قنبلةٌ انفجرت في تونس فطالت شظاياها منطقة الخليج العربي، عبارة مجازية تعبر عن حال المنطقة العربية في فترة أواخر عام 2010م وبدايات عام 2011م، فتلك الفترة التي كانت فيها البلدان العربية على صفيح ساخن؛ بسبب الثورات والاحتجاجات التي قامت بها شعوب البلدان العربية، التي بدأت إرهاصاتها الأولى في تونس، ووصلت إلى البحرين. ولأن الثورات تنتقل بالعدوى، شأنها شأن المرض، دق ناقوس الخطر في سوريا، من مدينة درعا جنوب الدولة السورية، في شهر مارس (آذار) من عام2011م، ولأسباب يحيطها بعض الجدل والضبابية، اندلعت احتجاجات فيها تطالب بإسقاط النظام، وكالنار في الهشيم، تفجرت في العديد من المدن السورية الأخرى مظاهرات تطالب بإسقاط نظام الأسد.

الأزمة السورية أو الحرب الأهلية كما يطلق عليها البعض، على وشك الدخول في عامها العاشر تواليًا، عقد من الزمن لم تر فيه سوريا ضوء شمس الحياة والأمل، ويمكن القول إن هذه الأزمة تُعد الأزمة الأكبر والأعنف في تاريخ سوريا الحديث، وفي هذا الحدث كان الجيش السوري لاعبًا أساسيًّا ومحوريًّا فيها؛ فهو رأس الحربة للنظام، وخط الدفاع الأول عنه، وهذا أمر غير مستغرب، فإذا درسنا تركيبة المؤسسة العسكرية السورية وبنيتها، سنجد أن هذه المؤسسة هُندست لتقوم بهذه الوظيفة، لنتوقف هنا قليلًا ونعود في الزمن إلى عام1970م، عندما استلم حافظ الأسد الحكم في سوريا، ونلقي نظرة سريعة على الإجراءات التي اتخذها فيما يخص المؤسسة العسكرية.

لقد وضع حافظ الأسد منذ توليه الحكم في سوريا دستورًا جديدًا للدولة، كرَّس من خلاله سلطة حزب البعث على الدولة، عن طريق جعل قادة الجيش السوري أعضاء في اللجنة المركزية لحزب البعث، كما طوَّع عددًا كبيرًا من أبناء طائفته (العلوية) في الجيش، وعمل على استحداث نظام جديد لتشكيل الجيش مبني على نظام الفرق العسكرية، بدلًا من التشكيل القديم الذي كان يعتمد على نظام الألوية والأفواج، وأصدر مرسومًا عام 1984م عد فيه القادة العسكريين للفرق حكامًا عرفيين في مناطق انتشار فرقهم، بموجب هذا المرسوم حولت معظم الوحدات الإدارية السورية إلى مناطق نفوذ عسكرية، هذا بالإضافة إلى إنشائه قوى عسكرية جديدة موالية، مثل سرايا الدفاع والحرس الجمهوري.

وبالعودة إلى الأزمة السورية والجيش السوري، فخلال هذه الأزمة التي بدأت عام2011م، وما زالت مستمرة حتى هذه الأيام، تعرض الجيش لتغيرات بنيوية ووظيفية، لأول مرة منذ استلام عائلة الأسد الحكم في سوريا؛ وهذه التغيرات سببها مجريات الأزمة وما أنتجته من ظروف.

إن التحول الوظيفي الأبرز، أو بمعنى أدق الاختبار الواقعي الأبرز للمشروع الذي أسسه حافظ وأكمله بشار تمثل في الأزمة السورية، حيث إن الجيش وكما ذكرنا سابقًا منذ اندلاع الاحتجاجات والمظاهرات، سَخر كل إمكانياته وأدواته لحماية النظام والحفاظ عليه، ورغم بعض الانشقاقات التي حصلت في المؤسسة العسكرية، وانضمام العديد من العساكر والضباط إلى صف المعارضة، إلا أن المنظومة العسكرية بقيت متماسكة؛ لأن مفاصل هذه المنظومة يتحكم فيها أبناء الطائفة العلوية والموالون للنظام. وبعد أن احتدم الصراع بين قوات النظام وقوات المعارضة، كلفت بعض الفرق العسكرية بتحصين وحماية المدن والمناطق التي يسيطر عليها النظام مثل طرطوس، واللاذقية، ودمشق، وحمص.

أما بما يتعلق بالتحولات البنيوية، فلقد كانت تحولات ملموسة ومؤثرة على تركيبة الجيش السوري وفرقه، وكان لهذه التحولات دور كبير في ثبات الجيش السوري لهذا الوقت أمام قوات المعارضة، وعدم انهيار نظام بشار الأسد. أول التغيرات البنيوية لدى الجيش كانت في القوات المسلحة، التي تتألف من ثلاثة فيالق: الفيلق البري، والفيلق البحري، والفيلق الجوي، يبلغ عدد هذه الفيالق مجتمعة حسب تقديرات عام 2010م، حوالي 295ألف عنصر، إلا أنه وبعد مضي ما يقارب التسع سنوات على الأزمة، يقدر بعض الخبراء العسكريين أنه لم يبق من هذه القوات المسلحة إلا الربع تقريبًا.

التحول البنيوي الثاني كان بإنشاء قوات جديدة سميت بالقوات الرديفة، استُحدثت في خضم الأزمة، وهي عبارة عن ميليشيات محلية قائمة على التطوع، كقوات الدفاع الوطني، واللجان الشعبية التي تأسست بتوجيه من إيران، هذه القوات لا تعمل تحت سيطرة النظام مباشرة، وتمويلها يأتي من رجال الأعمال الموالين للنظام، ويجري تجنيدهم على أسس طائفية تحت قيادة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، وهي تعمل في المناطق التي يسيطر عليها النظام.

تفرع عن القوات الرديفة فيلقان، الفيلق الرابع والفيلق الخامس، وكان لهذين الفيلقين تأثير واضح على الأرض في الصراع بين قوات النظام وقوات المعارضة، الفيلق الرابع الذي أسس لمواجهة النقص في العنصر السوري، مقارنة بالوجود الأجنبي الكثيف المناصر للأسد من جنسيات أجنبية، والحاجة إلى إضفاء الطابع المؤسسي على هذه القوات ودمجها في الجيش. أما الفيلق الخامس فتم تأسيسه لمحاولة ضبط مؤسسة الجيش على المدى المتوسط والبعيد، بعد حالة الإنهاك والترهل الكبير الذي أصابها بسبب الخسائر البشرية الكبيرة في المعارك، وحالات الانشقاقات والفرار من الخدمة العسكرية، بالإضافة إلى حالات الفساد والتجاوزات الضخمة التي قامت بها قوات الجيش والقوات الرديفة من الميليشيات.

إضافة إلى التحولات البنيوية السابقة، يوجد تحول بنيوي ولكن يمكن تصنيفه تحولًا بنيويًّا من الخارج أكثر من كونه تحولًا من الداخل، التحول يكمن في جلب قوات أطلق عليها القوات الحليفة، وهي عبارة عن قوات أجنبية دخلت إلى سوريا لمساندة النظام، كان دور هذه القوات في دعم صمود النظام وإعادة الروح له ولقواته في مرتين اثنتين بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط.

كما نقلت إيران المستشارين العسكريين، والآلاف من الميليشيات الأفغانية واللبنانية والعراقية إلى سوريا، وكان لها الدور الكبير والفاعل في نشر هذه الميليشيات على الجبهات بالتنسيق مع الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، وكان للتدخل العسكري الروسي الدور الحاسم في الحد من التدهور الحاد للإمكانيات العسكرية لقوات النظام، حيث قدمت روسيا دعمًا جويًّا واسعًا للنظام أثناء معاركه مع فصائل المعارضة.

المؤسسة العسكرية السورية تحولت منذ تولي عائلة الأسد سدة الحكم في سوريا، إلى مؤسسة هدفها الأساسي حماية النظام من أي خطر داخلي قبل أن يكون خارجيًّا، ومنع وإفشال أي محاولة انقلابية عسكرية، باختصار الجيش السوري أصبح أداة في يد النظام، وحتى التحولات التي حصلت في فترة الأزمة، كان هدفها تدعيم الجيش وتقويته، ليستمر في الدفاع عن النظام؛ لأنه كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط والانهيار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأزمة, الجيش

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد