لا تخطئ عين الناظر في أي ديوان أدب أو دراسة شعرية غرضًا درج الشعراء والأدباء على الإكثار فيه، وهو الشوق والحنين؛ ثم تتفرع بهم أودية الكلام عن الشوق لأي شيء يكون من الوطن إلى الوالدين أو الزوج أو المحبوب أو الأصحاب.

وكثيرون يكتبون في هذا، فإن مررت بكلام كثيرين منهم دون أن يقطع عليك قراءتَك شيءٌ فإنك لا محالة مصدوم بآخرين يتنقل بصرك في صفحاتهم فتذهب معهم وما تشعر إلا والدمع يغسل خدّك، فتتذكر حينها أن النائحة الثكلى ليست كالمستأجرة، وأنه

لا يعرف الشوق إلا مَن يكابده … ولا الصبابة إلا مَن يُعانيها

وكثيرًا أيضًا ما نستشهد في حياتنا به هنا أو هناك لمعناه بذاته أو لقريب منه، وأصدق منه قول الباري جلّ في علاه: وتلك الأيام نداولها بين الناس؛ وأيام الله كثيرة، فننظر في كل يوم منها حسب اليوم الذي نعيشه نصرًا وفرحًا، أو عكس ذلك.

قد كان مما درسناه في المدارس وتوسعنا بدراسته في الآداب ما عُرف في تاريخنا بأدب المهجر، وكانوا يعنون به ما قيل من أدب على لسان الأدباء والشعراء العرب الذي قذفت بهم الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية خلف البحار في أوربا وأمريكا بداية القرن العشرين، وحسب الدراسة المغلقة في أكثر الجامعات والمدارس لم ينطلق فكرنا إلى أن هذا النوع من الأدب مفتوح الصلاحية، لا تنتهي صلاحيته ما دام في الوجود هجرة ومهاجرون ومهجَّرون، والأبعد منا يومذاك أننا سنكون كما كانوا، ليدرس نتاجَنا جيل قادم على أنه من (أدب المهجر).

ومن الصور المتصلة التي أذكرها كلامٌ لأبي رحمه الله عن خالٍ له نصراني – وكانت جدتي لأبي قد أسلمت وتركت أهلها – هاجر إلى الأرجنتين، وبعد عقود جاءت ابنة له وزارت عمّتها جدتي يوم فازت بجائزة لتفوقها فاختارت وجهة لها في رحلتها أن تكون إلى سوريا والشام موطن أهلها، وما زال كلامه عن حفاوة استقبالها ورفيقتها – رغم اختلاف الدِّين والعادات وتباعُد الزمان بين هجرة أبيها وزيارتها موطنَه – في أذني، وإن لم أكن أفهمه جيدًا حينها.

واليوم نحن – السوريين – أكثر تشظّيًا في البلدان من العرب حينها، وأسوأ حالًا منه بكثير؛ فتلك ساقها الحنين إلى أرض آبائها وأجدادها، فركبت البحر الذي قذف بأهلها في البعيد وعادت وإن زائرة إلى الموطن الأصلي، واليوم يقتلنا الحنين فنفتح ألبوم الصور لننظر الوطن؛ لعل ألمًا يسكن وشوقًا قاتلًا يسكت، فينبعث جديدًا يأبى أن يندمل.

يأتيني ولدي وعلى غير ميعاد: أبي لنذهب لزيارة خالتي أم حسان فقد اشتقت كثيرًا لحسان؟ يا ولدي: خالتك في لبنان، ولا يمكنها السفر إلينا، ولا نقدر أن نسافر إليها! طيب بابا، (خلّي الرئيس أردوغان يروح وياخد لبنان حتى نزور عماتي ونجتمع فيهم)!

أرسلها هكذا ببراءة وعفوية دون حدود ومن غير تنميق أو طويل تفكير، ولم يفهم ما يقول، لكنه تابعَ ما رآه في عفرين وكيف اجتمع الناس بأهليهم بعدما دخل العثمانيون الجدد مناطق عبث بجغرافيتها وديمغرافيتها بعض الدُّمى، فلما واجهه أبوه بما لا يمكن حلّه أسرج ظهر خياله وخرج بهذا الحل.

أبكاني بكلمته لما أشعرني مجدّدًا بالعجز عن اللقاء بأخواتي وأقاربي وأصحابي في بلدٍ نحسبه قريبًا لنا، لكن ابتلعته عصابة فارسية الهوى والولاء، لم يُشبع نهمَها للإجرام ما اغتصبت من أرضٍ وعِرضٍ في سوريا، لتكمل جريمتها بالسوريين في لبنان.

وأفرحني الفتى – وقد أبكاني – أنه تذكّر ما خفت كثيرًا أن ينساه، ولم أعرف ما الذي دفع إلى ذهنه بابن خالته دون سبب، وهو الذي ما رآه منذ نحو سبع سنوات. فقلت لأختي: اليوم أطمئنّ أنه إن متْنا وكلٌّ في بلد فبعون الله يذكر الأولاد بعضهم!

إنه الشوق! الشوق الذي حمل كثيرين من أبناء المهاجرين الأوائل وأحفادهم لزيارة مواطن أهليهم بعد عقود، وإن تغيّرت الأهواء والعادات، بل وربما الدِّين.

الشوق الذي لا يعترف بالحدود الزمانية ولا المكانية، فيشتاق الطفل للطفل وإن بعد سنوات، ولما أن تحجزه الحدود السياسية عن إطفاء شوقه فيقف على الخارطة ليمحوها بممحاة طفولية بريئة لا يجرؤ الكبير على التفكير – فضلًا عن التصريح – بها.

الشوق الذي لا تُطفئ نارَه وسائلُ التواصل الاجتماعي، التي تشعر للحظة أنها اختُرعت لتضحك علينا كما تضحك الأم على ابنها وقد فُطم، فترضعه قطعة من الراحة فيسكت، وكذا مَن يسكت شوقه عبر كلمات أو صور أو مقاطع في الـ(واتس آب) وأخواته، فالشوق لا يُسكنه على قول أحدهم إلا عناق تشمّ فيه مَن تحتضن لتختلط أضلاعك بأضلاعه ودموعك بدموعه.

فلنقرأ على أولادنا قصص الحنين، ولنُطربْهم بنحو هذا النوح:

يا دهرُ قد طالَ البُعادُ عن الوطن
هل عَودةٌ تُرجى وقد فات الظَعَن
عُد بي إلى حِمصٍ ولو حَشوَ الكَفَن
واهتِف أتيتُ بعاثِرٍ مَردودِ واجعَل ضريحي من حِجارٍ سُودِ

ولنتصفّح معهم صور الأهل والأقارب وأولادهم، ولنجعل في صدارة ما يطالعون من الأخبار قبل الأندية والمشاهير والسياسة أخبار الوطن والأهل في بلدان الشتات، لتنمو معهم غراس الشوق لبعضهم؛ فلعل ما عجزنا عنه يقدرون على تجاوزه، فيجتمع الشمل بعد مماتنا إن متْنا وفي القلب لوعة وفي الحلق غصة أنْ لم يجتمع في حياتنا.

لنشرح لهم أن حدود الدول وإن قويت فهي أعجز من أن تصادر المشاعر، وأضعف من أن تمنع الشوق من عبورها، وكذا الزمن يمحو الناسَ لكنه يعجز عن محو آثارهم ومشاعرهم، فيموت مَن يموت والناس مِن بعده تتحدث أنه مات وفي قلبه شوق للقيا أهله وصحبه، فالزمن أضعف على قوته وسطوته من أن يطفئ نار الشوق للأهل والأحبة.

لنعلّم أبناءَنا في الشتات أن يقين يعقوب بعودة يوسف عليهما السلام كان يوقد شعلة الحياة في نفسه، وإن كُفّ بصره وطعنَ في عقله أبناؤه لفرط وق ويقينه بعودة ابنه، لكنّ مناديًا فيه كان على الدوام يناديه أن البشير لابد أن يأتيه يومًا ليرمي عليه ما يُذهب ألم الشوق لابنه ويمسح آثام الأولاد الذين أجرموا بحق أخيهم، ويجتمع الشمل وتلتئم الجراح وتتحقق الرُّؤى والأماني.

فمهما طال الاغتراب والشتات، ومهما فقدنا من الأحبة وابتُلينا بالصعاب؛ فلابد أن يأتينا البشير يومًا بخبرٍ تبتهج له النفوس، ويمسح ببرد اللقاء بالأحبة كل أوجاع الحنين، فالمهم ألا تنطفئ جذوة الشوق فينا وفي أولادنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد