يعلم الجميع أن اللاجئين الذين دخلوا الأردن لن يعودوا أبدًا إلى ديارهم، هذا إن بقي لهم مكان في تلك الديار أو بقيت الديار على حالها بالأصل، يعلم الجميع أن المخيم إن انتقلت فيه الخيمة إلى بناء الكرفانات، وتحولت الكرفانات إلى بيوت أسمنتية، فإن هذا يعني تحول المخيم إلى مكان للاستقرار. ولن يكون هناك ثمة حديث عن العودة إلى الدولة التي قدموا منها أبدًا، لننظر إلى المثال الحاضر في الأذهان إلى الآن، والذي يمثله بشرف وصبر أبناء الشعب الفلسطيني الذين تحولت مخيماتهم إلى مدن مغلقة!

 

 

 

 

 

 مخيمات منتجة

 

المخيمات اليوم عبء حقيقي على وطني الأردن، حقيقية لا يمكن إنكارها، فالواقع يؤكدها، سيما وأنها عطلت توجهات الدولة التنموية والإصلاحية جراء تحويلها إلى دعم اللاجئين الذين ضغطوا على أركانها، بحيث صاروا عبئًا إضافيًا على ميزانيتها الَمعُوقة بالأصل. هذا إضافة إلى المشاكل الاجتماعية والأمنية.

 

 

 

 

 

ثمة ضرورة حقيقية اليوم، ترتب على الدولة الأردنية العمل على تفعيل دور اللاجئين في دعم عجلة الاقتصاد الوطني، إذ من الممكن العمل على تأسيس مخيمات إنتاج، تعمل وتصرف على نفسها، بواسطة توجيهه المساعدات الوطنية الأردنية والدولية لمشاريع منتجة خاصة بهم.

 

 

 

 

 

يا ترى ما القيمة التي تشكلها المساعدات الخارجية للاجئين، إن تم منحها عبر مساعدات عينية ونقدية، لكم شاهدنا اللاجئين السوريين يبيعون المساعدات على أرصفة الطرقات بأبخس الأثمان، اليوم صار اللاجئ ينتظر المساعدات بفارغ من الصبر، بل يمكن القول إن هذه الطرق جعلته متكلاً وسلبيًا، فكل ما يريده أو يفكر به يجده متوفر عنده.

 

 

 

 

 

 

قد يرى البعض الاقتراح دعوة لاستغلال اللاجئين، هنا أطرح السؤال التالي لماذا خرج السوري من أرضه إلى أوروبا رغم مخاطر التجربة ألم يكُ الهدف ماليًا بحتـًا؟ أم أن الهدف من اللجوء إلى المخيمات المحصورة جغرافيا في ألمانيا مثلاً للبحث عن الأمان؟ مع العلم أن أغلب المسئولين الألمان يعتبرون اللاجئين ورقة اقتصادية رابحة يمكن استغلالها خدمة لمصالحهم، ألا تعمل الدول الأوروبية على دمج اللاجئين في اقتصادها وحياتها الاجتماعية، أم تراه يبقى في بيته متكلاً على المساعدات التي تقدمها دول الاستقبال؟

 

 

 

 

 

 

 

أليس القول بإعادة انتاج اللاجئين يعني التقليل من فاتورة المساعدات الخارجية الدولية، بل عدم الركون إليها، كذلك ألا يعني هذا مقدرتهم على إرسال الأموال إلى ذويهم الذين فضلوا البقاء في وطنهم على الخروج إلى حيث المجهول؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 حق العودة

 

من المؤكد اليوم أن ثمة مشاريع يتم الإعداد لها، لمناقشة حق العودة إلى سوريا، باعتباره ملفـًا أساسيًا في المشاكل السورية، ولا بد من ترتيبه بموازاة ترتيب الأوضاع فيها، بحيث تصير المخيمات المنتشرة في دول الجوار السوري، والقارة الأوروبية، إلى جانب الذين تم استقبالهم من دول العالم. يسمح لهم بالعودة إلى أراضيهم وبيوتاتهم، دون أن يلقوا تهديدًا لحياتهم، وآمالهم بغد أفضل. طبعًا هذه العودة حق لا بد منه، وضرورة، لأن القول بالإبقاء عليهم خارج أرضهم، يعني أن المشاكل ستمتد، ولن تنتهي، حتى وإن توقفت العمليات الحربية والإرهابية.

 

 

 

 

 

 

طبعًا السيناريو مرتبط حقيقة بالنظام السوري، ومدى مقدرته على استيعاب أهمية هذه العودة، فسوريا لجميع أبنائها، وليست حصرًا على أحد، سيما وأن هناك الكثير ممن هرب إلى خارجها، بعد تهديده من قبل المنظمات الإرهابية الدولية، التي لم تجد مهربًا للحفاظ على حياتها إلا بالهروب خارج سوريا.

 

 

 

 

 

 

هويات فرعية

 

لكن ماذا عن الصورة الثانية، التي تنحصر في سيناريو سقوط النظام، وتشكل كيانات عديدة لا ترابط أو تواصل فيما بينها، كيانات وظيفية متحاربة، يريد كل منها إنهاء الآخر للحلول مكانه، ما يعني تقسيم سوريا إلى «كنتونات» إقطاعية، تابعة لكل فصيل مسلح، السؤال هنا إلى أين يعود السوري العادي، الذي خرج رغمًا عنه لاجئًا، هل يعود إلى دمشق الخاضعة مثلاً لسيطرة ذئاب و قطعان داعش؟ أم إلى دولة الجنوب السوري التابعة لدولة جبهة النصرة الإرهابية؟ أم إلى دولة أو حمص التابعة للجيش الحر؟ أو إلى دول اللاذقية الخاضعة لسيطرة العصابات المنظمة؟

 

 

 

 

 

 

 

 

أزمة انتماء

 

إضافة إلى ذلك، هل السوري الذي ولد في حلب وكان ولاؤهُ تابعًا للدولة الوطنية السورية المعترف بها دوليًا، وأخذته الأيام ليكون جزءًا من منظومة الدولة الداعشية جراء التعديلات الكبرى التي شهدتها الجغرافيا المنقسمة على نفسها، والمرتبطة بمشاريع المنطقة الفوضوية، هل يبقى ولاؤه إلى سوريا الأم الطبيعية التي تربى على يديها؟ أم إلى الدولة الهلامية التي أوجدتها داعش؟

 

 

 

 

 

 

وهل الذي ولد في حمص وعاد إليها لا بد أن يتحول ولاؤه إلى الدولة الجديدة التي تحكمها؟ أية دولة من هذه الدول تقبل بالسوري اللاجئ، فوق كل هذا، ألا يحق للسوري الذي تعرض للأذى أن يطالب بالتعويض، حتى يقدر على إعادة الحياة لروحه!

 

 

 

 

 

 

 

 

إن كانت المعادلة بهذه الصورة فإن الدول التي يراد تشكيلها في المنطقة بعد انهيار النظام السوري، لا بد لها أن تجلس مطولاً لطاولات الحوار، لإعادة ترتيب المشهد بما يناسب مصالحها القائمة على استمراريتها، وتوسعها على حساب دويلات أخرى المجاورة لها، أما المواطن السوري العادي، فإنه يبقى وقودًا وورقة يتم استغلالها وقتما دعت الحاجة إلى ذلك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد