يقول المثل العربي: الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، لكن بعض أجهزة الأمن العربية لها رأي آخر، وقصة «فرج الله الحلو» الشيوعي اللبناني مع أجهزة الأمن السورية مثال على ذلك.

ليس صحيحًا أن الحزب الشيوعي السوري كان يرفض قيام وحدة مصرية سورية، بل كان يدعو إلى قيام وحدة فيدرالية بين البلدين بحيث يتم توحيد الجيش والاقتصاد والسياسة الخارجية، على أن تحتفظ كل دولة بحكومتها المحلية وبرلمانها المنتخب، وأحزابها، ولذلك فإن الحزب رفض الوحدة الكونفدرالية الاندماجية التي تم تأسيسها عام 1958، وظل يعارضها حتى الانفصال بعد ثلاث سنوات ونص.

وكان «خالد بكداش» زعيم الحزب الشيوعي هو العضو الوحيد الذي غاب عن جلسة البرلمان السوري عند التصويت على قيام دولة الوحدة، بل إنه غادر دمشق هاربًا إلى صوفيا، عاصمة بلغاريا، خوفًا من الاعتقال على يد أجهزة الأمن.

وقبل أن يسافر أوكل أمور الحزب إلى «فرج الله الحلو» أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني، الذي كان على صلة كبيرة بكوادر الحزب وأعضائه في كل أنحاء سوريا.

وكان «الحلو» يتسلل بين الحين والآخر لسوريا متخفيًا لينسق خطوط حزبه وبرنامجه وأهدافه، وفي يوم 25 يونيو 1959 دخل إلى سوريا عبر الطريق البري من لبنان ولم يظهر له أثر بعدها.

ومنذ ذلك اليوم وحتى وقوع الانفصال في سبتمبر 1961 ظلت أجهزة الأمن في الجمهورية العربية تنفي نفيًا تامًا وقاطعًا أية صلة لها باختفاء الزعيم الشيوعي، أو أنه دخل الأراضي السورية. واستغل الحكم الانفصالي قضية «فرج الله الحلو» للتشهير بحكم الوحدة، وشكل لجنة تحقيق أمنية لتتكشف الحقيقة في المصير الغامض للرجل.

والذي حدث أن أجهزة الأمن قبضت على أحد أعضاء الحزب الشيوعي السوري واعترف – تحت وطأة التعذيب – أن «الحلو» سوف يدخل سوريا تحت اسم مستعار «عساف منصور، وأنه سيقابله بعد أيام في أحد بيوت الحزب السرية، وعلى الفور تم إعداد كمين له في ذلك البيت وألقي القبض عليه، ونقلوه إلى أحد مراكز التحقيق، وهناك تعرض الرجل لكافة أشكال التعذيب: الضرب، الجلد، والنفخ بمنفاخ هوائي، لكنه صمد ولم يفتح فمه بكلمة ليشي بزملائه أو يفصح عن المقرات السرية للحزب.

ورغم معرفة معذبيه بأنه مريض بالقلب، فإن ذلك لم يرحمه، ولم يشفع له عند جلاديه حتى مات بسكتة قلبية.

وعندما علم قائد ذلك المركز «سامي جمعة» بذلك اتصل على الفور بـ«عبد الحميد السراج» وزير الداخلية الذي رفض توقيع الكشف الطبي على القتيل أو إصدار شهادة وفاة له وأمر مرؤوسه بأن «يدفروا» الرجل، أي يدفنوه بدون ضجيج!

وقرر الضباط الثلاثة الذين تناوبوا على التعذيب وهم: سامي جمعة، عبد الوهاب الخطيب، ووجيه أنطاكلي دفنه في منطقة مهجورة بعيدًا عن مركز التحقيق، وبالفعل نقلوا جثة «فرج الله الحلو» في سيارة فورد زرقاء كانت – ولسخرية القدر– مملوكة لخالد بكداش زعيم الحزب الهارب قبل أن تصادرها السلطات السورية.

وبعد أيام من الدفن تنبه أحدهم أن الكلاب نبشت قبر الرجل وخاف من افتضاح الأمر، وكان القرار النهائي هو إذابة الجثة في الحمض للتخلص نهائيًا من ذلك المزعج.

وتم تكليف الرائد وجيه أنطاكلي بالمهمة، وتم شراء كمية من حمض الكبريتيك المركز «ماء نار» واستخرج الجثة وقطعها بمنشار إلى أجزاء في أكياس بلاستيك، ووضعها لمدة يومين في «بانيو» حمامه الشخصي حتى ذابت كلها، وانتشل الماء ليروي به الورود في حديقة بيته!

فيما بعد حوكم الضباط الثلاثة، لكن الوحيد الذي تمت إدانته هو «وجيه أنطاكلي» حيث تم معاقبته بالسجن المؤبد وخرج بعدها ليلقى مصرعه في حادث سيارة غامض، وأما عبد الوهاب الخطيب فقد استقر في مصر وافتتح مشروعًا سياحيًا، وتم عزل سامي جمعة من منصبه ويعيش إلى الآن في سوريا، أما عبد الحميد السراج فتم القبض عليه لكن المخابرات المصرية استطاعت تهريبه لمصر بأمر مباشر من جمال عبد الناصر، الذي منحه الجنسية المصرية ومعاشًا استثنائيا حتى نهاية حياته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

خرافة فرج الله الحلو- صلاح عيسى
عرض التعليقات
تحميل المزيد