حتى وقت لا يُسمى بالبعيد، كنا نهتف وننادي بتحرر عقولنا من وهم الحياة، وانعتاق أرواحنا من طغاة الفكر، ومستبدات الأنفس، كنا وما زلنا نهتف بالحرية الخفية المعاني، العلنية الغايات، حرية الفكر قبل الجسد، وحرية الروح قبل الحدود، وحرية الذات قبل الحواجز.

وأما إذا ما سألونا عن تلك المعاني الخفية، وراء هتافاتنا السلمية، والعقلانية، والمبهجة، والمتفردة؛ فكنا نقول إنها لحاجة في أنفسنا، ونحتفظ بحق الرد خشية الاختفاء، فكل من اكتفى اختفى؛ أي أن كل من سأل كان يسعى وراء مضمون واحد مضمر، يريد من خلاله كشف الحجاب، وإزالة الساتر عن مكنونات أنفسنا وأهوائها، حتى إذا ما عرفها وجد مفتاح الطريق الذي يدله على أبواب أنفسنا الموصدة بإحكام خشية الانكسار؛ فيمكّنه ذلك المفتاح من تشرّب ما يريد من أفكارنا، وهتافاتنا حد الاكتفاء، ليستطيع بعد ذلك ممارسة الاختفاء المضطهد بسلام.

هتافاتنا سلمية بحتة، خرجت من رحم معاناة، تولدت عقب الأزمنة، وتوالت مع توالي الحكام الذين ما لبثوا أن أفسدوا الأرض والأنفس أكثر مما عمروهما، حكام لم يعرفوا للحق طريقًا سوى الكرسي القابع تحت أفخاذ سمان عجاف، أرادوا من خلاله ممارسة حقهم المعتبر في إدارة الشئون، والبلاد، والظنون، والأهواء، لكنهم ما لبثوا إلا أن أخطؤوا في استلام منصبٍ، يذل أكثر مما هو يرفع، فعاثوا الفساد في الأهلِ والمالِ والأولاد، ودمروا الوطنَ والحجر، وأهانوا النفسَ والبشر.

حكامٌ أكل الدهر على عقولهم وشرب، فاستساغوا كل ما حرمه الشعب على نفسهِ من أفكار، وصراعات، وحريات، إلا أنهم «الحكام» أبَوا إلا أن يلقنوا شعوبهم دروسًا جمةً في مفهوم الحرية، الذي أُلقي فيما بعد على عاتق أُناسٍ لا يعرفون للحق سبيلًا، يسنون شعائر قددًا، ويبيحون في سبيل الحريةِ ما لم ينزَل به من سلطان.

ومع مرور السنون والأفكار، أصبحنا وبلا منازع أصحاب الحق المشروع الأول في طلب الحرية المتأصلة المزروعة فينا، كما الوطن الذي لا يغدو وطنًا إلا مع تكاتف الهتافات، وتضامن الأهواء، وتعاضد الدماء، والتآزر ضد الأعداء.

مع مرور الزمن وكبر المسئوليات تجاه الأهل والوطن، أصبحنا من أوائل المطالبين المنادين بكلامٍ سرمدي مفاده أن حريتنا أكبر من طغيانكم، وسلميتنا أعظم من تهجمكم، وعفويتنا المسلوبة علنًا ستعاد إلى أرواحنا المأخوذةِ بلا ميعاد، المنتزعة بلا رقيب، المختطفة بلا توقيت، المنهوبة بشنيع صنائعكم وتجبركم، المنشولة بجرم لم نقترفه.

حريةٌ ترددت على مسامع من عايشوا التاريخ والحاضر، فانقسموا فريقًا اهتدوا بها ولها، وفريقًا حق عليهم الضلال؛ فغوت قلوبهم وأهواؤهم، بأمر من الحق الذي يهدي من يشاء لما يشاء، فالذين ضلوا يهيمون بعبادة صنم لا يسمن ولا يغني من حرية، يأكلون مما يأكل منه، ويشربون من نفس كأس الطاغية المتعسف، لا هم ذو كرامة فيسلموا، ولا هم أصحاب عزة فيأمنوا مكره، وهو يمكر وهم يمكرون والله بعزته الماكر الحق.

وأما الذين اهتدوا فهم في سكرات الموت خالدين، ما دامت الأرض مسلوبةً دامية، وما دام الطغاة يعيثون فسادًا عظيمًا. فهم كانوا وما زالوا أصحاب حقٍ وكرامة، قدموا أرواحهم فداءً لوطن مسلوب كان مزدهرًا، وما زال الفعل الماضي ملاحقًا إياه، لكن طريق الذل ما يلبث إلا أن يُزاح، والحق لا بد أن يُكشف، والروح لا بد من معايشتها الفرح من جديد، والأنفس لا بد من وحي يقربها من ديارها المغتصبة، والأفكار لا بد من عودتها عن ضلالتها، والشرور لا بد أن تندثر عن القلب، وما على قلبك شر يا شام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات