سرحت على ذاكرته الحروب كالأنهار، شيخ جليل حكيم، وجه لا يعبأ بالعابرين، لأنه يدرك تمامًا أنهم عابرون، هذا حكم بحكمته وقضائه، لا يعير الطغاة نظرة، أخيَّ: هذا الوطن لك، ولي، ولهم، ولنا جميعًا. أخيَّ: هذه البقعة التاريخية القديمة قدم وجود هذا الكوكب، منك، ومني،ومنهم، ومنا أجمعين. هذه البلاد أنت، وأنا، وهم، ونحن أجمعين، أيها القارئ العزيز، لا تعتب علي، أنا مثاليٌّ جدًا أمام الأوطان.

سيرحل الطاغية ذات يوم، كما رحلت جحافل الطغاة الذين سبقوه، حكمة لعمري إنها لقدر مقسوم.

ها قد وصل الثائرون إلى طريق جديد في هذه الثورة وقبل الخوض فيه لا بد لنا من استرجاع بعض الدروس، أو دعوني أقول إنها محاولة في فهم هذه المنظومة الحاكمة، وأسميتها منظومة، لأنني أرى أنها منظومة محكمة وليست نظامًا فالأنظمة تبنى على مؤسسات.

سأستعرض معكم بشكل موجز ملامح هذه المنظومة، التي بدأت عملها بشكل مدروس مع بركان الثورة السورية وهي حقيقة مبنية ومؤسسة منذ وصول الأسد الأب إلى كرسي الحكم.

أولًا: سأبدأ من مكان بزوغ فجر الثورة من درعا، كيف تعاملت شخصيات هذه المنظومة مع أطفال درعا، وكيف تعاملت مع أهاليهم، ثم كيف تعاملت مع المتظاهرين السلميين، والجواب أن قررت هذه المنظومة إطلاق الرصاص على كل من خرج عليها، ولا أعتقد أن عاطف نجيب كان ساذجًا أو غبيًا في قراره ذاك، فالقرار كان قرار المنظومة بالإجماع وإلا كان بمقدور رأس المنظومة أن يعزل ويحاكم عاطف نجيب والذين كانوا معه، وبالتالي على الأقل كان قد استطاع الأسد تهدئة البركان وأطلق سراح الأطفال في بادرة حسن استيعاب لمطالب الأهالي، إذن القرار لم يكن اعتباطيًا أو غباء أو تعاليًّا واستكبارًا بل كان قرار منظومة بكاملها ويمثل حقيقتها وما تصبو إليه.

تعالت أصوات المتظاهرين وارتفع سقف مطالبهم، فتم إطلاق الرصاص وشن حملات اعتقالات ومداهمات،بقرار معد سابقًا وليس محض صدفة أو أزمة، فالكثير من المعترضين على حكم هذه المنظومة وعلى مدى سنوات تم زجهم في السجون.

كان ذلك متزامنًا تمامًا ومتناسقًا مع القسم الإعلامي من المنظومة الذي عمل على تصوير المتظاهرين على أنهم إرهابيين، وقد كان قرارًا أيضًا. ثم بقي هذا النهج مستمرًا على مدى سنوات الثورة السورية، رغم اعتراض وانشقاق بعض الإعلاميين الذين رفضوا قرار هذه المنظومة، إذ إن القرار لا يمكن تفاديه بانشقاق البعض، فالقرار بقي بيد المنظومة.

بعد مضي أشهر على الثورة السورية، افتعل النظام تفجير خلية الأزمة، والكثير من التفجيرات داخل مدينة دمشق، لكن تلك المنظومة الأمنية لم تتأثر، وبقيت حديدية، ثم تم التخلص من بعض الشخصيات التي كان يرتكز عليها الأسد كأمثال رستم غزالي، ثم حدوث الانشقاقات في صفوف الجيش والأفرع الأمنية، دون أن يسبب ذلك أي خلل في عمل هذه المنظومة إذ لا يمكن لنظام أن يبقى صامدًا أمام كل هذا الخلل الأمني في قلب العاصمة وفي أمكنة القرارات الحساسة.

كل ذلك يدل على أن الأسد ليس وحده من يشكل المنظومة الحاكمة وإن كان قد عمل على تشكيلها خلال فترة حكمه وحكم الأسد الأب.

ثانيًا: ألا تعتبر ظاهرة رجال الدين جزءًا لا يمكن تجزئته أبدًا من المنظومة، فمع اندلاع الثورة، تم التجييش الطائفي من قبل رجال الدين العلويين، وتخويف الطائفة، ولعبوا دورًا كبيرًا فيما بعد في تشكيل عصابات الشبيحة التي دعمت عناصر الجيش والأمن في مداهمات المدن والقرى الثائرة، والحقيقة أن ذلك القرار كان قرارا مدروسا، فرجال الدين العلويين كانوا جزء من هذه المنظومة، إذ لا يمكن للنظام ولجيشه وعناصر أمنه، أن تقوم بمداهمات المدن والقرى، ثم تكون أيضًا في مواجهة أبناء الطائفة، هذا عدا قتل أي محاولة للتظاهر أو إعلان المعارضة لهذا النظام، وكل الشخصيات من هذه الطائفة التي تم اعتقالها كانت بالأساس معارضة للأسد سابقًا أو كانت متحررة من سطوة رجال الدين. وماذا عن آلاف الشباب من الطائفة الذين قضوا في حربهم، وماذا عن اعتراض الأمهات، سنوات وهم يموتون ويحاربون، لماذا لم يسبب ذلك أي تراجع أو اعتراض من قبل رجال الدين.

أما عن السويداء، فالجميع يعلم أنه بعد وضوح ملامح الثورة، خرج الكثيرون من أبناء السويداء في مظاهرات صريحة ضد الأسد، لكن ما الذي أوقفها فجأة، هنا سؤال يجب التمعن جيدًا في جوابه.

ربما كان سببها الشعارات التي أطلقها المتظاهرون والتي تحمل بين كلماتها نفسًا إسلاميًا، وهنا يجب توضيح أن الثورة السورية كانت شعبية، كانت تحمل شعارات واضحة في بداياتها، ومع تمادي القتل والإجرام، كان ردة فعل المتظاهرين بالصراخ بشعارات تمثل هويتها وثقافتها، وهذا لا يؤخذ على الثورة السورية، بل لها، وأعتقد أنه دليل وبرهان على شعبية الثورة، إذ لا يمكن لهذه الحشود أن تأتي بشعارات من المريخ أو من أجزاء أخرى من هذا الكوكب، ولو بقيت السويداء في تظاهراتها، لكنا سمعنا شعارات جديدة للثورة السورية تحمل ثقافة وشعبية أهلها.

ربما كانت سلطة رجال الدين الدروز في ذلك، وهي إخافة المتظاهرين من أن الثورة إسلامية، ومستقبل مجهول يهدد الطائفة، رغم أن التاريخ لم يقل ذلك أبدًا، فالسويداء موجودة بأهلها منذ نشوئها.

إذن هل كان رجال الدين الدروز جزء من المنظومة، والسبب ذاته، إن النظام كان غير قادر تمامًا على مواجهة الجميع، يكفيه مواجهة ملايين المتظاهرين، واقتحام آلاف القرى والمدن وهو أصلًا غير قادر على مواجهة طرف آخر وكيف سيصور نفسه فيما بعد حاميًا لها.

بالنسبة للطائفة المسيحية فينطبق الوصف ذاته تمامًا، عمل رجال الدين باعتبارهم جزءًا من المنظومة الحاكمة، وتم بنجاح تحييد المسيحيين تحت سطوة وتأثير رجال الدين عن المشاركة والاستمرار في الثورة السورية، وأعلل ذلك، أنه ولنفس السبب، كان الأسد غير قادر على مواجهة الجميع، ولم يكن السبب وراء ذلك هو الضغوط والتهديدات من قبل النظام.

وكذلك أيضًا بالنسبة لرجال الدين السنة، الذين كانوا جزءًا من هذ المنظومة، ومن صميمها، لكن المتظاهرين السنة لم ينصتوا إلى كلام هؤلاء، بل تابعوا التظاهر واستمروا في الثورة، وكذلك باقي رجال الدين من الطوائف السورية الأخرى. فهل عمل النظام خلال فترة حكمه على بناء هذه المجموعات من رجال الدين حتى يدعم حكمه؟ أعتقد ذلك.

ثالثًا: شيوخ العشائر العربية والذين أعلنوا الولاء للحكم الأسدي أكثر من مرة، كلنا رأى كيف انتفضت الحسكة في بدايات الثورة، بالأخص حي غويران، لكن آثرت هذه الشخصيات البقاء في منظومة الحكم الأسدي وعدم التخلي عنه. ونحن نعلم جيدًا ما مدى تأثير هذه الشيوخ على أبناء عشائرها.

رابعًا: الجزء الاقتصادي من المنظومة، والذي كان منذ بداية الثورة داعمًا للنظام، والذي كان وجوده مرتبطًا تمامًا بوجود رأس المنظومة، وإلا فقد كان انهيار المنظومة هو انهياره أيضًا. ورغم التدهور الاقتصادي ووصوله إلى الحضيض، فقد بقيت المنظومة متماسكة، وذلك بفضل وجود رؤوس الأموال الذين ساهموا في تجويع وتركيع الشعب السوري، ولا أعتقد أن هذا الجزء كان قد اضطر إلى مسايرة النظام للحفاظ على مصالحه أو خوفًا من النظام بل كان ذراعًا واضحًا للمنظومة عمل على دعم بقاء رأس الحكم، أما مقولة أن رجال الأعمال ورؤوس الأموال كانوا تحت قبضة وبطش وتهديد الأسد أعتقد أنها غير مقنعة، كما ذكرت سابقًا كان النظام منهارًا ولا يستطيع محاربة كل الجبهات.

خامسًا: الجزء الثقافي من المنظومة، كان هو أيضًا جزءًا فاعلًا في دعم بقاء رأس المنظومة، وهي حقيقة لم تك مصادفة، أو تحت التهديد والقمع، أو التخويف، لا، لقد كانت مواقف المثقفين تمثل حقيقة وجودها باعتبارها جزءًا من المنظومة، فقد شاهدنا خروج بعض المثقفين على النظام، والانشقاق عنه، وكانت لهم مواقف ثورية واضحة، وإلى الآن ما تزال هذه المنظومة تقوم بدورها على أكمل وجه،  ودريد لحام وشلته كانوا خير مثال.

والمنظومة يبدو أنها أخطبوط يحكم المجتمع السوري برمته، فعقود من حكم الأسد كانت كفيلة بصنع منظومة حاكمة محكمة، ولا أستبعد دعمها من جهات خارجية أبدًا، فالمنظومة لعبت دورًا كبيرًا جدًا في مسارات الثورة السورية ومراحلها.

والسؤال الذي أود مشاركته القراء الأعزاء، ما هي آثار هذه الأجزاء جميعها على الواقع الثوري السوري؟ لقد كانت كلها أسبابًا فاعلة في بقاء حكم الأسد.

فمنذ أن انفجرت الثورة، تم التسويق الممنهج المدروس على أن المتظاهرين إرهابيين، والذي كرس ذلك هو غياب المشاركة الحقيقية لباقي الطوائف والتي قلت أنها قد توقفت عن التظاهر ضد النظام، إذ كيف يمكن إظهار الثورة على أنها إسلامية إلا بغياب هذه الطوائف، فلو كان هناك استمرار ثوري منها، لما كان للنظام حجة في محاربة الإرهاب أو الإسلاميين،ولما كان هناك حجة للدول الخارجية بحماية الأقليات،لقد كان استمرارها مغيرًا لمسار المشهد السوري، في الحقيقة تم جر الشعب السوري إلى الظهور بمظهر الأسلمة وفق خطة مدروسة.

حتى إن ادعاء النظام معركته مع داعش والنصرة كانت ستكون غير مقنعة بوجود باقي الطوائف الثائرة، ولن يكون هناك داعش ولا نصرة، وأنا هنا أتحدث عن الشكل العام للطائفة، ولست قاصدًا أنه لم يوجد فيها ثائرين حقيقيين ووطنيين ومعارضين. لكنني أتحدث هنا بالطابع العام.

لقد كانت تحتل داعش الشمال السوري، وتسيطر على حقول النفط والغاز، وتبيع للنظام ولدول أخرى، ثم تم دخول الأحزاب الكردية، ثم التحالف، واحتلال الشمال السوري، ثم عودة النظام إلى الرقة.

ولا أستبعد أن داعش كانت جزءًا من المنظومة، إذ خدمت النظام أكثر من أي جزء آخر، وبنفس الوقت كانت حجة لدخول قوات التحالف، فهل كان ذلك استرضاء النظام للدول التي بمقدورها خلعه ومحكامته. والتي هي أيضًا انتهجت وسوقت مقولة محاربة الإرهاب.

ثم ماذا عن اتفاق الأسد وإسرائيل على حساب درعا، ماذا لو أن السويداء كانت حاضرة كدرعا، هل يتغير مسار اللعبة؟ بالطبع كان سيتغير الكثير منها.

ما أود قوله عبر هذا السياق هو أن النظام السوري كان منظومة أخطبوط، فقد كان بذراع أمني عسكري، وذراع ديني، وذراع اقتصادي، وذراع عشائري، وذراع داعشي الذي كان هو بدوره من داعش الكبرى. وهذا هو مفهوم المنظومة تمامًا. فقد سوق نفسه حاميًا للأقليات، ومحاربًا للإرهاب،عبر تلك الأذرع والتي كانت جزءًا من كيانه ومنظومته، وذات الوقت حجة له، وذات الوقت كانت صلات وصل مع العالم الخارجي وحججًا له للتستر خلفها.

ما ذكرته عبر هذا السياق كان قد حدث واقعيًّا وقد عايشناه خلال ثورة البسطاء السوريين، وقد كتبت هذا السياق، لأنني لا أعتقد أنه كان بمقدور الأسد الصمود لولا تلك الأذرع التي كانت تشكل أعمدة النظام الأسدي، وهو محاولة في فهم ما قد حدث من تفاصيل. وهذا لا يعني أنه لم يدعم الأسد خارجيًّا.

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد