تتجه  العيون السورية إلى المملكة العربية السعودية، المتأهبة في 22 من الشهر الحالي لعقد اجتماع للمعارضات السورية المتعددة والمختلفة، من هيئات سياسية، وهيئة التنسيق الوطنية، وممثلين عن الفصائل العسكرية، ومنصتي القاهرة وموسكو، والهيئة العليا للمفاوضات، يتزامن انعقاد «الرياض 2» مع مؤتمر يوازيه في الزمن ويُعارضه بالمكان في سوتشي الروسية، والتي بدا أن موسكو مُصرة على عقد هذا المؤتمر بعدما تم تأجيله نهاية الشهر الماضي؛ إذ أقدمت على دعوة 33 حزبًا معظمها أحزاب مخابراتية تابعة لنظام الأسد لا تمثل إلا نفسها ولا وجود لها على أرض الواقع، كما تم تعديل اسم المؤتمر من مؤتمرالشعوب إلى مؤتمر الحوار الوطني بعد العديد من الاقتراحات التي قدمها حلفاء روسيا كنصائح لموسكو. على صعيد آخر يترقب العالم عقد قمة ثلاثية بين الدول الضامنة: روسيا، وتركيا، وإيران، والتي قد تكون ممهدة لمؤتمر الشعوب.

تركيا بدورها أعلنت أن ملف عفرين وإدلب على رأس جدول الأعمال، أما بقية التفاصيل ستكون حول النقاشات لتثبيت مناطق خفض التصعيد.

وحتى يكتمل المشهد السوري، علينا التذكير بأن مسار جنيف قائم بذاته في 28 من الشهر الحالي، حسب ما أعلن مبعوث الأمم المتحدة «إستيفان ديمستورا»، وقد نلحظ البّتة أن «رياض 2» وسوتشي قد يمهدان بنتائجهما لـ «جنيف 8» مع ظهور مؤشرات واضحة على فشل سوتشي قبل بدايته، أما مؤتمر الرياض فعليه تتركز الجهود في تحدٍ واضح وصريح للهيئة العليا للمفاوضات بالتمسك بثوابت الثورة، بغض النظر عن كل الضغوطات التي تمارس عليهم، لا سيما من السعودية ولو بشكل غير مباشر الراعية للمؤتمر؛ لأنها هي الأخرى يمارس عليها ضغوطات من قبل روسيا؛ إذ إن هدف المؤتمر حسب ما صرح «عادل الجبير» يسعى إلى توسعة وفد المعارضة بوفد موحد يذهب إلى مفاوضات مباشرة مع النظام في جنيف، لتنفيذ قرار مجلس الأمن 2254، والنقاش بالحكم الانتقالي والدستور والانتخابات والفترة الانتقالية على ألا يكون لبشار الأسد أي دور في مستقبل سوريا، وبما أن كل الجولات السابقة من مساري جنيف وأستانة لم ينجحا في حل معضلة الأسد، فإنه من الواضح أن المعضلة ستكون حاضرة، وقد لا يتم التطرق لها كما جرت عليه العادة سابقًا.

وحتى يتضح المشهد أكثر، فقد سبق كل ما ذكرناه، استخدام روسيا لحق النقض الفتيو في مجلس الأمن مرتين على التوالي خلال 24 ساعة عطلت فيه مشروع قرار تمديد عمل اللجنة الدولية للتحقيق في كيماوي الأسد، والثاني ضد مشروع قرار اقترحته اليابان يُتيح تمديد عمل آلية اللجنة مدة شهر، وبذلك تكون روسيا قد استخدمت الفيتو في الملف السوري 11 مرة، وتتأهب لاستخدامه المرة الثانية عشرة ضد مشروع قرار قدمته «السويد والأورغواي» إلى مجلس الأمن لتمديد مهمة آلية التحقيق المشتركة حول الهجمات الكيماوية في سوريا.

أما عسكريًّا، فقد شهدت المنطقة ظهور مؤشرات لنهاية خلافة التنظيم في سوريا والعراق بعد دخول ميليشيات النظام إلى مدينة البوكمال الحدودية مع العراق، ولم يغب بالمشهد الإعلان النهائي عن نهاية أي تواجد للتنظيم في العراق الشقيق، كما تم الإعلان مؤخرًا عن إنشاء منطقة خفض تصعيد خامسة في جنوب العاصمة دمشق، تزامنت مع اجتياح النظام للغوطة الشرقية، واستمراره في شن الغارات بالغازات السامة في حرستا؛ إذ إن جلسات مجلس الأمن حول الكيماوي منحت النظام شرعية أخرى في استخدام هذا السلاح ضد شعبه، ما دفع بعض الفصائل لفتح معركة إدارة المركبات الاستراتيجية الهادفة للتضيق على النظام من جهة، وفك الحصار عن الغوطة المحاصرة من جهة أخرى، أما شمالًا قد شهدنا في منتصف هذه الشهر اقتتالًا بين «حركة نور الزنكي وتحرير الشام» انتهى بعقد صلح بين الطرفين وإطلاق سراح المعتقلين ونزع الحواجز. اقتتال ألقى بظلاله على الحياة المدنية في مدينة إدلب، ودفع باتجاه آخر تركيا إلى إرسال المزيد من الأرتال العسكرية، وتثبيت نقاط مراقبة آخرها في ريف حلب الغربي.

تسمية الأشياء بمسمياتها تُتيح للقارئ التنبؤ على المدى القريب باستمرار المؤامرات التي تُحاك دوليًّا لسوريا اليتيمة، لا سيما بعد نهاية الشماعة الدولية لتنظيم الدولة، وكشف المفرقعات الإعلامية عن حرب دولية ضد إيران وحزب الله، فهل من المعقول أن الدجاجة التي تبيض ذهبًا للغرب يتم التضحة بها، وكيف لحزب الله أن يحمي حدود إسرائيل إن يتم قصقصة أجنحته، كل الكلام عن قرع طبول الحرب ضد إيران لا تعدو إلى ملهاة عالمية للشعوب المستعبدة حتى يتم صرف الأنظار عن كل الجرائم الدولية في سوريا والعراق على مدار السنوات العشر الماضية، وأفضل ما يُطلق على هذا الكلام هو رغبة إسرائيل في تقاسم العداء مع إيران ضد العرب.

دلائل كثيرة تشير إلى ذوبعة دولية غايتها نهاية الإسلام السني في سوريا، ولا نية دولية على قطع أذرع إيران، فروسيا كانت قد صرحت عبر قممها الأخيرة أن وجود حزب الله في سوريا شرعي، وأي حديث عن خروج إيران من سوريا هو أمر لم يتم التطرق إليه بعد، في حين إيران تسعى إلى إنشاء حزب الله ثانٍ في جنوب سوريا، عبر تشكيل لواء 313 يضاف لها كشف إذاعة بريطانية عن استمرار إيران في إنشاء أول قاعدة جوية تابعة لها في الجنوب تبعد عن دمشق 15 كم وعن الجولان 50 كم، كما أن إسرائيل لا تعارض تواجد دائم لإيران في سوريا أكثر من تنظيم وجودها، وقد كشفت مصادر مؤخرًا عن أسرار اتفاق الجنوب الذي يتيح لإيران التواجد في سوريا بعد وضع مسافة أمان مع الجولان بحدود 40 كم مع الجولان المحتل لضمان مصالح إسرائيل وعدم تهديدها.

بالعودة إلى النهايات، ومن عرف النهايات قد يتناسى البدايات، فقد بات من الواضح أن الحسومات العسكرية في سوريا انتهت إلى غير رجعة، وبات المعركة معركة وعي في مضمار السياسة، فبعد أن اجتمع العالم على وأد ثورة السوريين ولم ولن يستطيع، فقد يتمحور الرهان اليوم على مؤتمر «الرياض 2» في الثلة الشرفية المتبقية التي ستخوض معركة وجود سياسية في الحفاظ على ثوابت ومبادئ الثورة، فثورة قدمت مليون شهيد وشُرد شعبها لا يمكن أن يتخلى عنها الجميع.

تقع المسؤولية اليوم على وفد الهيئة العليا للمفاوضات، في عدم الرضوخ للتفاهمات الدولية التي تسعى إلى إبقاء الأسد جاثمًا فوق صدور السوريين، فبيان «الرياض 1» هو الأرضية التي لا يمكن تجاهلها، ومهما حاولت روسيا أن تنسف مسار جنيف، يجب على المقاتلين السياسين ألا يسمحوا بذلك، فقد يكون «رياض 2» هو المحطة الأخيرة لرسم معالم سوريا وشكلها ومستقبلها.

فروسيا وعبر سوتشي وبضغطها على تركيا والسعودية، لا شك هي تراهن على وضع نهاية لبيان «جنيف 1»، وفرض حل على مقاسها، وقد تكون هذه الرؤية بموافقة إسرائيلية وأمريكية.

لذا فإن إعلان المعارضة رفضها لسوتشي خطوة في الاتجاه الصحيح وتأكيدها عدم قبول الأسد في مستقبل سوريا، قبل عقد المؤتمر رسالة واضحة حتى للدولة الراعية والحاضنة لها، مفادها أن الصداقات شيء، وثوابت السوريين وكرامتهم وحريتهم شيء آخر، ولا يمكن المساومة عليهم.

لا شك أن القمة الثلاثية في سوتشي، ومؤتمر «الرياض 2» ما قبلهما ليس كما بعدهما، وسنشهد بداية وضع اللمسات الأخيرة لمصير السوريين وأحلامهم، فهل يرضخ الشرفاء أم ستنطلق الثورة من جديد على ذاتها؟ حقيقة واضحة أن الثورة السورية ثورة كاشفة وفاضحة لكل دول العالم في العصر الحديث، فمصير هذه الثورة أنها ثورة متجددة ولادة بذاتها، ولن تقف قبل أن تحقق أهدافها وتنصف السوريين، ومن لم يُصدق فليراجع أصدق القول في صفحات التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد