبناء بلدة قمحانة.

– ميليشيات الدفاع الوطني التي تشكلت حديثا عقب اندلاع الثورة، ونظرًا للنقص الكبير الذي حل بجيش النظام نتيجة انشقاق أعداد كبيرة عن ذلك الجيش، واعتمدت تلك الميليشيات في حماة على أبناء الطائفة العلوية بالدرجة الأولى يضاف إليها أبناء مناطق محردة والسقيلبية وكفر بهم وأيو من أبناء الطائفة المسيحية، كما انضم أبناء الطائفة الإسماعيلية في مناطق سلمية أيضًا بعد شحن الجميع طائفيًا وانصهارهم في بوتقة واحدة ومسمى واحد.

– ميليشيا نسور الزوبعة التابعة للحزب القومي السوري بقيادة علي حيدر المخالف أساسًا لمبادئ حزب البعث كان لها حضور أيضًا ضمن الميليشيات التي تحكم مدينة حماة.

– ميليشيات فلسطينية تابعة لأحمد جبريل هي الأخرى أخذت موقعًا لها في مخيم العائدين بقلب حماة يضاف إليهم شبيحة من أبناء حماة نفسها بقيادة الشبيح طلال الدقاق صاحب الصيت السيئ الذي تسبب بمقتل العديد من أبناء مدينته مع شبيحة أحمد الشلة من قرية عين الكروم، واللذان شكلا مؤخرًا عصابات تمتهن الخطف مقابل الفدية في محافظة حماة والتي كثيرًا ما انتهت بحوادث قتل بعد عدم دفع الفدية من ذوي المخطوف أو التأخر بذلك.

– ميليشيات تابعة لعضو مجلس الشعب أحمد درويش شيخ عشيرة بني عز أيضًا كان لها سلطة في مدينة حماة ويضاف إليهم عدد من شبيحة إدلب وأريحا وحارم ممن فروا من مناطقهم عقب تحريرها على أيدي جيش الفتح عام 2015 وآخر زوار مدينة حماة القوات الروسية التي اتخذت العديد من النقاط في قلب المدينة أو ريفها المحتل.

أساليب النظام في حكم المدينة وتغييرها ديموغرافيا:

 النهب والسرقة والاستفزاز هي السمة الأبرز لحكم تلك الفئات من الميليشيات الآنفة الذكر لمدينة حماة حيث يعيش السكان تحت رحمة تلك الشبيحة التي تفرض الآتاوات والسرقات تحت ما يسمى مهمة وطنية أو حماية الوطن من الإرهاب والإرهابيين حيث سجلت العديدمن حالات السرقة لمنازل المواطنين وعند الذهاب للحواجز والأفرع بغرض الشكوى يقابل كل ذلك بسيل من الشتائم والاتهامات أو التنصل من كل تلك الأمور بأن تلك الفئات لا تتبع للأفرع الأمنية.

 الظاهرة الجديدة في حماة هي احتلال الشبيحة القادمين تلك الفئات لمنازل المدنيين الغائبين عنها، سواء أكانوا ثوارًا أم مهجرين.. فخلو المنزل من أصحابه سبب كفيل لاحتلاله وهذا الإجراء وحده يصب في خانة تغيير ديموغرافية المدينة المحافظة واستبدالها بطبقات وشرائح غريبة عنها وعن عاداتها وتقاليدها.

 أهالي حماة وبعد  معارك تحرير ريفها لايزالون يتأملون بفارغ الصبر لوصول أبنائها المغيبين عنها قسرًا لتخليصهم من تلك الفئات التي طالما عاثت فسادًا فيها وليعيدوا لها مكانتها الطبيعية التي تربت وعاشت عليها.

كما ما تزال مدن وبلدات ريفي حماة الشمالي والغربي الدرع الحصين للشمال السوري وليبقى الريف الشمالي (كفرزيتا – اللطامنة وما حولهما) يتحمل كل أنواع القصف رغم كل اتفاقيات خفض التصعيد التي أبرمت حتى يومنا هذا في سبيل الحرية والكرامة ودفعوا ثمن ذلك دمار مدنهم وتسجيل أطول فترة نزوح لهم متمسكين بمبادئ الثورة التي آمنوا بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

اتحاد ثوار حماة مركز حماة الإعلامي صفحة نبض حماة
عرض التعليقات
تحميل المزيد