تحدثت في المقال السابق عن الجيش المصري، وذكرت نبذة عن تاريخه، وما وصل إليه هذا الجيش في وقتنا الحالي، وسأتابع في هذا المقال الحديث عن الجيش السوري، وعند الحديث عن هذا الجيش يجب عليَّ التفصيل قليلًا في تاريخه؛ فمعرفة هذا التاريخ تؤدي بنا إلى فهم الأحداث التي تحصل في سوريا الآن، وما يفعله ما تبقى من هذا الجيش من ضباط وجنود بعد أن استنزف استنزافًا كبيرًا منذ قيام الثورة في عام 2011، ولعل الاختلاف الأكبر بين الجيشين السوري والمصري، أن الأول أسس على صبغة طائفية واضحة، بعد عام 1963، وهذا ما سأحاول توضيحه في هذا المقال.

وبالحديث عن الجيش السوري لا بد أيضًا ًأن أبدأ بذكر «يوسف العظمة» وزير الحربية في سوريا بين عامي 1918 و1920 هذا الرجل الذي أبى أن يدخل الغزاة الفرنسيون أرض سوريا دون مقاومة فخرج لهم بعدد قليل من الرجال، وبعتاد لا يقارن أبدًا بعتاد الفرنسيين واستشهد في معركة «ميسلون» الشهيرة عام 1920.

وأتيت على ذكر يوسف العظمة خاصة، وجيشه في معركة ميسلون، بالرغم من أنه ليس جيشًا بالمفهوم التقليدي للجيوش الموجودة في الوقت الحالي؛ لأحاول المقارنة بينه وبين الجيش السوري بعد عام 1963؛ حيث تحول هذا الجيش من حامي للوطن والشعب إلى جيش تحكمه طائفة وعائلة، وتديرانه كيفما أرادتا.

جسد يوسف العظمة دور البطل المدافع عن وطنه، وليس كجنرالات اليوم في الجيش السوري، وباقي الجيوش العربية، فبين رجل استشهد من أجل قضية، وشعب، وفي مواجهة غزو أجنبي، وبين جنرالات اليوم، الذين تحولوا إلى مجموعة من المقاولين الذين يعملون ضد مصلحة الوطن والشعب ويسخرون إمكانيات الجيش للفساد والسرقة ويقفون في وجه شعوبهم إذا ما طالبوا بحقوقهم وحريتهم ويسومونهم سوء العذاب.

الجيش السوري بعد الاستقلال

في عام 1946 نالت سوريا استقلالها من فرنسا، وكان الجيش حينها قد امتلأ بالضباط المتطلعين للسلطة، وللوصول للحكم من خلاله؛ فشكل الجيش لهم الوسيلة المناسبة لتحقيق غاياتهم، ولذلك لم تكن تمر ثلاث سنوات حتى بدأ تاريخ الانقلابات العسكرية في سوريا، ولعل سوريا من أشهر بلدان العالم العربي بالانقلابات العسكرية؛ ففي عام 1949 حصلت ثلاث انقلابات عسكرية دفعة واحدة في نفس العام، وكانت فاتحة هذه الانقلابات انقلاب «حسني الزعيم»، ومع هذا الانقلاب بدأ عهد حكم العسكر في سوريا، وباقي البلاد العربية كمصر وليبيا وغيرها، واستمر وضع الانقلابات العسكرية في سوريا على هذا المنوال؛ فكل عام أو عامين كان يحدث انقلاب عسكري، حتى وصلنا إلى عام 1958 حيث أعلنت الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا ومصر.

الجيش السوري في فترة الوحدة مع مصر

تميزت علاقة الجيشين المصري والسوري حينها بالتوتر؛ حيث شعر الضباط السوريين بأن الضباط المصريين ينظرون لهم نظرة فوقية، وهيمن ضباط الجيش المصري على الجيش السوري من ناحية القيادات التي عينها «جمال عبد الناصر» بعد الوحدة وكانت هذه من الأسباب التي أدت إلى الانفصال في عام 1961، حيث قام «عبد الكريم النحلاوي» بانقلاب ألغى على أثره الوحدة بين سوريا ومصر، وكان من أبرز ما حصل خلال هذه الفترة هو بداية تشكيل ما يسمى باللجنة العسكرية التي ضمت أسماء كـ«صلاح جديد» و«أحمد المير» و«حافظ الأسد»، وهي التي بدأت بحكم سوريا من وراء الستار بعد الانفصال.

بعد الانفصال وبداية حكم البعث

تأسس «حزب البعث العربي الاشتراكي» عام 1947 وحكم في العراق من عام 1968 إلى عام 2003 موعد سقوط نظام «صدام حسين» وبدء الاحتلال الأمريكي، أما في سوريا، فبدأ حكمه في عام 1963 بانقلاب عسكري سمي «ثورة الثامن من مارس (أذار)» وقادته اللجنة العسكرية سابقة الذكر، بعد هذا دفعت اللجنة بـ«أمين الحافظ» ونصبته رئيسًا على سوريا، وبدأت عمليات التغيير الكبير تحدث في الجيش السوري بتسريح الضباط السنة وتغيير البنية القيادية للجيش على أسس طائفية.

اشتهرت أيضًا في تلك الفترة قصة الجاسوس الإسرائيلي «كوهين»، وكيف قام باختراق الصفوف العليا للقيادة السورية، هذا عدا جولاته الكثيرة على مواقع الجيش السوري، والتقاطه لصور التحصينات في جنوب سوريا في الجهة المقابلة لـ«إسرائيل»، تم بعد ذلك اكتشاف أمر هذا الجاسوس بمساعدة المخابرات المصرية، ونُفذ فيه حكم الإعدام، والشاهد في هذا الموضع هو هشاشة هذه الجيوش، وسهولة اختراقها؛ إذ كيف لجاسوس من دولة معادية أن يصول ويجول في ثكنات الجيش، ويلتقط الصور، دون أن يعلم أحد بأمره في مدة تجاوزت الثلاث سنوات؟ هذا بالإضافة لاختراقه ضباط الصف الأول في الجيش، وإقامة الحفلات، وتبادل الزيارات معهم!

بعد ذلك في عام 1966 تمت إزاحة «أمين الحافظ» وعين «نور الدين الأتاسي» رئيسًا لسوريا، وحافظ الأسد وزيرًا للدفاع؛ ليتلقى الجيش السوري في العام التالي هزيمة كبيرة من إسرائيل؛ وتحتل على إثرها الجولان الذي بقي محتلًا حتى وقتنا الحالي.

أتابع في المقال القادم ـ إن شاء الله ـ الحديث عن خفايا احتلال الجولان، وما فعله الجيش السوري بعدها من مجازر في حق السوريين، كمجزرتي «حماة وتدمر» بقيادة حافظ الأسد، وأتحدث أيضًا عن تدخل الجيش السوري في لبنان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد