من منا لم تفصمه الثورة؟ لم تُعريه أمام عقده وتناقضاته؟ لم تُظهر أسوأ ما فيه؟ من منا لم يهتف باسمها أحيانًا ويلعنها أحيانًا أخرى؟ كم مرة امتننت لوجودها؟ وكم مرة تمنيت لو أنها لم تقم؟ كم مرة اعتراك اليأس وأنت تشاهد أولئك الذين حملوا السلاح كي يدافعوا عن أهلهم وهم يتحولون إلى فِرق متناحرة يقتل كلٌّ منهم الآخر؟ حين لا ترى من الثورة سوى أولئك الذين جاؤوا لتطبيق خلافتهم على شاكلة لم ينادِ بها دين ولا يرضاها إله؟ حين ترى جز الرؤوس، وفصل الأجساد عن الأجساد؟ حين تشعر أنك لربما كنت سببًا في كل ما يحدث فقط لأنك خرجت في مظاهرة يومًا ما، أو كتبت على صفحتك الشخصية: «الشعب يريد إسقاط الرئيس».

فقط عُد إلى أولئك الذين لم تخدعهم المسميات ولم تُضلهم كثرةُ الطرق، الذين يشبهون الثورة حين لا تحيد، تذكر حنجرة القاشوش، بُحة طارق الأسود وهو يغني في ساحات حمص: «طيب إذا بنرجع توعدنا تسمعنا؟ ماشي يلا ارحل هذي مطالبنا»، تذكر ابتسامة باسل شحادة وهو يجيب المذيعة الأمريكية عن معنى كلمة «وطن». ولا تنسى غياث مطر وهو يواجه رجال الأمن بالورود، تذكر الدمشقي الذي يستشهد في حمص، والحمصي الذي يوثق أحداث حلب، تذكر حنكة أبي فرات. لن يكلفك الأمر كثيرًا كي تصل إلى أن النظام كان لا بد أن يسقط، حتى وإن بدا الأمر مستحيلًا الآن، فالمحاولة كانت حتمية. إن هذا العدد اللامتناهي من الأشخاص الجميلين لم يكن أمامهم إلا أن يقفوا في وجه تلك الكمية اللامتناهية من القبح.

ربما يمتلك كل منا قائمته الخاصة بأسماء أبطاله الذين يحبهم ويتذكرهم حين يلوح له أنه لربما حادت الأمور عن جادة الصواب. بعيدًا عن الأبطال الذين نعرفهم جميعًا، دائما هناك أبطالٌ لا ينالون نصيبهم الكافي من الضوء، ربما تمنعهم أسماؤهم من الظهور لكن لا بأس، فالأسماء تموت ولا يبقى سوى القصص.

«كان الخوف يمتلكني حين تقع عيناي على تمثال حافظ، أشعر أنه يتبعني بنظراته حيثما توجهت، في الواقع كانا اثنين، الأول على مدخل كلية الآداب، والآخر على أحد أبواب الصالحية هذا عدا عن التماثيل الأخرى المنتشرة بكل الأحجام والأشكال، لكن التمثال الأكثر رعبًا كان ذلك الموجود على مدخل الكلية فقد عرفه الجميع بنظرته المخيفة، إضافة إلى وجود مجموعة من الحرس حول كل صنم لحمايته، لست أدري مِن مَن أو مِن ماذا؟ كنت سرعان ما أشيح نظري بعيدًا عن التمثال، كنت أخشى أن يسألني أحدهم لماذا أحدق بهذه الطريقة أو أن يروا كل ذلك الكم الهائل من الخوف والكره معًا، كانت السياسة كالغيبيات تمامًا لا يجرؤ أحدنا على الخوض فيها حتى مع نفسه؛ لأن الجدران في حينها لم تكن تسمع فحسب، إنما تتنبأ بما يجول في خُلد المرء منا» هذا بعض مما قالته «نون» من كفرسوسة في خضم حديثها عن الأسباب التي دعتها للوقوف مع الثورة.

أما «سين» من الزبداني فتقول إن أول ما يجول في خاطرها حين يُذكر اسم النظام هو مشهد والدها وهو يُخبئها في العلية كلما داهمت البيت حملةٌ أمنيةٌ، ويوصيها ألا تخرج لأي سبب كان. «إياكِ أن تخرجي حتى وإن رأيتِنا نموت، إياكِ». لم يكن يخفى على «سين» وهي الفتاة الوحيدة في المنزل لماذا يخبئها والدها. «كنت أحرص ألا يتلاقى ناظرينا كيلا أرى في عينيه ما سيقرأه في عينيَّ، كنت أتظاهر بأني لا أفهم شيئًا».

وهذه «جيم» من دوما فتقول إنها من عائلة معارضة للنظام منذ فترة حكم حافظ الأسد، وقد تربت على سماع جرائمه من أهلها بما فيها الاعتقالات والمجازر وأحداث حماة وغيرها، لكن ما دفعها لتحديد موقفها بشكل شخصي هي المشاهد التي رأتها «جيم» بعينيها. «كان بيتنا يتوسط المدينة، حيث كنت أسكن بين جامع الكبير والبلدية من جهة، وجامع التوحيد والبغدادي من الجهة الأخرى، وهي المناطق التي كانت تنطلق منها المظاهرات، كنت أسمع الهتافات، أصوات إطلاق الرصاص، محاولات الاعتقال، صراخ الأمهات وهن يحاولن تخليص أبنائهن من قبضة رجال الأمن، كنت أرى في النظام عدوًا حقيقيًّا تتلخص فيه كل سمات العدو: يحاصر، يقصف، ويعتقل. في أول أيام الثورة تم محاصرة المدينة بالحواجز والقناصين، وكان بيت جدي من ضمن البيوت التي تم قصفها جويًّا، كان رجال الحرس الجمهوري على الحواجز يتلذذون بإخافة الناس وتوجيه الروسيات صوبهم. كنت أشعر أنهم يقتلوننا لأجل التسلية!

أما «ميم» من جبلة، فقد قضت طفولتها في الخارج، لكنها تقول إن أول ما دعاها للوقوف مع الثورة هو الكم الهائل من القصص التي يتناقلها الناجون من زنزانات النظام والاعتقالات التعسفية، وخاصةً مدن التعذيب تحت الأرض، والتي يرفض المعتقل الحديث عنها حتى بعد خروجه لشدة الخوف والقمع اللذين تلقاهما داخل الزنزانة، ثم ختمت حديثها قائلة: «حتى لو لم يكن هناك أسباب، الرئيس ليس إلهًا ويحق للشعب أن يغيره متى أراد».

قد تضل البوصلة أحيانًا، لكن علينا ألا نساوي بين الضحية والجلاد، إن كل الممارسات اللاإنسانية التي تصدر تحت غطاء الثورة ليست هي الثورة، إن الثوار قد يحيدون عن الطريق لكن الثورة لا تفعل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد