تكثر الدندنة من قبل العديد من المواطنين السوريين حول حبّ الوطن والتغزّل به ولطالما تغنوا بحبّه في كل المحافل بترصيع الأشعار وبذكر الأخبار وبالتفاخر به ليل نهار، فما بالهم بعد كل هذا يهجرونه ويتركونه أثرًا بعد عين.
أليس الأجدر بهم أن يبقوا فيه ولا يهجروه؟
أليس حريٌّ بهم بدلًا من هجرته أن يبقوا فيه ويدافعوا عن ترابه الذي طالما وصفوا تعلقهم به؟

كل هذه التساؤلات تُسكتها جملة واحدة، جملة تلجم الجميع عن الكلام وتصمت.

«نهجره رغبة في الآمان»

نعم إنها الغاية الأسمى والحاجة الملحة حيث يمكن للإنسان أن يعيش بلا طعام بلا مأوى، ولكن الحياة اللآمنة هي الأصعب، هي الأمرّ، هي أقسى أنواع ظلم بني البشر لبني البشر.

فهذا (فادي) ذو الثلاثين ربيعًا هاجر إلى أوروبا ويعيش فيها منذ شهور، يجيب على التساؤل بقوله:

«هجرتي من بلدي الحبيب سوريا ليس بغضًا فيه ولا محبة ببلاد أخرى غيره، ولكن هجرته لأني لم أعد أستطيع العيش فيه، فحياتي كدت أفقدها عدّة مرات إثر محاولات من عناصر إسلامية اغتيالي، كانت الأخيرة إصابتي في قدمي، ثم إن حاجتي الملحة للعلاج أيضًا سبب رئيس في خروجي من بلدي العزيز».

وهذا (أحمد) يقول أيضًا:

«لقد باتت الجهة – التي لا أستطيع التصريح باسمها – تلاحق دقائق يومي وتقاتل على بابي لتخلعه وتقتلني بل وربما تقطّعني إربا وللكلاب ترميني بغير ما سبب يُذكر، هذا ما علمته بعد إبلاغي من أحد أصدقائي، ومن ثمّ وصلتني رسالة عبر وسيلة تواصل اجتماعي تحمل في طياتها الحقد الدفين، منذ متى لست أدري وسببه مجهول عندي، لذلك اخترت وطنًا آخر مع رغبتي الشديدة في البقاء بوطني الأم».

وهذا (علي) الذي اعتقل مرة عند النظام الحاكم في سوريا مدة لا تتجاوز الشهر ثم عند تنظيم الدولة الإسلامية حوالي الثلاثة أشهر، وقد قاسى في المرتين ويلات التعذيب والإهانات التي لا يمكن لأثرها أن يمسح من ذاكرته فيقول ساخرًا:

«ما الذي يبقيني في بلدي ولم تبقَ جهة لم تعتقلني ولم تهن كرامتي وتغبر وجهي بأحذيتها، فلا أضمن هذه المرّة من يعتقلني بل وربما يقتلني؟».

فهذه نماذج بسيطة تبين أسباب ترك الوطن من قبل الشبان وهجرة بلدهم، فالجميع يخشى على نفسه وروحه وأهله كما في حالة (عماد) الذي لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره كما يقول والده لكنه يريد أن يطبق شرع الله في الأرض ويقيم حدوده مذ تعرّف على الشيخ الذي أراد اصطحابه إلى منطقة يُطبَق فيها شرع الله – كما يزعمون – وقد حاول أبوه صرفه عن ابنه مرارًا مع رفض الأخير ذلك واتهامه لأبيه بالكفر، وبعد محاولات بشتى السبل نجح (أبو عماد) أخيرًا في سحب ابنه من ذلك الشخص وإعادته إلى مدرسته مما أدى إلى إهالة سيل من التهم على العائلة من قبل تلك الجماعة وتوجيه عدّة تهديدات للأسرة التي اختارت مؤخرًا ألمانيا موطنًا بديلًا لها.

فمن ويلات النظام البائد إلى ويلات التنظيمات المتأسلمة ثم ويلات الهجرة يتنقل السوريون باحثون عن حياة أفضل، لعلهم يجدونها في مكان ما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد