المقالة ستحاول أن تبحث في جذور الصراع الدائر في سوريا من خلال منظور تاريخي للمُعارضة السوريّة. كيف تنظر المُعارضة إلى سوريا، إلى شكل الدولة، النظام والعقد الاجتماعي. ستُركز المقالة على مُقارنة المُعارضة في سوريا قبل بداية الأزمة، الثورة عام 2011. رصد العلاقات المادّية التي شكلت بنية المُعارضة السوريّة، وتأثيرها لاحقًا على دورها في الثورةِ السورية عام 2011.

لمحة تاريخيّة

تعريفُ المُعارضة السياسيّة في الشكلِ المُمارستي والنموذجي في الواقع، يُعبر عن كُتلة لها مصالحها السياسيّة والأيديولوجيّة والاقتصاديّة في خضمّ الصراع الطبقي. المُعارضة جزء من الصراع الطبقي داخل الوطن أو الدولة، تنظر إلى تحقيق مصالح الشعب في كلّ الجوانب والأطر وإعادة الاعتبار لقرارهِ السياسي.

في الحالةِ السوريّة، بعد دحر الاستعمار المُباشر وهيمنتهِ العسكريّة المادّية في عام 1946 عيد الجلاء. سيطرت عندها قوى البرجوازيّة الرأسماليّة على سوريا وحافظت هذهِ القوى على علاقات الإنتاج التي تضمن مصالح الطبقة البرجوازيّة والاستعمار وتقمع الفئات والمكونات الأخرى في المجتمع السوري. وبعد ذلك الانقلابات العسكريّة «التقدميّة» التي حملت شعارات الاشتراكيّة والقوميّة، شعارات نضال الطبقة المسحوقة ولكن الانقلابات تُعبر عن مصالح الطبقة البرجوازيّة الصغيرة في المُجتمع السوري، وفي الظرف التاريخي حينها، لم تستطع الطبقات المسحوقة والعُماليّة تكوين جبهة ثوريّة حقيقيّة لهدم علاقات الإنتاج الكولونياليّة التي تحفظ مصلحة الطبقات العُليا الرأسماليّة. هذهِ الانقلابات العسكريّة تحدّت الإمبرياليّة والهيمنة الأجنبيّة، مما جعلها «شرعيّة» حينها. السؤال هو أين موقع الطبقات المسحوقة من المُعارضة القادمة، في هذهِ الظروف التاريخيّة المادّية؟

المُعارضة السوريّة للنظام يجب أن تكون على أسس وطنيّة، تحرريّة، اشتراكيّة تضمن مصالح الأقليات والطبقات المسحوقة في المُجتمع السوري، مرحلة التكوين برز فيها تيّار شيوعي عُمالي وآخر إسلامي: سأحاول في الفقرات التالية عرض التكوين والتأسيس، وعلى أيّة مصالح تمت البلورة والصياغة أي المصالح التي ستكون جزءًا من بنيةِ مُعارضتهِ للنظام في أي فترة تاريخيّة مُقبلة.

تأسيس المُعارضة

المُعارضة الإسلاميّة كانت هي الأكثر حدة وتناقضًا مع النظام، تشكلت في سوريا من خلال الإخوان المسلمين. في عام 1936 عاد مصطفى السباعي إلى دمشق بعد دراستهِ في القاهرة وصياغة مشروعهِ الذي يعتمد في الأساس على فكر حسن البنا، الإخوان المسلمين، كان هو المُبادر الأول في تشكيل هذهِ المُعارضة في سوريا، بنية هذهِ المُعارضة قامت بالمرتبةِ الأولى على طموح عودةِ الخلافة الإسلاميّة بعد انهيار الدولةِ العُثمانيّة.

من المهمّ إعادة الاعتبار لدور فكرة استمراريّة الخلافة في بنية الإخوان المُسلمين لكي نستطيع أن نفهم تناقضهم الجوهري مع «الأنظمة التقدميّة» في المنطقة العربيّة. التناقض الأساسي قائم على النموذج السياسي المثالي «الشريعة الإسلاميّة»  الذي يتبناه قيادات الإخوان المسلمين وبين نظام يحكم بغير ما أنزل الله، نظام وضعي، هذا التناقض الأيديولوجي هو لا يُعبر عن وعي حقيقي عند المُسلمين في سوريا، بل يُعبر هذا المظهر الأيديولوجي للتناقض المادّي الأساسي بين النظام السوري والرجعيّة العربية وأعداء سوريا الإقليميين التي تربطها علاقات مع المُعارضة الإسلاميّة. تشكيل الطليعة المُقاتلة المُسلحة (التابعة للمُعارضة الإسلاميّة) في عام 1973 كان شكلًا جديدًا للصراع القائم بين النظام السوري والرجعيّة، برز اسم مروان حديد في تشكيل الطليعة، وقامت أول عمليّة اغتيال عام 1976 بحق الرائد العسكري الشهيد محمد غرة في حماة. وانطلقت بعد ذلك حملات واسعة جهاديّة ضد «النظام النصيري» (على حدّ وصفهم) بعد تأزم التناقضات الأيديولوجيّة والمادّية بين المُعارضة التي تُعبر عن مصالح الرجعية والنظام.

في سياق هذهِ الفترة للمُعارضة، سوريا في عهد حزب البعث وحافظ الأسد الستينيات والسبعينيات شهدت نموًّا اقتصاديًا بلغ نسبًا عالية 80% إلى 300%، بسبب الإجراءات التقدميّة التي قام بها نظام الأسد خاصة، تأميم أكبر المؤسسات الصناعيّة والمصارف. ذلك أدى إلى تأييد العمال والفلاحين للنظام، ولكن هذهِ التأميمات كانت تحت سُلطة بيروقراطيّة الدولة، ولم يكن سلطة للعمال، وأيضًا تمّ قمع كلّ تنظيم عُمالي والحزب الشيوعي، لكي لا يكون أي تمثيل للعمال.

التناقض المادّي في هذهِ الفترة التاريخيّة بين التنظيمات الشيوعيّة والعُماليّة لم يكن جليًّا. بمعنى، التأميمات التي أجراها حافظ الأسد، خلقت حالة ودّ بين العُمال والنظام، العُمال في هذا السياق ينتظمون عبر وعي من أجل ذاتهم، من أجل تحقيق مصلحتهم الطبقيّة، في المُقابل المُعارضة الإسلاميّة هي مظهر أيديولوجي لعلاقات القوى المادّية بين سوريا ودولِ الرجعيّة العربية، تخدم بذلك مصالح الدول الأجنبيّة، إسرائيل وتركيا.

ربيع دمشق: صياغة طرف الثورة

«ففي سوريا لم يكن هناك أحزاب منظمة ومتماسكة بفعل استبداد الديكتاتور، عدا عن ربيع دمشق وهو حالة انتقال ديمقراطي وتحويل وإصلاح وعندما جاءت الثورة التحق بالمعارضة أناس من الخارج، كانوا بعيدين قليلًا عن الوضع بالداخل، قضوا ثلاثة أرباع عمرهم هناك، وهذا التخبط جعل المعارضة بعيدة عن اتخاذ قرار والقدرة على وضع قيادة لها، أي كجسم مقطوع الرأس» برهان غليون، مقابلة مع قناة أورينت ديسمبر (كانون الأول) 2017.

ربيع دمشق كان الفترة التحضيريّة للثورة وتشكيل المُعارضة كطرف في الصراع. هذهِ الفترة لم تدم طويلًا ولكن آثار الحدث ربيع دمشق هي التي دامت والتي ما زالت تؤثر على سوريا. ربيع دمشق شهد انفتاحًا فكريًّا وسياسيًّا في عام 2000، ولكن تمّ تجميدهُ، تجميد المُنتديات الثقافيّة والفكريّة لأسباب أمنيّة.

لاحظتُ أن أهم ملامح ربيع دمشق كونهُ يساريًّا وعلمانيّ الطابع. التركيز على محور المُعارضة المدنيّة السلميّة التي ظهرت في هذهِ الفترة تحديدًا 2000-2009، سأسرد الشخصيّات المركزيّة والمطالب وفق سياقها، ومُحاولة فهمِ العلاقة مع المُعارضة الإسلاميّة، التي لم يكن لها دور في ربيع دمشق. والتطرق إلى سؤال إمكانيّة الثورة السلميّة في هذا الظرف والسياق التاريخي؟

ربيع دمشق مُحاولة من جانب المُجتمع المدني السوري من أجل إطلاق الحريّات العامّة، والإفراج عن المُعتقلين السياسيين، تزايدت ظاهرة المُنتديات الفكريّة والسياسيّة في كلّ سوريا بمُشاركة شخصيّات من جميع الأطياف ومنها بعثيّة. رياض سيف النائب السوري أطلق منتدى الحوار الديمقراطي، ومنهم أيضًا المُعارض الشيوعي رياض التُرك، كان مُشاركًا مركزيّا في ربيع دمشق، وأيضا المُفكر الاقتصادي والسياسي، مُحاضر في جامعة دمشق عارف الدليلة فُصل عام 1998،بسبب نشاطهِ لإحياء المُجتمع المدني، عارف الدليلة يحكي في مُقابلة على مجلة الأخبار اللبنانيّة بأن لو لم يتمّ تجميد ربيع دمشق لكان الأمر مُغايرًا في هذهِ الفترة التاريخيّة (القصدُ الثورة 2011). ما يقصدهُ عارف الدليلة أن التغيّر السلمي كان مطروحًا حينها، ولكن النظام رفض وقضى على هذهِ الفرصة. ربيع دمشق كان مرحلة سلميّة انتقاليّة وفق ما قالهُ عارف الدليلة. ربيع دمشق كان يُعبّر عن نضال المُعارضة اليساريّة العلمانيّة.

ربيع دمشق كونهُ نضال المُجتمع المدني السوري من خلال المنتديات والنشاطات، وإطلاق بيانات الحريّات. هذا النضال كونهُ سلميًّا بالضرورة ينبذ المُعارضة الإسلاميّة، بسبب بنية هذهِ المُعارضة التي تشكلت في ظرف صراع تاريخي في السبعينيات حتى نهاية الصراع عام 1982 في مجزرةٍ قام بها النظام، مظهر المُعارضة أيديولوجي ولكن يُعبر عن مصالح مادّية أجنبيّة ستظهر بشكلٍ جليّ في عام الثورة 2011 وما بعدهُ.

سوريا عام 2011

«إنّ أكثر الاعتراضات جوهرية على أداء النظام السوري، هي تلك المتعلقة بحقوق الإنسان وكرامته. وفي هذه النقطة بالذات، فإنّ المتضامنين مع سوريا لا يزالون يقفون أمام خيار أخلاقي موجع جدًا لا مبرّر له بين حقوق الأوطان وحقوق الإنسان» ناهض حتّر.

عام 2011 تأزمت التناقضات الاجتماعيّة في داخل سوريا وأيضًا تأزم التناقض الإمبريالي مع دور الدولةِ السوريّة الجيوسياسي في المنطقة. لذلك الثورة التي انطلقت في عام 2011 تُعبر عن صراع مُعقد، غير واضح المعالم ستواجههُ الطبقة العاملة وجميع الطبقات المسحوقة في سوريا، لذلك يتطلب منّا تفكيكًا لهذهِ العلاقات للكشف عن دورِ المُعارضة التي ظهرت في ربيع دمشق، في الثورة. مُعارضة سوريّة مُستقلة يساريّة في طابعها مُقابل دور المُعارضة الإسلاميّة التي هي مقرّها خارج سوريا في الأساس، أحداث حماة 1982 والصراع العسكري في السبعينيات ترسخ في بنية المُعارضة الإسلاميّة كمرحلة صراع ضد نظام علوي مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الخطاب الطائفي. يُفسر هذهِ العلاقة الشائكة الصحفي محمد ديبو من خلال سرد علاقة ودور المُعارضة الإسلاميّة منذُ ربيع دمشق، وتخليهم رسميًّا في عام 2004 عن النضال المُسلح ضد النظام، ثم علاقتهم من أجل السُلطة مع رأس الفساد في النظام عبد الحليم الخدام، إلى تنظيم كتائب مُسلحة مُستقلة عن الجيش الحرّ ممثل المُعارضة، الذي ساهم في تشتيت المُعارضة. ذلك سيمنع المُعارضة الإسلاميّة من دور ديمقراطي مُستقل في الثورة. أزمة الثورة هي هيمنة هذهِ التيّارات الإسلاميّة على المُعارضة.

بعد انطلاق الثورة السلميّة، المُظاهرات الشعبيّة، العصيان المدني، والإضرابات، الدولة لم تسطع تجنب الصراع الطبقي الذي سيطيح في حُكم الطبقة الاحتكاريّة، النيوليبراليّة التي تُهيمن على سوريا، وبذلك كان الصراع حتميًّا سيكون لصالح الطبقات المسحوقة والعاملة من الشعب. ولكن المُجريات كانت أكثر تعقيدًا بسبب إشكاليّة تمثيل هذهِ الطبقات سياسيًّا هل كان متناسقًا، وهل كانت الطليعة الثوريّة حزبًا شيوعيًا، يُمارس دورهُ التاريخي ضد الإمبرياليّة والبرجوازية في سوريا؟

المجلس الوطني السوري أكبر هيئة للمُعارضة، تُسيطر عليه البرجوازيّة الليبراليّة وأيضًا الإخوان المُسلمون، وهو مُرتبط بالإمبرياليّة بشكل بنيويّ، لا يستطيع أن يكتسب هيمنته إلا من أموال الرجعيّة العربيّة، السعوديّة وقطر، والغطاء الأمريكي. مما يجعل برنامج المجلس الوطني السوري السياسي في سوريا يتلاءم مع مصالحها، ويُخضع الطبقة العاملة ويُعيدها إلى ما قبل عام 2011. بمعنى، التصالح مع أمريكا لن يكون إلا ضرب سوريا، الدولة وأيضًا الطبقة العاملة وتفكيكها إلى إثنيّات وطوائف وبذلك يتم التصالح مع الإمبرياليّة ومُعاداة مشروع المُقاومة.

دور المُعارضة الإسلاميّة في تثبيت شكل الثورةِ الطائفيّة ظهر منذ بداية الحراك الشعبي كما يسرد ذلك بشير البكر. ارتباط المُعارضة الإسلامية في المصالح الأجنبيّة ودول السعوديّة، قطر وتركيا التي تموّل قدوم عشرات آلاف المُقاتلين الأجانب من أجل إسقاط النظام المُتعلقة في مصلحةِ الإمبرياليّة هي أيضًا كانت وثيقة وحتميّة. حتميّتها التاريخيّة نابعة من بنيتها المُعادية للنظام أيديولوجيًّا التي هي مظهر للتناقض المادّي بين النظام وتماهي المُعارضة الإسلاميّة مع المصلحة الإمبرياليّة في إسقاط النظام والهيمنة على سوريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد