من الوجع ما يصيب عضوًا واحدًا في الجسم، ومنه ما يضرب الجسد كله، بل لعله يضرب الجسد والروح!

ومن أصعب الأدواء ما يضربك فلا تعرف ما يؤلمك، يسألك الطبيب عن الوجع فتقول: هنا، لا لا بل هنا، ليس رأسي، بل أذني، لا تؤلمني لعلها عيني وسقط الوجع منها على فكّي، لست أدري؛ لعل الوجع ضرب عقلي فما عدت أعي ولا أعرف ما يؤلمني.

إن الناظر في حال سوريا اليوم لا يشعر بغير هذا؛ لأنه حقًا لا يدري ما يؤلمه أكثر: الشباب كالورد في الربيع تتخطّفه المنايا إنْ في القصف وإنْ في الاشتباك. وأطفال يتقاطرون زرافاتٍ ووحدانًا ليس إلى المراجيح يلهون ويلعبون حال أطفال الدنيا كلها، بل تزفّهم أمهاتهم إلى الجنان شهداء عصافير تزغرد حول عرش الرحمن.

ونساء خلعت عن أيديهنّ الناعمة أكفّ الحرير، ليس لأنها غير متوفرة، بل لأنها لا تناسب العيش في الخيمة وتنظيف الوحل والثلج من حولها، وربما لأن إصبعها الرقيق قد يزلّ عن الزناد إن غطّاه شيء.

وأما الشيوخ الذين كانوا يحتلّقون في المساجد يتسندون على جدرانه يراقبون هذا كيف يصلي وذاك أين يضع يديه، فيمطرون هذا بالتوبيخ وذاك بالغمز وهم يقرؤون القرآن ويذكرون، وقد دأبوا على التجمع عند أبواب البيوت الريفية يرشقون المارة بالمزاح والنقد، فإن لم يمرّ بهم أحد تذاكروا أمجاد بعض وطرائفهم فيضحكون ويبكون تختلط الدموع بالدموع.

وواحزناه على العجائز؛ فقد كنّ يغزل الحارات والبيوت بالزيارات، ويحِكن الأسواق بالجولات، ويلكن الناس كبيرهم وصغيرهم في جلسات القهوة والمتة وعند أبواب الأفران وفي دكاكين الخضرة والحياكة. تتلفت اليوم فلا تكاد ترى إحداهن من السواد يلفّها، ولو أنها عند كل فقيد التفت بشبر سواد لكان اليوم بعد سبع عجاف يلفها قائمة وقاعدة من رأسها حتى أخمص قدميها، تستجرّ الضحكة منها فتعجز العصابة أولو الروح المرحة والدم الخفيف عن إضحاكها، فإن حصل وضحكت فلا يلبث المراقب أن يسجّل معجزة ضحكها حتى ترتد عابسةً حزينةً كأنها ارتكبت موبقةً من الموبقات، يسرع ابنها الشهيد إلى مخيلتها بضحكته، أو يمرّ بها طيف حفيدها الصغير المعتقل، أو يضرب كيانَها ريحُ ابنتها التي قضت في القصف؛ فتبكي وهي تضحك فتعود الدموع للاختلاط.

يهزّ كيانَ كل غيور آلافٌ سبق عليهم سيف القدر فأتى على بعض أطرافهم وهم في زهرة شبابهم، فقعد بهذه عن المشي وبتلك عن تمام الحركة، وكفّ يدَ هذا ولسانَ ذاك ورجلَ تلك، تتسابق عربات المعاقين سباق الخيول الأصيلة في ميادينها؛ إنهم كذلك خيول أصيلة، حُمّلوا من المولى فحَملوا، وابتُلوا فصبروا، وضُربوا من الدهر بحديد البلاء والشدة فضحكوا واسترجعوا عما فقدوا واستمروا بما بقي فيهم؛ إنْ فقدوا رجلًا تابعوا بالأخرى، وإنْ فقدوا الاثنتين أكملوا بيدَين هما أنفع فيهم من يدَين ورجلَين ورأسٍ في غيرهم، وإنْ فقدوا الحركة في كل الأطراف أَثْرَوا ما حولهم بعقولهم وأفكارهم؛ فتجدهم خيرًا حالًا ممن يتأمل حالهم، لأن مَن يتأمل حالهم يبكي دمًا أو دمعًا؛ ليس يدري يبكي لهم أم على نفسه!

مهلًا؛ فما ذاك بوجعٍ إن نظرتَ في أطفال يَرْبُون على ميلونَين تضجّ المدارس في الدنيا بربع عددهم، تفرقوا في البلدان والمدن والمخيمات، لكنهم يجمعهم وباء قاتل؛ وهم انعدام التعليم، ويوم تقذف بهم الأيام والرياح في مدرسة فتجد الواحد منهم في سنّ الصف الخامس يجلس في مقعد الصف الأول، وطالب السنة الرابعة في الجامعة يعيد البكالوريا في بلد آخر حتى يتاح له الإكمال في جامعاته. وليس معلّموهم بأحسن حالًا منهم؛ فأستاذ جامعي ينزل من مناقشة طلبة الدكتوراه والماجستير إلى تدريس ألف باء، وآخر تقذف به ريح المأساة في مدرسة ابتدائية، وأخرى بعد سنوات خبرة في الإدارة والتوجيه تلوكها الأيام لتخدم في مكتب عاملة بمسمى سكرتيرة!

في الوجع الدقيق قد يعجز كثير من الأطباء عن السبب، ويتعب المريض وهو يتنقل بين العيادات والمشافي؛ لأن الألم في رجلَيه قد يكون من التهاب اللوزتين عنده، والدوخة والصداع قد يكون لشيءٍ علقَ زمانًا في أذنه أو أنفه.

وكذا أوجاعنا؛ لا تعرف أيها أسبق، وأيها أكثر إيلامًا. فهل آلام الذين في الداخل أقل من آلام الذين خارج سوريا، وهل انتصفت البلد فعلًا فما عاد الذين تحت سطوة نظام الأسد أهلنا وإخواننا؟! ألا تعتصر نفوسنا على ما يأتينا من خلف حدود المناطق هناك من فاحشة ووباء وغلاء وتجنيس وبيع وشراء للأرض والعرض؟!

هل من الثورة أن نهتمّ لمشاكلنا فيما نسمّيها (مناطق محررة) ثم نزعم محاربة فكرة التقسيم؟!

لماذا لا يكتب محلِّلونا الكرام والمفكرون العظام في المعارضة عن مصائب الناس تحت سيطرة النظام؟! دون مهاترات السياسة المقرفة والتشفّي والمقارنات الجوفاء في نسبة العفة والضياع بين (مناطق المعارضة) و(مناطق النظام)؟!

لماذا لا نخاطب أهلنا وأبناءنا في الجامعات والحارات والقرى التي تحت سيطرة النظام بغير: لا تبقوا تحت سيطرة المجرم الكافر!! اتركوا وهاجروا إلى ديار الثوار الأبطال في إدلب الخضراء!! لماذا لا نقوم الليل ندعو لنسائنا وبناتنا بالعصمة والعفة في مناطق بات يُحكى فيها على الإعلام بالـمُساكنة (أن يبيت الشباب والشابات في سكن واحد) وكأننا في موسكو أو واشنطن أو بكين!

فماذا نقول في نساءٍ خلعت عنها لباس الحياء فرمت أزواجها في شوارع أوربا ومضت كما تريد؟! أو في رجالٍ رمَوا نساءهم هنا وهناك وركبوا البحر إلى بلاد الضباب بحثًا عن حياة حسبوها خيرًا لهم؟! أو في أطفالٍ قضَوا في البحر المتوسط موتًا أو في بحر أوروبا فرنجةً وتغريبًا، بل تنصيرًا وتبديلًا عن نهج الآباء والأجداد؟!

قد يألَف المرء وجعًا ينساه أحيانًا إن تواردت عليه أوجاع أخرى، لكن هذا لا ينفي أنه وجع من الأوجاع؛ فقد تسكن الأوجاع تلك فتعود لتعالجه فلا تجده قابلًا حينها للعلاج!!

سوريا واحدة موحدة حتى في آلامها، ومَن كان لا يرى ذلك فليراجع نفسه وثوريّته ووطنيّته، ومحاربة التقسيم تبدأ من أنفسنا؛ فليس النظام مَن يتكلم عن سوريا المفيدة اليوم فحسب، بل المعارضة كذلك، صار همّمها أن تحفظ ما تحت يدَيها أيًا يكن وكيفما كان، لتُعلن انتصارها.

إنه انتصار أجوف أعوج؛ فالانتصار الحقيقي في تحرر سوريا من الظلم كله، وليس في تقسيم البلد كالكعكة هذه لكم وهذه أُهديت من الأصدقاء لنا!!

الانتصار الحقيقي أن نتألم لكل عضو يتألم في سوريا، لكل أمّ فقدت ابنها؛ أقعدتها الظروف في مناطق النظام أو خرجت منها، لكل فتاة حرّة عفيفة بقيت لسبب في حمص أو دمشق أو خرجت منها إلى بلدان العرب أو العجم. ونهتمّ لكل طالب حُرم تعليمه في حلب أو إدلب أو عرسال أو أوربا.

لا لتقسيم سوريا جغرافيًا ولا اجتماعيًا ولا فكريًا ولا وطنيًا، لا تتألم لمربع تعيش اليوم فيه فحسب؛ فقد تفارقه غدًا راضيًا أو مكرهًا، ولا يذهب بك ألمك مهما يكن عن آلام الوطن؛ فالوطن كبير وكله يتألم، الرأسُ منه لسببٍ والبطنُ لسببٍ والقدمُ لسببٍ، لكنها كلها أعضاء منه ومنك.

دعك من دواء يعالج الرأس دون اليدين أو الرجلين أو البطن؛ فإنه يعالج لك عضوًا ليأخذ منك الآخر، ولا تقبل حلًّا لجزء من البلد دون الآخر، ولا تهتم لمن يقيم في إدلب وتنسى من يقيم في دمشق أو حلب أو حمص.

نلتقي ولنتعاتب بعدها ونتخاصم ونتحاكم ونتشاجر؛ لكن عندنا ما يميز صفوفنا أكثر مما حدودٍ يحرّكها بيننا الأصدقاء حينًا والأعداء أحيانًا؛ فلا تختلط علينا الحدود وتتداخل التصنيفات!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد