عندما كنا صغارًا لم تتجاوز أعمارنا الستة أعوام، أي في الصف الأول الابتدائي مرورًا بالصف الثاني والثالث وهكذا، تأسسنا وتربينا على مبادئ وقواعد، كان قسم كبير منها في المدرسة أي المرحلة الابتدائية، والقسم الآخر في بيوتنا والمحيطين بنا.

كانت هذه الحقن تأتينا على شكل دروس منظمة، أو مواعظ من هنا وهناك نتعاطاها من وقت لآخر بشكل مباشر أو غير مباشر، بحكم أننا في مرحلة التنشئة والتربية في تلك الحقبة الزمنية من عمرنا، ولكن ما هي طبيعة هذه الحقن أو المبادئ أو المواعظ؟!

باختصار شديد هي كيف نحب وطننا ونخلص له؟، وفي المستقبل القريب كيف نكون أشخاصًا فاعلين؟، كل فرد ضمن مجال عمله وتخصصه، وأن العدو الصهيوني على أتم الاستعداد للهجوم علينا، فيجب أن نكون جاهزين ومستعدين لأي هجوم محتمل، وكل شخص من موقعه ناهيك عن التفاصيل الأخرى!

أحببنا الوطن وتراب الوطن وقائد الوطن وأمن الوطن، وكل شيء يرتبط بهذا الوطن، بدءًا من النشيد الوطني السوري حماة الديار عليكم سلام، وحتى أغنية سوريا يا حبيبتي أعدتي لي كرامتي أعدتي لي هويتي، ملبين دعوة ضميرنا وأهلنا ووطننا ومجتمعنا وكل المحيطين بنا، فهذا الموضوع غير قابل للنقاش أو الجدل بل إنه من المسلمات لدينا.

بعد هذه التنشئة والسيناريوهات التي تتحدث عن الوطنية والوطن والمقاومة والممانعة والأعداء والمؤامرات وتحرير فلسطين، أصبح كل شاب سوري يمتلك فكرًا وطنيًا ضخمًا، وأرشيفًا معقدًا من المبادئ والخطوط الحمر والزرق، يجابه به القاصي والداني الكبير والصغير في حب الوطن ونظريات المؤامرة وأبعادها الاستراتيجية، التي قد تؤثر بشكل أو بآخر على النسيج الوطني في حال الاستهانة بها أو إهمالها.

كبرنا وكبرت معنا أحلامنا وأمانينا، وما تربينا عليه من مبادئ وحقن وطنية بمختلف أشكالها وتوجهاتها، وأخذنا نطبق ما تعلمناه في وطننا كل شخص حسب تخصصه، فنحن نعيش في الجمهورية العربية السورية رمز المقاومة والممانعة، وجبهة التصدي الأولى للعدو الصهيوني ومخططاته في المنطقة، فنحن نعيش في دولة تربينا فيها على كيفية تحرير فلسطين، وما هي الإجراءات المتبعة لمحاربة المحتل، ونسينا أو تناسينا أن الجولان السوري المحتل أيضًا محتل عفوًا أو قد تم تسليمه من ذات القيادة التي أحاطتنا بسياج الوطنية المزيفة!

لا أريد الخوض كثيرًا في التفاصيل وخفايا المشهد، فالقصة واضحة للجميع، والحديث في هذا الجانب يحتاج لكتب أو ربما لمجلدات كبيرة للإحاطة به من كل جوانبه.

وسط تطور الأحداث الذي شهده العالم بشكل عام، والمنطقة العربية بشكل خاص تطور فكر المواطن العربي، وتعددت طموحاته، وبدأ يسعى للتحرر وإثبات نفسه كمواطن عربي لا تحكمه الشعارات الرنانة ولا الأكاذيب الوطنية، والتي مصدرها رأس السلطة، وكما نرى الفساد موجود والمحسوبية موجودة والواسطة سيدة الموقف.

رأى المواطن والشعب السوري نفسه مطالبًا بالتغيير والتجديد، كما حصل في الدول العربية، التي شهدت حركات تحررية وثورية للمطالبة بهيكلة جديدة للدولة، والبحث عن الحرية وترسيخها في شتى المجالات، وإنهاء حالة الظلم والاستعباد والاستبداد والتي كانت تمارس على الشعب.

لم يكن هدف الشعب السوري التقليد لا وإنما تغييرًا جذريًا للواقع الذي يعيشه، بما يحمله من سلبيات أدت لانتشار كافة أنواع الفساد والظلم في مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية.

18 مارس (أذار) 2011 تاريخ مفصلي في حياة الشعب السوري والمنطقة العربية ككل، عندما انكشفت الأمور وبدأت التفاصيل الصغيرة تكبر شيئاُ فشيئًا، معلنة ثورة شعبية على الظالم الأكبر رأس النظام بشار الأسد، فبعد أن أعلن الشعب معارضته لطاغية دمشق انهالت عليه كل أنواع الأسلحة، بدءًا من الرصاص الحي وحتى البراميل المتفجرة والسلاح الكيميائي، بعد هذا الكم الهائل من الحقد الدفين الذي أخفاه الأسد ونظامه، أيقن الشعب أن المواجهة ضرب من ضروب الجنون، وخاصة بعد سقوط ما يقارب نصف المليون شهيد ومليوني معتقل، ناهيك عن المفقودين والمختطفين ودمار أغلب المدن.

بدأت حالة اللجوء تتسلل شيئًا فشيئًا إلى الأوساط الشعبية، مما دعا الأغلبية لمغادرة دائرة الجحيم والحرب الدائرة في بلادهم، بحثًا عن الأمن والأمان، لينعموا بحياة مثلهم مثل باقي الشعوب، ولكنهم لم يدركوا أن شبح الموت سيرافقهم حتى بعد مغادرتهم لبلادهم، في البحر والبر والجو، وهذه ضريبة إضافية بالإضافة لما تحملوه في بلادهم من قهر وظلم وكل أنواع الموت.

اليوم السوريون مشتتون في كل أصقاع الأرض، باحثين عن سلامٍ بعيدًا عن وطنهم الأم سوريا، وبعيدًا عن آلة القتل والإجرام الأسدية، وبقيت الثورة وروحها حاضرة في قلوبهم، يتطلعون لليوم قبل غدٍ للعودة لوطنهم، وإعادة ترميم جراحهم ولم شملهم هناك من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد