لا شك في أن الدولة السورية الحديثة عانت من اختناقات بنيوية في هيكليتها شوّهت السياسة والاقتصاد، وولّدت استمرارية أزموية بدءًا من أزمة الستينات ذات الخلفية السياسية والاجتماعية، والتي أنتجت أزمة الثمانينات. وهذه بدورها ساهمت، أو رُبما ولّدت الأزمة الحالية بنسبة كبيرة جدًّا.

وذلك يُعزى إلى قصور عملية الانتقال سواء كان سياسيًّا أم اقتصاديًّا، أي أن عوامل الصراع كانت تبقى كامنة بعد كل مرحلة انتقالية لتعود وتظهر عند أول انتكاسة.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك الكثير من الدول التي حقّقت انتقالًا ناجحًا بعد مرورها بمرحلة أزمات، ونزاعات منها جنوب إفريقيا، ودول أوروبا الشرقية، وغيرها. حيث يُعتبر عام 1989 العام السحري لأوروبا الشرقية. بالمقابل هل نستطيع القول بأن عام 2011 هو العام السحري للعرب؟ حاليًا لا نستطيع، وإنما علينا الانتظار لنرى المخرجات النهائية لما سمّي الربيع العربي، والتي ما زالت محصورة ومهزومة في بُعدها السياسي، ولم تقترب من تحقيق العدالة الاجتماعية. فماذا عن سوريا؟

سوريا تعيش منذ ما يقارب الست سنوات مرحلة متحوّلة داخليًّا، وخارجيًّا. بالتالي يفرض الواقع الحالي بتداخلاته وتعقيداته الانتقال إلى واقع آخر، أي من بيئة شمولية إلى بيئة تحوّل ديمقراطي، ومن بيئة نزاع داخلي إلى بيئة سلام آمن. من خلال اعتبار الأزمة الحالية فرصة لبناء الدولة من جديد، وبشكل تشاركي مع مختلف المكوّنات السورية.

وهنا على الرغم من الصراع الدائر حاليًا، ومن قساوة المعارك والاشتباكات ميدانيًّا بين أطراف الصراع السوري منذ ست سنوات وحتى اللحظة، إلا أنه ما زالت هُناك نافذة تفتح لصوت العقل، وتُفضي أحيانًا إلى تسويات ومصالحات وهدن إنسانية مع ما يشوبها من هشاشة، وضعف، وتتداخل فواعل دولية، وإقليمية في التوصل إليها، وتنفيذها. تبقى نافذة أمل نحو تحقيق المصالحة الوطنية، وطيّ صفحة سنوات الرصاص السورية.

تأسيسًا على ما سبق، تبقى العودة إلى ما قبل 2011 مستحيلة، والبقاء في نفس الحال كارثة. الأمر الذي يتطلّب خطة أو مرحلة انتقالية عنوانها الأساسي «العدالة الانتقالية»، وهي بالتعريف «عملية المصالحة التي يسعى المجتمع المتحوّل إلى تحقيقها من خلال تكييف العدالة، وإقامة دولة القانون بالشكل الذي يعترف بانتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالنظم السابقة، ومحاسبة المتورطين فيها». أي أنه عبر العدالة الانتقالية يُمكن تحويل هذه المصالحات، والتسويات إلى مصالحة وطنية حقيقية، تمنع إمكانية إعادة إنتاج الأزمة من جديد، من خلال تفريغ عوامل الصراع، وشلّ قدرتها على إحيائه مستقبلًا.

وإذ إن مفهوم العدالة الانتقالية يرتبط بمفهومي: بناء السلام، والمصالحة الوطنية، فـإنه يتطلّب أمرين: إرادة سياسية جادّة، وثقة مُتبادَلة بين أطراف عملية الانتقال. هذان الأمران من شأنهما تمكين، وإنجاز عملية التغيير بنجاح، بدءًا من المصارحة، وجبر الضرر، وتعويض الضحايا ماديًّا ومعنويًّا، مرورًا بالمصالحة، وإصلاح المؤسسات. وهذا ما يجب أن تسعى إليه كافة أطراف الصراع السوري، انطلاقًا من الحاجة إلى التفاهم، وليس الانتقام. من الحاجة إلى الإصلاح، وليس الرّد بالمثل. وخصوصًا أن المجتمع السوري مجتمع غير ثأري، ويمتلك رصيدًا ثقافيًّا وسياسيًّا وقانونيًّا يُمكّنه من تجاوز هذه المرحلة، رغم ما أصابه من ويلات.

أي أنه لا بدّ من إدارة السياسة والقانون والمجتمع في سياقات تنموية متوازنة، وإدماج المناطق التي تعرّضت للحصار في برامج تنمية محلية، تمهيدًا للانتقال من مجتمع الصراع إلى مجتمع ما بعد الصراع، مجتمع المواطنة الحقيقية.

أخيرًا، لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن فكرة العدالة الانتقالية ليست ضرورية أو حتمية في كل الدول التي تعيش الصراعات والحروب الداخلية. لكن الوضع السوري الحالي المُستعصي على الحل يفرض التوجّه نحو تطبيق الفكرة سوريًّا لإعادة بناء الدولة ومؤسّساتها، وإعادة تحديد القواعد التي تحكُم العيش المشترك في المجتمع، وكذلك العلاقة بين المواطن، والمؤسّسات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد