تحية بيضاء مثل قلوبكم النقية أهل الشام منبر العرب، وقبلة فتوحاتهم.

تحية، لأولئك الذين لم تعد عقارب الساعة تؤرقهم، بل صوت الصواريخ وقاذفات الظلم والقهر «الله أعلم بكم».

تحية، لأولئك البعيدين، البعيدين جدًّا، البعيدين درجة قربهم من قلوبنا، فتلك السطور خطها قلمي لكم وليس لغيركم، فأنتم من يناضل ويثابر فيستحق عناء القلم وشقاء مداده وسهد أوراقه!

فتحية،  إلى كل دمعة وإلى كل قطرة دم، وإلى كل قلب مكلوم وكل جسد مجروح.

تحية إلى تلك الأرض الثابتة صمودًا والشامخة حصارًا والأبية قذفـًا والرافضة كل خنوع وهوان.

تحية لتراب تلك لأرض الطاهرة، قبلة الأنبياء ومهد رسالتهم.

تحية، إلى الطفل آيلان عبد الله الذي أرقني كثيرًا في منامي وقض مقعد راحتي بلا هواده وأذهب عني النعاس كي أكتب عنه وله.

منذ أن توالى عليهم الحصار ثم ضربات الغدر بلا رحمة والقذائف التي تصب عليهم الحمم صبًا، وذلك الصغير يجيئني ليلاً علّني أستطيع نجدته!

في تلك الليلة لم يطاوعني النوم، حتى في نومي ما زال يراودني التفكير في آلاف النازحين والمشرّدين والضحايا الذين لا سقف لهم إلا الدعاء وطلب العون من الله، فهم يخشون قدوم الليل بقدر ما ينتظره سواهم، لا أعلم ربما سيقضون هذه الليلة أيضًا مرتجفين متلحفين تحت السماء.

غلبني النعاس بعد أن غلبته، وجاء موعد لقائي مع هذ الصغير، وبدأ ما كنت أتحاشاه وجاء اللقاء الذي كان لا بد من مجيئه!

ما زلت أفر من تلك النظرة التي تفعل بي الأفاعيل عندما أتذكرها، فنظرته إليّ توحي بالاتهام واللوم، فقد أخذني ظلمًا ضمن الذين خذلوه واستباحوا دمه ودم أقرانه!

عفوًا ليس ظلمًا، فالراضي بالظلم يحشر مع الظالمين، «ومن رضي عمل قوم حُشر معهم كما حُشرت امرأة لوط معهم ولم تكن تعمل فاحشة اللواط»، إنها أعمال القلوب!

حسنًا لا داعٍ للمقاومة، فليس هناك ما هو أطول من الليل، من الممكن أن أنهي لقائي هذا، ثم أعاود إلى رأسي أحلامها البلهاء وتصوراتها العجيبة!

تولى هذ الصغير رأسي وراح يحكي لي عن عظمة الأجداد في فتح بلاد الشام في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تحت قيادة أعظم من حملوا راية الإسلام «سيف الله المسلول خالد بن الوليد، وأبو عبيدة بن الجراح»، قصّ عليّ كيف نفضت الشام ظلام البلاط البيزنطي وأشرقت عليها شمس الحق والنور والعدالة من مشكاة الإسلام وتحت ظل لوائه!

أظن أنه أراد أن يذكرني بالسلف، علّه يثير حميتي وتعلو يدي لأنزح عنه شظية ظلم أو رصاصة غدر، ولكن صوت عجزي ما يزال الأعلى!

عفوًا يا صغيري فليس لدي سوي الكتابة، فهي ضجري وقلة حيلتي وصوتي الخافت في البكاء.

ما زال صغيري يخبرني كل مرة، هذه الرصاصة الأخيرة وسيعم علينا الوطن، ثم!

ثم، لا شيء يحدث، الحرب لا تتوقف، لاتموت مثلنا! الدماء والجدران والخراب والدم والعويل ذاته!

وجاء دوري في الحديث ولابد من رد، كيف أبرر ضعفي وتخاذلي عنه؟

يا صديقي، إنَّ الله رحيم، ومن رحمته أنه أخفى القلب وأخفى بواعثه ليظل كل إنسان مخبوءًا عن غيره من بني البشر، فدعني مخبوءًا عنك فبداخلي بوح لا يطاق وبداخلي فراغ لا نور فيه، وأنت في غيابات القهر لا داعي أن تضيع بين شتات أفكاري!

رد: أنت تعلم أكثر مني أن الموت ليس نهاية الحياة، وأن كل امرئ بما كسب رهين منذ لحظة مولده، فيجب عليك أن تقاتل لا لتحيا بل لتعلو قيمة حتى لو كان جزاؤك الموت.

أعرف ما يتناقله إعلام بلادك «أنها حرب باردة بين طوائف عدة لا دخل لباقي العرب فيها فليس لهم ذنب مما حل بنا».

كل منهم يعتقد أن الحقيقة في جيبه فقط!

أتعلم، أنا لا أخاف الطغاة في أمتنا بل أخاف ممن يدافعون عنهم، فهولاء من يبثون هذا الحمق!

فدعني أفطنك كي أرفع عنك حرج الجهل وأكمل لعقلك تلك الصورة الناقصة، ولا تجزع إذا رأيت نفسك تسبح في بحر دمائنا ولا تقلق فلن أحاسبك، سأدعك تحاسب أمام محكمة الله.

الشام درّة الله في أرضه، ولؤلؤة بلاد العرب، وقلعة الجمال، وحصن التاريخ، وأسطورة تناقلتها الأزمنة والعصور، ففي حلب كانت القاعدة الرئيسية التي أقام عليها عماد الدين وابنه نور الدين مشروع الجبهة الإسلامية ضد المستعمرات الصليبية، وفيها اشتهر مهندسوها في نقب الأسوار وهدمها، فهم الذين نقبوا أسوار الرها والقدس وعكا ومعظم المدن التي كانت محتلة، ومن حلب أرسل نور الدين الحملات الثلاث إلى مصر، والتي نجحت في ضم مصر إلى جبهته ضد الصليبيين، وهاهي تهان بيد البطش، والعرب قيام ينظرون لا يتحرك لهم ساكن ولا تسمع لهم ركزًا!

تلك الأرض تتحدث عن نفسها، حتى وجوه أهلها صبغت من جمال أرضهم وكأن الله خلق هذا الجمال ليعيش في جمال مثله، حكمة الله الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه وتصويره!

لا أعلم ربما الجمال ليس من سمات هذا العصر، جمال المظهر، وجمال الأفكار والأمنيات، وجمال الخط، وحتي جمال العيون والنظر!

فالشام عربية خالصة فهي ليست تابعة للعلويين ولا للنصرة ولا لداعش ولا لدولة الخلافة، كل أولئك أيديهم ملوثة بدمائنا وليس فيهم من الإسلام من شيء.

هاهي صور جنود البطش والظلم بجانب جثثنا وأضلاعنا المتناثرة، من المؤكد أن هذه الضلوع بقيت من أجساد أصحابها كي تذكركم بعدد من غدوا منا إلى ربهم تحت غارات القهر، وأنتم في ثباتكم عاجزون!

صرنا بلا حُرمة، فحُرمة دمائنا استبيحت تحت مسامعكم وأنظاركم! «إن أهون علي الله أن تهدم الكعبة من أن يقتل مؤمن واحد ظلمًا».

حرمة موتانا استباحوها أيضًا، فصارت جثث موتانا تجمع فخرًا وعزة لجنود الخسة!

جمعوا بقايا جثثنا في مكان واحد وكأنه سباق لحصد الأرواح، فمن يصطاد أكثر ويجمع أكثر يفز، والعرب لم يحفظوا حتى تلك الحرمة أو يدافعوا عنها! علّ الله يبعث لكم غرابًا ليريكم كيف تواروا سواءتنا.

أراكم تغيّرون صوركم الشخصيّة على الفيس بوك إلى الأحمر، أو تعلنون إغلاق حساباتكم احتجاجًا على تجاهل مارك زوكربرغ لمجازر سوريا المتتالية وتواصلون نشر صور المذابح الدّامية والمفجعة.

حقًا أصابتني الحيرة، هل يجدي ذلك نفعًا لنا؟ هل ما تفعلونه على الفيسبوك غيّر شيئًا من واقعنا المرير؟ أبذلك أنتم راضون عن أنفسكم؟ أببضع شعارات وصور ثمّ تخلدون إلى النّوم قريري الأعين تطمسون عجزكم؟

توقف الكلام فجأة ووجدت صغيري يصارع الأمواج حتى وصل للشاطئ مغمض العينين تعلو جبهته بسمة يملؤها راحة واطمئنان!

لا أعلم ذلك البرود الذي أصابني عندما رأيته! فأحيانا يمنّ الله عليك «ببرودٍ» يجعل كل العواصف تمر دون أن تثير فيك شيئًا، ولا حتى دمعة!

غرق الصغير وغرقت معه أحلامه فالبلد التي زرعت فيه الحب لم تكن لتبادله ذلك الحب!

لم يأخذ فرصة واحدة، هذه الحياة لم تمد يدها له بعد، كل ماحدث فرض عليه، بل أقصد، سقط عليه!

لم يكن تخلّينا عنه نهاية الكون بالنسبة له، نحن فقط الذين انتهينا فيه.

بالتأكيد مازال لأحلامه بقايا، لن تكتمل إلا في الجنّة.

ذلك الصغير الذي حلمت به وأكتب عنه وله هو إيلان عبدالله الكردي، الذي نرى صورته ممددًا على الشاطئ التركي، غرق إيلان في البحر، بعد أن هرب به والداه وأخوته بعيدًا عن الظلم والبطش، جربوا حظهم وسط البحر المتلاطم، فكان أرحم بهم مما حل في بلادهم!

الكربة ستزول وستعود سوريا وستبقى الحرية، ستبقى الصحافة الوطنية الراشدة لتبث الوعي، وسيبقى الوطن، ومن ليسوا على قدرهم، سيذهبون!

إن لم نملك أن نغيّر شيئًا بأيدينا، فما زالت ألسنتنا قادرة على صنع المعجزات.

إذا رفعنا أكفّنا متضرّعين في أوقات الإجابة، سائلين الله أن يرفع عن إخوتنا في سوريا ما طالهم من أذى، وأن يردّ كيد الظالمين إلى نحورهم ويجعل تدميرهم في تدبيرهم.

اللهم إن العالم تخلى عن سوريا وما بقي إلا أنت، وأنت خير من دُعي، وأرحم من استرحم، وأعظم من استنصر، اللهم ارحم من تركوا خلفهم قلوب حزينة وبيوت ناقصة.

اللّهم ارحمهم برحمتك، ودثرهم بلطفك، وخفّف معاناتهم، واغفر لنا يا الله غفلتنا، ولا تجعلنا ممن مات فيهم الضمير، اللهم استجب.

ربما يمن الله عليّ مثل آيلان أن أطفو على وجه الماء يومًا بعد كل هذه السنوات من الغرق.

حينها ربما أصل لتلك الذروة من الانسجام الداخلي التي قل من بلغوها، لكن الأمر يستحق المحاولة! آن للضوء أن يمسّني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد