منُذ سنواتٌ تتسعُ المشكل، لم يكترث أحد، غرقََ الكثيرُ في غياهبٍَ ثلاثٍ، البحرُ والغربةُ والغدُ المظلم، لكن ثمةَ ما يحركُ الإنسان، ويدعوُه للمغامرةِ، حتى وإن كَانت النتيجةُ موتاً محتماً خنقاً او غرقاً.

 

 

 

يخرجُ اللأجىُ من أرضةِ هرباً من مناجلِ الَموتِ المتعددة والعابرةِ للحدودِ، بعضهم يتوجهُ الى دولِ الجوارِ، و البعضُ الأخرُ الى البحرِ، ليغوصَ في عمقِ المغامرةِ للبحثِ عن مكانٍ يحفظُ لهُ حياتهُ، وما تبقى من كرامتهِ وأحلامهِ، هكذا يعتقدُ اللأجئُ، لكن هل ثمةَ كرامةً لمن يتركُ بلدهُ ليصير عالةً على الأَخرينِ !

 

 

في حوارٍ مع السفير السوري السابق في عمان بَهجت سليمان بخصوصِ الأجئين، أجريتُه معهُ عبرََ صفحتهِِ على الفيسبوك، َسألتُه عن الأسبابِ التي تدعوُ أورُوبا لفتحِ أَبوابها للأجئينِ السوريينِ، خصوصاً في هذه المرحلةِِ التي تتزامنُ مع الحديثِ عن ترتيبِ الأوضاعِ في الداخلِ السوري.

 

 

ر دَ قائلًا:” هم يريدونَ تفريغ سورية من شبابَِها وطاقاتها، لرفدِ مُجتمعاتهم الهرَمة بطاقاتِ سوريةِ خلاقةً وشابةً، إن ما يجري اليوم من هجرةِ وَتهجيرٍ ما هو إلا حلقةً خطرةً من حلقاتِ الحربِ على سوريةِ، من أجل تَحطيمها، اليوم المسأله ليست في ترتيبِ الأوضاعِ الداخلَ السوري، بل في وقفِ الأستهداف الخارجي للدولة السوري، وللشعبِ السوريِ وللجيشِ السوريِ.

 

 

 

هذا يعني أن النظامَ السوريُ يرىَ سياسةِ الأبواب المفتوحةِ التي تَعُمل عليها أوروبا لاستقبالِ الأجئيِن، يصبُ في إطارِِ تدميرِِ الدولةِِ الُُسوريةِ.

 

 

لكن، البعضُ الأخر يرىَ أن النظامَ السوريُ يعملُ على تسهيلِِ الخروجِ لمن يريدُ، بهدفِ تفريغِِ دمشقَ، وإعادةَ بناءِ ديِمُغرافِيتَها بما يخدمُ مصلحةَ النظامِ أولاً، وما ينطبقُ على دمشقِ يَنطبقُ بالضرورةِ على باقيةِ المناطقِِ السوريةِ.

 

 

اليومُ تستمُر موجاتَ اللجوء السوري – العربي إلى أوروبا، والتي وجُدتها فرصةً مواتيةً لفتحِ أبوابهاَ وحلحلةِ مشاكلها – بعيداً عن العاطفةِ الأنسانيةِ – إذ أن مصالحِها الإقتصاديةِ أهم من فعلِ استقبال الأجئيِن الذي تنقلُه لنا الشاشات الدولية.

 

 

قبلَ سنوات شكلَ البحرُ حلمٌ للمهاجرينَ، صارت ليبيا بمثابةِِ قاعدةٍِ للتهريبِ، ماتَ الكثيُر، غرقاً، ولم يحركَُ أحدٌ ساكناً. هذا كان قبلَ أن تَفجرُِ أحداثَ المنطقةِ.

 

 

قضية اللاجئين اليوم تأخذُ أكبرَ من حجمِها، فقط لأنها طرقت أبوابَ أوروبا، بعَدما تم تَضخيِمها بشكلٍ مدروسِ، فُسنُة الهروبِ العربيِ إلى أوروبا كانت سابقةٌ للربيعِ بسنواتٍ، سقطَ عندَ أستارها شبابٌ بعمرِ الوردِ.

 

ولمَ تكًُ وليدةِ اللحظةِ، إلا أنَ استخدامِ ورقةَ اللأجئيِن – المهاجرينِ ، كورقةٍ سياسيةِ اقتصاديةِ من قبلِ دولِ الإستقبالِ الأوروبي المتوجسةُِ من خطورةِ سقوطِ اقتصادها الذي يريدُ الإبقاءَ على دينماكيةِ استمراريتهِ. هو العاملُ الأولُ في تسارعِ حركتها الأخيرةِ. قد يعترضُ البعضٌ على هذا، لكنها الحقيقيةُ التي لا ينُكرها حتى خبراءُ القارةِ العجوزِ أنفسهم.

 

 

فاللاجئ – المهاجر ، مشروعِ تهديدٍ حقيقيٌ للهويةِ الدينيةُِ والقوميةُِ والثقافيةُ الدولِ، وقنبلةٌ موقوتةٌ لا يعلمُ أحدً بموعِدِ انفجارها.

 

 

اليوم هناكَ ٤ ملايين يتوزعونَ على دولِ الجوارِ السوري، تركيا ١،٩، لبنان ١،١ مليون، الأردن ٦٢٩ ألف، العراق ٢٤٩ ألف، مصر ١٣٢ ألأف، ليبيا ٢٥ ألف،  الى جانبِ هذا هناكَ ما يقارب من ٣٤٨ ألف طلب لجوء لأوروبا، ٤٧٪ منها الى المانيا ١٩٨ألأف، السويد ١٦٤ ألف طلب. الى جانب ١٢ مليونَ نازحٍ في داخلِ سوريا .

 

 

فألمانيا التي تعدُُ الاقتصاد الأوروبي الأول، تُعانيَ من نقصٍ حادٍ في عَديدِ القوىَ العاملةِ، بهدفِ رفدِ دماءٍ جديدةٍ في مُجمعها اللإقتصادي، لضمانِ الإبقاءِ على السيطرة الأوروبية، سيما وأن معدلاتَ الخصوبةُ والنمو الطبيعي منخفضةٌ، لا تلبي حاجياتِ سوقِ العمل، فكلُ عامٍ تحيلُ الدولةُ ما يقاربَ من ٨٥٠ ألف ألماني على التقاعد، وهي تحتاج الى ٦ ملاَيينِ عاملٍ حتى عام ٢٠٣٠م.

 

 

يقول أكيم ديركس نائبُ رئيسُ غرفةَ التجارِة والصناعِ الألمانيةِ: “نحنُ بحاجةٍ إلى القوى العاملةِ في مجالاتِ الفنادقِ، والمطاعمِ، والخدماتِ اللوُجستيةِ، وكذلك في مجالاتِ الصحةِِ ورعايةِ المسنينِ“.

 

 

الخطوُة الألمانيةُ القائمةَ على فتحِ الأبوابِ المغلقةُ بوجهِ اللاجئيِن، والمبنيةُ على التفكيرِ المستقبليِِ الإستراتجيِِ، اعتبرتها رئيس حزب الجبهة الوطنية الفرنسي “ اليميني” مارين لوبان بطاقةٌ المانيةٌ” لاستغلالِ اللأجئينَ و”استعبادهم” من خلالِ فتحِ الحدودِ أمامهم ودخولهم بالآلاف ليكونوا أيدي عاملة رخيصةَ في بلد يتطلع للاستمرار أن يكون أكبر اقتصاد بأوروبا “.

 

 

ما يعني أنَ المانيَا تهدفُ من عَملها هذا الى استغلالِ موجاتِِ اللجوءِ بما يخدمُ مَصالحها أولًا وأخيراً، من خلالِ تغليفِِ خطوتها بغلافٍٍ إنسانيٍ. بالطبعِ، هذا لا يعدُ مأخذاً عليها أو على غيرها من الدولِ الأوروبيةِ.

 

 

مشهدُ اللجوء هذا يشبهُ الى حدٍٍ بعيدٍٍ مشهد اللجوءِِ العراقيِ، إثرَ احتلالِ بغداد عام ٢٠٠٣م، حيثُ عملت الدولُ الأوروبيةُ على استقاطبِ خيرةَ أبناءَِ الشعبِِ العراقيِ، خصوصاً من أصحاب الشهاداتِ التخصصيةِ العليا، بهدفِ الإستفادةِ من خبراتهم، لننظر الى السويدِ، والولاياتُ المتحدةُ، وبريطانيا.

 

 

إلا أن الخلافَ هُنا، أن حاجةَ اليومُ إلى الأياديِ العاملةِ العاديةُ، لتغطيةِ ميزان الحجز في القطاعاتِ الخدماتيةِ ورعايةِ المسنينِ، الى جانبِ بعض التخصصاتِ الهندسيةِ والحاسوبيةِ، لا ذات الخبراتِ والمؤهلاتِ العالية، التي هي بالأصل رُحلت مسبقاً، وفتحت لها الأبوابُ على مصرعيها. ومُنحت بطاقاتُِ عملَ زرقاِءِ، تضمنُ لها البقاءُِ في المانيا والعملِ فيها.

 

 

هذه الخطى والتي وإن كانت مأساوية إلا إن لها دوراً آخر، يدعمُ مشاريعُِ الأقليمِِ القائمةِ على إعادةِِ الترتيبِ، سواء أكان في الدول، أو في السكان، بحيث يصارُ الى زحزحةِ مجموعاتٍ بشريةٍٍ وإحلالِ أخرى مَكانها، لنأخذ مثلًا حالةَ بغداد التي اضحت ذات أغلبية شيعية مطلقة، نتيجةِِ إقصاءِ المكونُ السني، وهو حالياً ما يرادُ تطبيقه وإن بصورة أكثر خطورة وعمقاً في سوريا.

 

 

أخيرًا إن أُريدَ إنهاء مأساةِ الشعبِ السوري، ومأساةِ الأجئينَ في أوروِبا، لابد من إنهاءِ حمامِ الدم السوريَ أولاً، كأولويةٍ قصوىَ، لا يمكنُ القفزُ عنها.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد