تسارعت وتيرة الأحداث السورية، على وقع خسارة تنظيم الدولة عاصمة الخلافة خاصته في الرقة السورية، لتتجه العيون نحو دير الزور تمهيدًا لتكرار ذات المصير، وعلى الضفة الشمالية في إدلب تشهد تطبيق تفاهمات ثنائية بنظريات تخفيف التصعيد للمنطقة الربعة بين أنقرة وموسكو.

وباختصار للمشهد العسكري قد يبدو للسوريين بالوهلة الأولى أن ملامح تسوية سياسية قد لاحت في الأفق، لا سيما بعد تصريحات الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» في 21 الشهر الحالي، حيث قال: إن بلاده تتخوف من تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ، وأعقبها نية عن عقد ما يسمى مؤتمر الشعوب الوطني في حميميم الروسية، لإجراء صفقة نهائية بين المعارضة والنظام على أساس المصالحة الوطنية، وإن صح القول «عفى الله عما مضى» ترجمة للنية الروسية، ويُضاف للمشهد السوريالي ما أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب تحرير مدينة الرقة بأن سوريا بعد الرقة مقبلة على مرحلة جديدة، وهو ما بدا بأن واشطن بدأت بهندسة رؤية كاملة، لكن ليس بحثًا عن حلول سورية قريبة، وإنما عن مستقبل الشرق الأوسط الجديد، وسوريا ونهايتها كدولة ذات سيادة وتفكيكها من الداخل هي حلقة صغيرة ضمن البرنامج الكامل الموصول بين العراق وسوريا ولبنان وصولًا لليمن وليبيا وللخليج العربي.

مؤشرات كثيرة تتضح اليوم بالمشهد العربي تقودنا لعدم التنبؤ بنية أمريكا بتحقيق استقرار، فبعدما مضت إدارة أوباما بنشر الفوضى واستلمت إدارة الأزمات توقع الكثيرون أن إدارة ترامب ستنهي هذا العبث، إلا أن ترامب أكمل بنفس السياق ولم ينفذ شيئًا من وعوده، ولم تنل الشعوب العربية المتعطشة للتحرر من ترامب غير تصريحات وجعجعة بلا طحين. ترامب هو شخص «للفوكسات» والترويج الإعلامي أما المديرون هم من يديرون الملفات من خلف الستار، ولأن سوريا شارفت على الانتهاء كليًا، تم تحريك المياه الراكدة بين الكرد والعرب في قضية كردستان العراق وسبقه تفعيل الأزمة في الخليج وإدارة الأزمة في اليمن وتأسيس قنابل موقوتة في مصر عن طريق السيسي، وهذه الملفات بحسب سياقها التاريخي تطول لعقود لأن الهدف منها استمرار الفوضى واستنزاف موارد الدول للإبقاء على الهيمنة الأمريكية كقوة أحادية في العالم، مع العلم حتى هذه النظرية بدأت تتكسر قواعدها مع صعود قوة منافسة لأمريكا كروسيا والصين، لكن الأخيرة تسعى لهلاكهم من بوابتي سوريا والعراق.

وبالنسبة لروسيا لم يغب عنها واقعية المشهد، فهي على الرغم من تحالفها مع أمريكا في الكثير من الملفات، إلا أنها بقيت متيقظة على عدم وجود ثوابت، واللعب دومًا يكون على المتغيرات، ففي سوريا مما حققته روسيا على مدى عامين أكسبها زخمًا دوليًا واستطاعت أن تفرض دورها كقوة فاعلة، عبر العمل بالتوازي على مسارين الأول عسكري، استطاعت به حصد أكبر عدد ممكن من أرواح السوريين، واستنسخت مجازرها في غروزني والشيشان، في إدلب وحلب التي رست لصالحها بصفقة علنية لن تمحى من ذاكرة السوريين نهاية 2016، ومخطئ من يعتقد أن روسيا دخلت لشيء وأصبحت تقوم بشيء آخر فهي منذ اللحظة الأولى تُراهن على وأد ثورة السوريين وتستمر بهذا السيناريو حتى كتابة هذه السطور .

وعلى صعيد المسار السياسي افتعلت مسار أستانة «للالتفاف على شرعية السوريين الوحيدة في جنيف» وفرضت مناطق خفض التوتر باعتبارها بديلًا عن المناطق الآمنة واستمالت الفصائل ضعيفة النفوس المعروفة بفصائل أستانة وشرعنت من خلالهم مجازرها في إدلب وريف حمص والغوطة الشرقية.

في الحقيقة لا ندري عن أي اتفاق رباعي للتصعيد يتحدثون، وهي بشكل فعلي لم تنجح إلا في الجنوب بناء على رغبة إسرائيلية بتحييد إيران عن مناطق نفوذ إسرائيل، أما في ريف حمص لا وجود لمصداقية الاتفاق والتضيق والخناف والخروقات ما زالت مستمرة ولم تنجح كل المؤتمرات والمفاوضات بنتيجة تذكر في ريف حمص مع الوفود الروسية والنظام في دمشق ووفود الممثلة للتفاوض عن ريق حمص، والمعضلة الكبرى في اتفاق ريف دمشق حيث الخناق والتضيق وتسليط سلاح الجوع العنوان الأبرز، وأهالي الغوطة يعيشون أيامهم الأصعب منذ انطلاق الثورة في 2011.

بيد ما يخص محافظة إدلب حتى اليوم لم يتضح إلى ما ستؤول إليه التفاهمات بين كل الأطراف الضامنة «روسيا وتركيا وإيران».

عند هذا الحد تقف روسيا عاجزة عن تحقيق أي اختراق سياسي، أو الوصول لصيغة تكاملية لحسم الصراع السوري وفرض دستور وحل روسي يشرعن لها الانتداب، ليس لأنها لم تتمكن من إسكات صوت البنادق وليس لأن الانتداب غير موجود، بل لأنها تحتاج إلى اعتراف دولي بشرعنة هذا الانتداب.

ولأن روسيا أدركت أن مساري أستانة وجنيف لن يفضيا إلى انتزاع هذا الصك، كون أن واشنطن غير مكترثة بأستانة بالأصل وتكتفي دوما بإرسال مندوبين، ولأن أستانة بالأساس قد أخذ مداه في تخفيف وتيرة القصف وتهدئة الجبهات ورسم مبدئي لمناطق النفوذ ، إلا أن هذا غير كاف بنظر الروسي ولن يحقق لها حل نهائي يضمن لها بقاءها في سوريا مدى الحياة، فسارعت إلى ممارسات سياسية بالقفز فوق المساريين بالتحضير لمؤتمر الشعوب لتحقيق قفزة نهائية تجمع بها شتات المعارضة والنظام وتسخرهم في خدمتها داخل سوريا عن طريف تشكيل معارضة داخلية، إلى جانب تدوير المجالس المحلية لتنفيذ أجنداتها، وهذا الاتجاه يتم العمل عليه بعدما نجحت بشق صف المعارضة العسكرية والسياسية عبر منصتي موسكو والقاهرة.

من هنا نرى أن عامل الوقت ليس في صالح اللاعب الروسي الذي يريد حصد نتائجه العسكرية بصفقة سياسية أخيرة، وما الإعلان عن مؤتمر ثالث إلا اعتراف بشكل غير مباشر بفشل جهودها السياسية في أستانة، فعلى الرغم من كل ما أنجزته في جولاتها الست، تبقى هذه الإنجازات لحظية ومؤقتة وقابلة للنسف في أي لحظة، كما أن الانتخابات الروسية قد اقتربت مصحوبة بانخفاض الحاضنة الشعبية في روسيا المؤيدة للتدخل الروسي في سوريا. لذا يتحتم على الرئيس بوتين وضع نهاية أخيرة للمشهد السوري قبل فوات الآوان والغرق في مستنقع آخر يتم التحضير له ألا وهو الأزمة المفتعلة بين الكرد والعرب في المنطقة وهو ما تجهل أبعاده روسيا.

من هذه المعطيات والمتابع للمشهد السوري ندرك أن روسيا في مأزق حقيقي والأيام القادمة ستكون حبلى في المفاجآت خصوصًا في المرحلة المرتقبة ما بعد نهاية تنظيم الدولة في دير الزور أو من كامل عموم سوريا.

فعلى السوريين استغلال المأزق الروسي، وعدم إعطائها صك البراءة عن مجازرها، والتمسك بثوابت ثورتهم المباركة وبمسار جنيف وقرارات مجلس الأمن وعلى رأسها قرار 2254، فهو الاعتراف الوحيد المجمع عليه الذي سيقود في نهاية المطاف الاعتراف بمطالبهم وبحقوقهم وعلى رأسها الحرية في دولة مدنية متعددة الأعراف قائمة على مبدأ احترام وتقبل كل الأديان وتقبل الآخر، وما أحوجنا اليوم للتكاتف وتفعيل الوعي الجمعي والاستمرار في تفعيل المؤتمرات والندوات حتى تؤول بنا إلى إعادة حشد الطاقات وتنظيم أنفسنا ضمن وحدة متكاملة يربطها روابط العيش المشترك.

وبغيرها سيتمكن الجميع من رقابنا وتنتهي سوريا مع شعبها إلى اللانهاية مع انتداب عالمي جديد على حساب رصيدنا الثوري الأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد