بعد ست طعناتٍ استفقنا، حين رأينا أثر العمرِ على أجسادنا بعد الحرب، فكنا كالناجين من الموت ممددين على فراش الغربة مغيبين عن الحياة لأسبابٍ حنينية، عشقية، أو لعلها نرجسية. كان علينا أن نصحو قبل هذا اليوم بسنوات؛ فالحرب والوطن والعمر كلهم ركبوا قطار الزمن ولم ينتظرونا.

في بادئ الأمر كان من الطبيعي جمودنا لعدم استيعابنا أين أصبحنا وأمسينا، ثم استوعبنا بعض الشيء، ابتلعنا الحياة بنكهةِ الحرب وجلسنا مشدوهي الأفواه نتابع سير الأحداث على مسرح الوطن من أماكننا، نمرض بعد كل جنازةٍ تشيع وترتفع حرارة الحنين بعد كل صورةٍ، إلى أن مرت السنون ونحن كالسنونو نهاجر إلى أغصاننا القديمة كل عامٍ بأرواحنا وأجسادنا تبقى مصلوبةً على جذع الغربةِ اليابس حتى أصبحنا مثله.

لكن أما آن الأوان أن ينتهي زمن الوقوف على أطلال الوطن والبكاء عليه؟! ماذا جنينا من كل ذاك الوقوف! أحصينا بيوته المهدمة، عدد شبابه المهجرة، أم جنائزه المتجددة؟ حان الوقت لأن نوقف شلال البكاءِ على الأحلام الموؤودةِ وهذا أقل ما بوسعنا أن نفعله حين نعجز عن وقف شلال الدماءِ المسفوكة.

أهم ما علينا القيام به هو أن نضع الوطن خلف أسوار قلوبنا قليلًا ليبصر العقل يوم الغد بدون دمعٍ. يكفينا كم مرت أيام والعقل والقلب مشردين في إجازةٍ ضمن الوطن ونحن تائهون نبكي الأمس المجيد ونضيع من أيدينا اليوم الجديد وعن الغدِ أبصارنا تحيد!

فبعد كل تلك السنين التي كانت أشبه بدورةِ صاعقةٍ ساحقةٍ لكل منافسٍ للوطن وإن أعجبتنا بعض المدن ننسى جمالها حين لا نجد أحبتنا فيها، فيعود الولاء الأول والأخير للوطن الذي لم نشعر بقيمته إلا بعد ضياعه، لكنه سيحاسبنا بعد انجلاءِ تلك الغمة، عن غربتنا فيم أفنيناها؟ بماذا سنجيبه؟ أفنيناها بكاءً على جرحه ونزفًا كرمي لحربه! هو شبع وتعِب من الدماء والبكاء.
دموعنا تلك لن تشفع لنا أمامه ذات إعمار، علينا أن نرمم دواخلنا فنصلح أنفسنا لتصلح أوطاننا ثم نبدأ بالعمل الذي يملؤ وقتنا وينقذنا من الانجراف مع سيولِ الاكتئاب الذي شل تفكير شبابنا وأفسد رغبتهم في الحياة، فما ضرنا إن تهدمت أحلام وبنينا غيرها، ألسنا نحن جيل الشباب الذي سينهض بالوطن؟! ولعل أرض الغربة القاسية أصلب وأصلح لتكون قاعدةً نبني عليها أحلامنا الجديدة وحين تدق أجراس العودة تكون تلك الأحلام قد انعكست واقعاً فينا فنعود حاملين الحب، العزيمة، المشاريع والأفكار الجديدة.
عد إلى وطنٍ ناجٍ من الموت قويًا، لتحمله وتسعفه، لا تعد إليه مدمرًا يائسًا واهنًا كحاله فتموتا معًا، لا حاجة للوطن بشهداءِ الاغتراب ليضيفهم إلى قوائم شهدائه أو يفتح لهم خانة جديدة تسمى خانة الموتى على قيد الحياة، إن في ذلك لخيبة الأوطان.
فإن كنت غير قادرٍ على أن تمد له يدك لتنهض ببعضه، فلا تكلف نفسك عناء الرجوع، الرجوع لا يليق إلا بمن أعد العدة لبناء وطن.
أما أولو الدمع فليبقوا خلف الشاشاتِ يتحرقون، أنْهر الدموع في الوطن أوشكت أن تجف، لاحاجة له بالمزيد، وصحاري غربتهم أولى بدموعهم علها ترتوي وتزهر ريثما تباغتهم صحوة، هي ليست دعوة للتحريض على نسيان الوطن، لست أنا من تقترف جرمًاً كهذا، فأنا كنت وسأبقى أول من ماتوا شوقًا وأكثر من بكوا حرقةً، لكنني لملمت دمعي على وطني لطهره، لا لطهري، وإن كان لي نصيب من تلك الصفة، فلأنني انتسبت لتربه. خبأت ذاك الدمع في ثلاجة الوقت؛ لأطفئ به نيران شوقي، إن شبت لتحرقني.
صدقوني إن قلت إني ما تنفست إلا حين نظرت للنصفِ المملوءِ من كأسِ اغترابي، وأغرتني الأحلام بجمالها وبفرحة وطني إذا حان لقاؤه المقدس لأهديه إياها ويهديني ابتسامة حب أطرزها على ثغر الأيام، فاستثمرت قطعةً من صحرائي، لأبني عليها أحلامي وحين يدعوني الوطن إلى مائدةِ نجاته أكون جديرة بأن أجلس على رأسها فيفخر بتلك الفتاة التي غادرته في الرابعة والعشرين ربيعًا وها هي عادت لتهدي أحلامها واقعًا لوطنها الذي مل الأحلام.
لن أعود كاتبةً ولا شاعرة، سأعود كما غادرته بلا ألقاب، حسبي من جمالِ الألقاب  أنني ابنة أرضه الطاهرة، سأعود لأغرس أولى قصائدي في ترابه وأسقيها بحبرِ كل كلمةٍ كتبتها في غيابه وغيابي، سأنتظر ذاك اليوم ولو كنت في الرابعةِ والثمانين خريفًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بناء, حرب, سوريا, وطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد