لم يكن مؤتمر جنيف3 إلاّ منعطفـًا حاسمًا لإنهاء الخطب الودية والابتسامات الوردية المنمقة، وذلك بعد أن ظنّ كثير من المتابعين للأزمة السورية بأن هذه المفاوضات ستشكل دعمًا لجهة حلّ أكبر وأبشع أزمة في العصر الحديث، خاصة مع تسجيل تراجع قوة الدّفع الأمريكية وانتقالها من موقع الدعم اللوجستي والعسكري للمعارضة إلى لعب دور الوسيط مع روسيا، وأبلغُ دليل على ذلك هو التصريحات المسربة لوزير الخارجية جون كيري في لندن والتي لام فيها المعارضة بعد انسحابها من مفاوضات كانت لتنتهي مثل ما بدأت، وهذا كله من أجل الضغط باتجاه إنجاح المفاوضات السياسية ولو على حساب دماء السوريين، وتسجيل نقطة هامة لصالح إدارة الرئيس باراك أوباما قبل مغادرته البيت الأبيض بعد انتهاء عهدته الثانية دون تحقيق أي رصيد دبلوماسي حتى الآن يدخل به التاريخ، خاصة أن إدارته انتهجت سياسة الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط.

النظام السوري بمساعدة روسيا وإيران وباقي المليشيات المقاتلة ما زالوا يسعون إلى تغيير واقع الحرب على الأرض باستغلال تراجع الدعم الذي كانت تحظى به المعارضة المسلحة، بل أكثر من ذلك يسعون بجدية كبيرة إلى تغيير الواقع الديموغرافي في العديد من المناطق، خاصة تلك المحيطة بالعاصمة دمشق ومحافظة حمص.

المملكة العربية السعودية التي لوّحت دائمًا بالعمل العسكري إذا ما فشلت الجهود الدبلوماسية، ها هي الآن تعد العدة وتجهّز 150 ألف جنديًا للتدخل بريًا في سوريا تحت مظلة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، ومرة أخرى لن تكون وحدها في هذه العملية، فقد أعلنت الإمارات العربية المتحدة والبحرين استعدادهما للمشاركة في انتظار انضمام المزيد من الدول العربية والإسلامية.

تركيا لن تبقى مكتوفة الأيدي خاصة وأن الحديث يدور حول استعمال حدودها الشاسعة مع سوريا (850 كلم) من أجل تسهيل التدخل البري، والأكيد أن تركيا ستتدخل بكل قوة من أجل القضاء نهائيًا على خصومها الأكراد (المدعومين من قبل طهران) الذين تحالفوا مع النظام السوري وروسيا وإيران على حساب وحدة الشعب السوري.

إذن في جنيف 3 أسدل الستار نهائيًا على الحل الدبلوماسي في سوريا، وانتقل إيقاع الأزمة للحديث عن تطور الحرب وبدأ قرع طبولها، ولا أحد الآن يستطيع التكهن بما ستؤول إليه الثورة السورية التي بدأت يومًا بمظاهرات تنادي فقط بمزيد من الحريات.

التدخل البري “إذا ما حصل” سيكون كما ذكرنا سابقـًا عبر الحدود التركية، وبالضبط من خلال المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش في ريف حلب، هذا الأخير سيتم القضاء عليه في فترة وجيزة بحكم أنه سيكون محاصرًا بين القوات البرية من الخارج وقوات المعارضة من جهة الداخل، ليتم بعدها تمويل الفصائل السورية المعتدلة بكل ما تحتاجه لمواجهة الهجوم البري والجوي الذي تقوده روسيا هناك.

تنظيم داعش كان دائمًا الفزاعة التي تستعملها كل الأطراف لأجل تبرير تدخلاتهم في سوريا، والتنظيم هو نفسه لعب دور الفزاعة لعدة سنوات من أجل إخافة الشعب السوري في محاولة لإعادته إلى بيت الطاعة، حيث سعى منذ ظهوره إلى تشويه الثورة السورية وصورة المقاتلين في الجبهات.

الشعب السوري سيكون مرة أخرى على موعد مع دفع فاتورة باهظة بعد أن تنتقل الحرب في بلاده إلى مرحلة جديدة، مرحلة ستصل إلى حد كسر العظام بين القوى الإقليمية على مناطق النفوذ في الشرق الأوسط خاصة بين السعودية وإيران.

لكن ماذا عن سيناريو “أمريكي روسي” يتم التحضير له بصب الزيت على نار الحرب الطائفية المشتعلة أصلاً، ماذا إذا كان الغرب والشرق اتفقوا هذه المرة – وأقول هذه المرة فقط – على رقاب العرب والمسلمين وهم يعدون حاليًا لحرب طائفية مدمرة تعادل في حجمها عشرات أضعاف الحرب العراقية الإيرانية والتي استمرت لثماني سنوات، بشرط أن تحافظ روسيا على تواجدها القوي في الساحل السوري، حرب إذا نجح الشرق والغرب في تأجيجها ستدخل منطقة الشرق الأوسط برمتها في أتون صراع لا ينتهي حتى تنهك قوى كل الدول المشاركة وحتى غير المشاركة، لتبدأ بعدها التسويات وتقسيم الدول على أساس العرق والدين، والبلدان التي نقصدها هنا هي العراق وسوريا وربما لبنان.

الكلام السابق ليس من نسج الخيال، بل ما دفعنا إلى قول ذلك هي الزيارة الأخيرة التي قادت الداهية السياسي ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر لموسكو التي حملت رسائل مهمة للقيادة الروسية، وقد تسهم في تخفيف حدة التوتر في العلاقات بين البلدين، لا سيما أن كيسنجر – الملقب بـ”عرّاب” السياسة الأمريكية – تنظر إليه موسكو بإيجابية كشخصية أسهمت في الماضي في تجاوز الأزمات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

وفي تقييمه للأوضاع الراهنة، نشر كيسنجر مقالة في صحيفة ناشيونال إنترست في الرابع من الشهر الحالي تناول فيها المستوى الحرج الذي وصلت إليه العلاقات الروسية الأمريكية، وحالة انعدام الثقة، والندية التي أعادت مناخ الحرب الباردة، داعيًا لتشكيل منظومة عالمية جديدة متعددة الأقطاب، تراعي التوازنات الجديدة، ما من شأنه إنهاء الاضطرابات والتوترات الحالية، ورأى كسينجر – في مقالته – أن روسيا عنصر رئيسي في أي توازن عالمي جديد، بخلاف ما تردد بأنها الخطر الرئيسي والمطلق الذي يهدد الولايات المتحدة، وعبّر عن قناعته بأن التنسيق بين موسكو وواشنطن كفيل بإيجاد حلول سياسية للأزمة السورية بعد فشل الأطراف المحلية والإقليمية، والأمر كذلك ينسحب على أزمة أوكرانيا التي يمكن حلها بدمج أوكرانيا في منظومة الأمن الأوروبي؛ لتصبح جسرًا يربط بين روسيا والغرب كما يرى كيسنجر، هذا الأخير وصفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالصديق القديم، والتقاه في جلسات خاصة أكثر من عشر مرات في أوقات مختلفة.

على ضوء ما سبق، نحن في هذه الفترة أمام منعطف خطير، وعلى القادة العرب والمسلمين المندفعين نحو التدخل البري في سوريا التفكير مليًا في كل الاحتمالات والنتائج الإيجابية والسلبية من أجل ضمان أقل الأضرار، فالشعب السوري لم يعد يتحمّل المزيد من المغامرات غير المدروسة، خاصة بعد المستوى الهزيل الذي ظهرت به المعارضة.

فاعتماد المعارضة – خاصة السياسية- على الولايات المتحدة الأمريكية الذي استمر خمس سنوات متتالية كان مبالغًا فيه، حيث اعتمدوا على منظورهم الإيديولوجي على حساب فهم الواقع الجديد في عهد الرئيس باراك أوباما وتحليله، خاصة وأن واشنطن ستصل في النهاية إلى تفاهمات مع موسكو حتى لو كانت مؤقتة – في انتظار الانتخابات الأمريكية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل – وذلك من أجل محاصرة الصين اقتصاديًا وعسكريًا، بما يعني أن كل ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط عبارة عن تفاصيل صغيرة بالنسبة لهم يسهل التحكم فيها في وقت ومتى ما شاءوا حتى لو اندلعت حرب طاحنة في سوريا والعراق.

المعارضة لم يعد لها أوراق كثيرة تعتمد عليها، وعامل الوقت لم يعد في صالحها كما في السابق، فالنظام السوري أصبح في أريحية كبيرة بعد التدخل الروسي، وهو الآن يمتلك مخازن مليئة بالأسلحة من مختلف الأنواع والأحجام، لكن الحرب لم تنته والمعارك سجال، فيوم لك ويوم عليك، والمهم الآن أن تعيد المعارضة المسلحة النظر في طريقة تفكيرها بالمواجهات العسكرية الكلاسيكية التي تعتمدها الجيوش النظامية، والتي أثبتت فشلها في عدة مناطق رغم الصمود الذي أبداه مقاتلوها، لكن يبقى الحل الأنجع من أجل تغيير الواقع الميداني العسكري هو عودة الضباط الشرفاء المنشقّين لبناء الجيش الحرّ مع تسليحه بشكل جيد وإعطاء الأولوية لأصحاب الخبرة لقيادة الفصائل العسكرية، أما تدخل الجيوش العربية مع تركيا فلن يزيد الطين إلا بلة.

الأكيد الآن أن المعارضة السورية كشفت مرة أخرى زيف السياسة الأمريكية وطبيعتها المبنية كليًا على مصالحها وأمنها القومي، ولا بأس في منظورها من تدمير سوريا وتهجير أكثر من نصف شعبها، وإعادتها إلى عصور سحيقة، كما فعلت هي في العراق، فالدول الرأسمالية لم تكن أبدًا حليفة لثورات الشعوب، ولن تكون، بل إن خوفها من الثورات في ظل الوضع الاقتصادي المتأزم يجعلها تدعم تدمير كل من يفكر في مغادرة بيت الطاعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد