عاش الوطن العربي تحت الاستعمار فترة طويلة من الزمن، وكانت الدول العربية مقسمة، فبعض الدول تسيطر عليها بريطانيا وبعضها فرنسا، والبعض الآخر إيطاليا وهكذا، إلى أن رحل الاستعمار بشكل صُوري عن الوطن العربي، لكنه ما زال موجودًا بأشكال أخرى منها الاقتصادي والفكري، وأبشع صور الاستعمار أنظمة الحكم التي تحكم الوطن العربي، فهي أنظمة أتى بها الاستعمار لتحل مكانه.

إنَّ جميع الأنظمة العربية اتبعت وتتبع نهجًا واحدًا في الحكم وهو القمع والقتل والسجن والتخويف والملاحقة وتكميم الأفواه، ولم يأتِ نظامٌ واحدٌ يحترم شعبه ويعاملهم بالطريقة التي تعامل بها الشعوب الأوروبية.

في الوطن العربي كل حاكم يعتقد أنَّ الدولة التي يحكمها هي ملك له ولعائلته، وأنَّ الشعب خدم عنده أو أنهم وحوش يجب قتلهم أو تعذيبهم. فمسلسل القمع يبدأ في الوطن العربي من إرهاب الشعب وتكميم أفواه المثقفين والمؤثرين من الشعب، ومنع الأحزاب أو السيطرة على الأحزاب، ومن ثم يبدأ القمع والردع والاعتقال، حتى لا يفكر المواطن إلا بلقمة العيش وأن لا يعترض، «وأن لا يفتح فمه كما قال محمد الماغوط إلا عند طبيب الأسنان».

إن كان الوضع هكذا، فنعم نحن في دولة عربية قمعية ذات نظام مستبد جائر.

بالعودة إلى مضمون العنوان، فالحديث هنا عن سوريا العربية وليست كما يسميها البعض سوريا الأسد؛ لأنَّ الأسد يجب أن يكون موظفًا عاديًا في الدولة لخدمة الشعب، هذا لو كان الرئيس ونظامه ديمقراطيين يحرصون على خدمة الوطن والمواطن. ولكن في الواقع هذا ليس موجودًا، فقبل بشار الأسد كان حافظ الأسد يستخدم النهج ذاته، من اعتقالات وحرق للسجون وقتل وتعذيب، والكل يعرف أنَّ السجون السورية الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود.

بعد رحيل حافظ الأسد تم تعديل الدستور السوري ليتناسب مع مقاس بشار الأسد، فأصبح حاكمًا جديدًا لسوريا وهذا كله حتى لا تفلت سوريا من يد عائلة الأسد، ولم تصبح سوريا أفضل حالًا مما كانت عليه في عهد حافظ، فالفقر والبطالة ومستقبل الشباب المحطم وأحلامهم المقتولة كل هذا ما زال موجودًا.

تراكمات السنين أدت في النهاية إلى تفجر أزمة كبيرة بين الشعب والنظام، فكل دولة فيها المؤيد والمعارض والمحايد ولكن لم يُرض بشار الأسد أن يكون هناك معارضة له، بل أراد أن يكون الشعب كله يهتف لنظام البعث.

هذه الأزمة التي تفجرت في وجه النظام كانت صعبة عليه حقًا، وأدخلته في حالة الصدمة العارمة التي هزت كيان نظام حكم دكتاتوري قمعي، لا يجيد غير استخدام القوة.

فما كان من النظام غير استخدام القوة المفرطة في قمع التظاهرات والاحتجاجات حتى دخلت الأزمة مرحلة جديدة، وهي دخول قوات مسلحة إلى سوريا مما أدى إلى تصاعد الأزمة وابتعادها عن هدفها الرئيسي بعض الشيء.

دخول داعش والقوى المسلحة التي هدفها السيطرة والقتل والنهب، جعل النظام السوري يجد له مخرجًا من أزمته، وهو ضرب المدن السورية وقصفها وقتل ساكنيها، وهذا كله يتم تبريره بأنَّ النظام يحاول ضرب داعش وجبهة النصرة، والغريب في الموضوع أن الذين يُقتلون هم من المدنيين، مما أدى إلى خروج الكثير من السوريين إلى أوروبا وبعض الدول العربية هربًا من سبي داعش ومن نيران الأسد.

في كل مجزرة يقوم بها نظام الأسد ضد المدنيين يبرر القتل بأنه يلاحق الإرهابيين في سوريا، ويحق للشعب السوري والفلسطيني أن يسألوا نفس السؤال إن كان النظام السوري يمتلك كل هذه الأسلحة والقوة العسكرية، لماذا يُسمي نفسه نظامًا ممانعًا وأنه نظام المقاومة مع أنَّ إسرائيل احتلت الجولان منذ عام 1967 ولم يُطلق النظام الممانع طلقة باتجاه الجيش الإسرائيلي أو أن يفكر بينه وبين نفسه في تحرير الجولان، وفي المقابل يقوم بتدمير سوريا كاملة وقتل أبناء شعبه.

سوريا ليست غابة، وعلى الأسد أن يعلم أنَّ سوريا للسوريين، وأنه مهما قتل ودمر وهجَّر فستبقى سوريا عربية، وأنَّ القمع ليس نهجًا في حكم الشعوب، فالشعوب بحاجة إلى نهج يقوم على مبدأ احترام الآخر والديمقراطية والمشاركة السياسية وتعدد الأحزاب.

إن آخر مجازر النظام السوري هي مجزرة حلب، ولا يمكن أن يصدق عاقلٌ أنَّ النظام يلاحق الإرهابيين في حلب، فالذين قتلوا هم من الأطفال والنساء وأطباء، والقصف بالبراميل المتفجرة كان يستهدف أماكن سكنية ومستشفيات، فهذا المشهد يذكرنا كيف كانت إسرائيل تقصف غزة وتقتل الأطفال، وكيف قُتل أطفال قانا، وصبرا وشاتيلا.

ويبدو أن الذين يقصفون حلب والذي أمرهم بقصف حلب وإحراقها لم يقرأ التاريخ جيدًا، ولم يقرأ أنَّ حلب بعد كل أزمة تعود من جديد أقوى مما كانت عليه.

بشار الأسد يريد سوريا خالية من جميع السكان، ليعلن قيام مملكته ويسميها مملكة عائلة الأسد، ويريد ممن يؤيدونه أن يكونوا تابعين له وتحت إمرته، يتصرفون وينفذون الأوامر التي يُمليها عليهم، مثلما ينفذ هو الأوامر التي تُملى عليه من روسيا وإيران.

إن الحال الذي وصلت إليه سوريا لا يمكن أن يتم السكوت عليه، فعلى المثقفين أن يقولوا كلمتهم وأن يوصلوا صوتهم، وعلى المجتمع الدولي أن يقف مرة واحدة مع الإنسانية التي تنتهك في سوريا، وعلى «بان كي مون» أن يحول قلقه إلى أفعال وقرارات توقف شلال الدم والمجازر في سوريا.

في النهاية، إنَّ الشعوب العربية هي شعوب مثقفة ومتعلمة، ويمكن أن تكون المنطقة العربية وشعبها من أفضل المناطق وأن تتقدم على أوروبا وأمريكا، لكن هذا يحتاج مقومات النجاح والصعود، وتحتاج إلى الحرية؛ حرية التفكير والاعتقاد والانتماء، تحتاج إلى من يقف جانبها ويدعمها لا من يقتلها ويعتقلها ويهدد أمنها.

إنَّ المنطقة العربية تعيش في حالة من السواد الذي يسبق بزوغ الفجر، ذلك الفجر المُشرق الذي سيقضي على كل الماضي الأليم الذي عشناه والحاضر الذي سيصبح غدًا ماضيًا، وأنَّ الظلم والظالم إلى زوال، ودائما يُعلمنا التاريخ أنَّ الحق سينتصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد